أولا وقبل الدخول في تفاصيل الفيلم الأزمة «أصحاب ولا أعز« لا بد من الالتفات إلى الاهتمام المُبالغ فيه بالحدوتة الصبيانية، التي ارتكزت عليها الأحداث، وأدت إلى صناعة 18 نسخة عالمية من الحالة الدرامية، قبل الشروع في عمل النسخة العربية اللبنانية التاسعة عشرة للمخرج وسام سميرة، حيث التفسير بأن الموضوع جدّ مهم، تفسير غير منطقي فكم من موضوعات وقضايا مهمة تجاهلتها السينما العالمية، ومرّت عليها مرور الكرام، لأنها لم تجد فيها ما يُحقق مآربها وأغراضها السياسية والتجارية.
ولو جازت إعادة إنتاج فيلم مُعين لنجاح ما صادفه، فليكن ذلك مُكرراً في نسخة أو نسختين أو ثلاث نسخ، لكن أن تتحول لعبة بهذا القدر من الخفة إلى قضية إنسانية، فهذا هو موضع السؤال.. لماذا هذا التكثيف في استهداف الأخلاق، وفضح السلوكيات الفردية على هذا النحو من الفجاجة والعلانية؟
ليس الغريب أن يقوم المخرج الإيطالي باولو جينوفيس عام 2016 برصد ظاهرة مُجتمعية، تُمثل فيها التكنولوجيا الحديثة مصدر تهديد لخصوصية الإنسان، من خلال فيلمه الأول «غرباء بالكامل» فهذا عمل مشروع باعتبار ذلك من الأدوار المُهمة للسينما، لكن المُدهش هو أن تُنتفض دول كبرى كاليابان والصين وفرنسا وتركيا، لتستعير القصة نفسها، وتقدمها كشكل جديد لسينما عصرية مُختلفة، فتنقل شركة نتفليكس الأمريكية بالتعاون مع المُنتج محمد حفظي العدوى السينمائية إلى لبنان ومصر، بالمُبررات الواهية نفسها، التي لا تخرج عن فكرة التلويح بالأفكار المضادة للثقافة الشرقية المُحافظة، بدعوى تعريتها ونقدها، بينما الحقيقة تشي بنوايا الفضح، وهتك المستور، وتعميم السلوكيات الشخصية ووصفها بأنها حالات اجتماعية عامة تؤكد ازدواجية المُجتمعات العربية، في حين أن القضية لا تخص المُجتمعات العربية وحدها، بقدر ما تخص التطور التكنولوجي العالمي، الذي جرأ المواطنين في كل بلاد العالم على الاستغلال الأسوأ للتقنيات، فضرب منظومة القيم والأخلاق في مقتل.
الفيلم اللبناني ـ المصري «أصحاب ولا أعز» وهو التجربة الإخراجية الأولى لوسام سميرة ربما لم يختلق واقعاً افتراضياً، ولم يجترئ على حقيقة الفوضى التقنية، وخواص التسجيلات السرية، والمتاجرة بأدق خصوصيات المواطنين، لكنه أمعن في استثمار المُشكلات الخاصة في توظيف فني ليس بعيداً عن شُبهة الترويج الفاضح للأمراض السلوكية، كالتنمر والمثلية والتلصص والخيانات الزوجية، على سبيل المثال، فاللعبة التي يلعبها الأبطال في سياق الأحداث هي، حيلة شريرة من جانب كاتب السيناريو للوقوف على عورات الأفراد والمجتمع، وربما السيناريوهات المُشابهة التي تم تنفيذها في الأفلام العالمية السابقة المأخوذة من الطرح ذاته، هي التي أدت إلى إثارة كل هذا الضجيج حول الفكرة ومكنت الفيلم من دخول موسوعة غينيس كونه حطم الرقم القياسي في إعادة الإنتاج رغم أنه ليس الفيلم الأعظم!
إن استغلال فترة الإغلاق بسبب انتشار وباء كورونا في لبنان، واعتبار هذه المرحلة قاعدة للبناء الدرامي للفيلم، باعتبار الظرف القاسي للحظر هو الذي فرض على الأبطال التجمع معاً والجلوس إلى مائدة العشاء لممارسة لعبة البوح والكشف والفضح من باب التسرية وقتل الوقت، كل هذه مجرد سياقات ضعيفة لا ترقى إلى أن تكون مُبرراً لإفشاء الأسرار الشخصية والعائلية الخاصة جداً، اللهم إلا إذا كان الهدف من اللقاء هو إعلان الحرب بين الشخصيات الدرامية واستخدام الأسلحة المُباحة وغير المُباحة كافة، في المواجهة، وهي ذاتها دلالة القصد من هتك ستر المجتمع وبيان حالة الانفصام التي يعيشها الإنسان ويتكيف معها، من غير إحساس منه بأنه يقترف جُرماً أو فعلاً فاضحاً، وهنا يتأكد المعنى ثانية أن هذا ليس عيباً في الشخصية العربية أو المصرية وحدها، طالما أن الخطر التكنولوجي قائم وعام ومُحدق بالجميع.
أما عن الأبطال الذين جسدوا الشخصيات وهم، إياد نصار ومنى زكي ونادين لبكي وجورج خباز وعادل كريم، فهؤلاء أغراهم النص العالمي وغوتهم التفاصيل ولعبت في رؤوسهم فكرة المُغايرة، ثم إن الرسالة المُتضمنة عادة في أي عمل إبداعي، لاسيما السينمائي لا تكون واضحة كل الوضوح لجميع الأبطال على الورق لأن بعضهم يقرأ دوره فقط ويترك بقية الأدوار لأصحابها، غير أن التبعية والمسؤولية في معظم الحالات تكون على كاتب السيناريو والمخرج، وقطعا جهة الإنتاج صاحبة الامتياز الأول في صناعة المُصنف الفني وخروجه إلى النور أو إلى عتمة الظُلمات وهاوية الجحيم النقدي المُستعر.
كاتب مصري