بعد ان أدخلت الدول صانعة القرار العالمي، الشق السياسي للثورة السورية في نفق مظلم، يبدو أن جانبها العسكري لم يكن أحسن حالاً. الشق السياسي على ما يبدو تحول إلى كرة تتقاذفها الدول الفاعلة في الملف السوري دون التوصل إلى حل يضع لمساته على الواقع المؤلم، فيما تعكس النتائج الأخيرة بشكل مباشر أو غير مباشر دخول الجانب المدني في البوتقة ذاتها، طارحة بذلك العديد من التساؤلات حول الدور الذي لعبته وتلعبه دول أصدقاء الشعب السوري حول الانتفاضة الشعبية ضد النظام السوري.
على صعيد التضييق المدني في المحليات السورية، فقد أبلغت، إدارة مشروع «أجاكس» الشرطة السورية الحرة، منتصف تموز/يوليو الماضي، وكذلك المانحين (أمريكا وبريطانيا والدانمرك وهولاندا وألمانيا) أنه سيتم ايقاف الدعم عن الشرطة الحرة في أيلول/سبتمبر الجاري كحد أقصى، فيما كانت الأطراف ذاتها قد أنذرت الشرطة في أيار/مايو الماضي بأنها ستوقف الدعم بشكل فوري خلال أيام، لكن تبدل القرار باستمرار الدعم حتى أيلول/سبتمبر الجاري، ويذكر أن المستفيدين المباشرين في إدلب 1556 شخصاً، وفي حلب 1858 شخصاً.
اغتيال المؤسسات الثورية
توقف الدعم الدولي عن الشرطة الحرة، وفق ما قال مؤسسها وقائدها في حلب، العميد أديب الشلاف لـ «القدس العربي» كان بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، فالجهات الداعمة، كانت تبرر ذلك بأنها «سياسة دول» خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب. والغريب، وفق المصدر، أن مخطط تلك الدول كان استراتيجيا مستداما لأعوام طويلة، ولكن ما حصل هو قطع مفاجئ، وعندما قامت قيادة الشرطة الحرة بالاستفسار عن الأسباب، كانت الذريعة «خوفاً من ألا تذهب أموال الدعم لجهات إرهابية».
القيادي السوري المعارض، أرجع من منظوره التحليلي أسباب توقف الدعم الدولي للشرطة الحرة، إلى أن المنطقة مجهولة المستقبل، هل سوف يستعيدها النظام، أم ستضع تركيا يدها عليها؟ فإذا فرضت أنقرة سلطتها، فلن تقوم تلك الدول بمواصلة دعم الشرطة الحرة، ولكن تلك الدول بررت ذلك كونه «قرارا سياسيا».
وأضاف الشلاف، إن الدعم لم يكن مشروطاً بأي بند كان، ما عدا التفاهمات الأساسية بأنه يجب أن يصل لأصحابه، وعدم السماح بإيصال المال لأي فصيل مصنف على قائمة «الإرهاب». وأشار إلى إن قيادة الشرطة تسعى حالياً لتأمين دعم لتعويض الفجوة الحاصلة، وبأنهم تحاوروا مع تركيا في هذه النقاط عبر قنوات غير رسمية، وينتظرون ردهم عليها.
نسف الاستقرار
أما عضو قيادة الشرطة الحرة في إدلب، العقيد علي الزين، فقال لـ «القدس العربي»: «نستطيع القول ان هناك حوالي 3500 عائلة مستفيدة بشكل مباشر من هذا الدعم الذي شكل نوعاً من الاستقرار المادي لهذه الأسر لمدة تقارب من الأربع سنوات، أما الأثر الاقتصادي لهذه الكتلة النقدية التي تضخ بشكل شهري في المناطق المحررة فقد ساهمت في نمو الدورة الاقتصادية، ورفع مستوى المعيشة بشكل واضح في المناطق المحررة.
إضافة الى العدد الكبير من الموظفين المتعاقدين مع أجاكس مباشرة من مهندسين وفنيين تقدر أعدادهم بالعشرات، كذلك إلى مشاريع المشاركة المجتمعية التي ساهمت في تطوير البنى التحتية والمؤسسات الخدمية في المجتمعات التي تتواجد فيها مراكز الشرطة بدءاً من المخيمات المقامة على الشريط الحدودي وصولا إلى اقصى الجنوب المحرر، يعني أكثر من 2.5 مليون مستفيد غير مباشر من هذا المشروع».
ومن وجهة نظر العقيد الزين، فإن «سبب توقف الدعم المالي المفاجئ، مرجعيته سياسية بحتة، ترتكز على أسباب منها، تقلص حجم المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة لصالح النظام، وعدم الرغبة في المخاطرة من قبل الدول الداعمة بالإنفاق في أماكن يمكن ان تقع مجددا تحت سيطرة النظام أو الحكومة التركية».
الآثار السلبية
واتفق قياديو الشرطة الحرة في حلب وإدلب، على إن الآثار السلبية لايقاف تمويل الشرطة السورية الحرة، سيؤدي إلى «عدم شعور موظف الشرطة بالاستقرار المادي الذي يدفعه بدلا من تطوير أدائه في العمل إلى البحث عن عمل آخر يوفر له ولأسرته سبل العيش. وهناك مشروعان للشرطة في المناطق المحررة (الشرطة الحرة – والشرطة الإسلامية) وان ايقاف الدعم قد يزيد من فاعلية المشروع الآخر في مواجهة مشروع الشرطة الحرة».
أما من ناحية الآثار السلبية أيضاً «دفع بعض عناصر الشرطة الحرة إلى التخلي عن عملهم والالتحاق بعمل جديد يكسب من خلاله قوت يومه، وإضعاف مستوى الخدمة الشرطية المقدمة والذي سينعكس بدوره سلبا على مستوى الأمان في المناطق المحررة، وزعزعة الاستقرار الاقتصادي والأمني الذي كانت تشعر به عائلات أفراد الشرطة الحرة والمدن والبلدات التي تتواجد فيها مراكز الشرطة الحرة. وفي حال ايقاف الدعم سيدفع الكثير من هؤلاء إلى التفكير باللجوء والنزوح إلى أماكن وبلدان جديدة بحثا عن الذي فقدوه من استقرار وعيش آمن». ويتابع: «العمل في مشروع الشرطة الحرة بدأ في آب/أغسطس من عام 2012 وتلقي الدعم في آب/أغسطس عام 2013 مما يعني العمل سنتين دون دعم. كشرطة حرة استمرينا في القيام بواجبنا تجاه أهلنا ومجتمعنا، والعمل ما أمكن على المحافظة على الأمن والاستقرار ضمن تلك المجتمعات. ولكن كما سبق وذكرنا ان ايقاف الدعم بعد 4 سنوات من الشعور بالاستقرار المادي في تلك المؤسسة سيكون له الأثر السلبي على عمل الشرطة الحرة ككل».
تاريخ التأسيس
انطلاقة الشرطة السورية الحرة في حلب شمال سوريا، كانت رسمياً في مطلع تشرين الأول/اكتوبر عام 2012، إذ كانت تنتشر بعض النقاط الأمنية في القرى والبلدات، وبعد ذلك، كان دور قيادة الشرطة الحالية، بتجميع هذه النقاط، وتصميمها ضمن أطر مهنية وقانونية، وفتح أبواب الانتساب، دون أي دعم دولي آنذاك، ليصبح انتشارها إلى كافة المناطق المحررة، أي ما يعادل نصف مساحة حلب، وتصل النقاط الإجمالية في ذلك الوقت 60 مركز شرطة، وبعد عام من ذلك التاريخ، أعلنت المعارضة عن تأسيس الشرطة السورية الحرة في محافظة إدلب.
الدعم الدولي المقدم للشرطة الحرة، جاء وفق المصدر، من الأطراف الخمسة التي وصفت نفسها بـ «أصدقاء الشعب السوري» وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، ودول أوروبية، وأول دعم تلقته الشرطة الحرة كان في منتصف شهر آب/أغسطس عام 2013.
وما أن مضت فترة وجيزة على إنطلاقة الشرطة الحرة، إلا وظهر تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي سيطر على كامل الريف الشرقي من حلب الذي كان يضم 13 مركزاً للشرطة الحرة، ليستمر عمل الفريق في بقية المناطق المحررة، ومن ثم نجح النظام السوري في بسط سيطرته على مدينة حلب، وتوقفت معها آلية عمل الشرطة الحرة في 11 مركزاً.
ريف حلب الشمالي، كان له واقع مختلف بعد دخول القوات التركية، إذ أسست أنقرة شرطة خاصة أطلق عليها اسم «شرطة درع الفرات» اندمجت الشرطة الحرة مع شرطة درع الفرات، بعد صيغة تفاهم بين الجانبين، وأقدمت الشرطة الحرة بموجبها بتقديم كامل المعدات والعربات التي في حوزتها للمجالس المحلية.
الخدمات
الكثير من الخدمات الأمنية والمدنية، قدمتها الشرطة السورية الحرة في حلب، من تأمين ورقابة تنفيذ المشاريع المحلية المقدمة من المنظمات الدولية، كمنظمة «أجاكس». ويمكن مقاربة المشاريع الضخمة التي ساهمت الشرطة في تحقيقها في حلب 30 مشروعا عالِ المستوى، ومشاريع متوسطة تقدر بأكثر من 130 مشروعاً، وفق ما ذكره الشلاف.
ومن أهم منجزات الشرطة الحرة على الصعيد الداخلي، كان إبعاد عسكر الثورة عن المؤسسات المدنية، وتحقيق نسبة جيدة من الأمن، والعمل الجنائي، وما ساهم في تحقيق تلك النجاحات هو توفر أرقام جيدة من ضباط الشرطة المنشقين، بالإضافة إلى الدورات الخاصة والمحورية التي تم تقديمها لهم.
كما أجمع القياديان الشلاف والزين، على إن الشرطة الحرة، نجحت في بناء مؤسسة شرطية تعمل باستراتيجية الشرطة المجتمعية وحظيت بحالة احتضان مجتمعي عالي جداً تحكمها سياسات وإجراءات واضحة مستمدة من النظام الداخلي ومدونة السلوك والقيود والسجلات.
وتقوم الشرطة الحرة، كذلك وفق القياديين، إضافة إلى دورها في الحفاظ على الأمن والاستقرار في المجتمع، بدور فاعل في مساعدة مديرية التربية في تأمين العملية الامتحانية وسيرها بشكل منضبط وسليم، كما تقدم يد العون للمشافي أثناء عمليات الإسعاف التي تلي القصف على مناطق الريف المحرر، إضافة إلى دورها في الوقوف إلى جانب فرق الدفاع المدني في عمليات الانقاذ والإجلاء وإخماد الحرائق، وساهم كل ذلك في تدني معدل الجرائم بشكل واضح في المجتمعات التي تتواجد فيها الشرطة الحرة مقارنة مع المناطق الأخرى. طريق الشرطة الحرة، كان شاقاً، والمصاعب لا تعد ولا تحصى، كان أبرزها وضعها على قائمة الاستهداف من قبل النظام السوري، مع مراكز الدفاع المدني، فتقصد النظام السوري مهاجمة الشرطة الحرة، وتكبيدها خسائر فادحة، فحلب فقدت أكثر من 120 عنصرا وضابطا من الشرطة السورية الحرة، وكذلك كانت تلك الشرطة هدفاً لتنظيم الدولة الإسلامية الذي لم يتوان عن استهدافها واختطاف ضباط وعناصر منها، وتنفيذ أحكام إعدام.
ولم تسلم كذلك من الحرب الداخلية، التي كانت تقودها أطراف في المعارضة السورية ذاتها، وكان الخلاف الجوهري في ذلك هدفه الدعم المقدم للشرطة.
الاندماج مع الأسد
وقال العميد الشلاف: «في حال ذهبت الأمور في الشمال إلى تسوية مع النظام، فإن قيادة الشرطة الحرة لن تندمج مع شرطة الأسد، مهما كانت الظروف» وقال انهم سيتخلون عن كامل المشروع مقابل ألا يصبحوا وشرطة النظام في خندق واحد.
ولم يستبعد المصدر، توقف الدعم الدولي، بهدف إعادة تأهيل الأسد، ولكنه نفى وجود أي جواب واضح حول ذلك، مشيراً إلى إن هذه الخطوة قد تصب في إفراغ الثورة السورية من الملفات الإنسانية والحساسة، والتي ساهمت بدور كبير في نقل الثورة إلى الأطر القانونية الناظمة، أما عن العلاقة مع تركيا، فقال: «العلاقة عادية، وأدبا كنا نبلغ الإخوة الأتراك، كون غالبية اللقاءات كانت تجري في الأراضي التركية، وعندما ولدت شرطة درع الفرات، كان التواصل أوسع من سابقه عبر قنوات، الأمر الذي أدى إلى تفاهمات بين الجانبين».
وتعتبر مؤسسات «الدفاع المدني والشرطة الحرة» من أبرز المنظمات الفاعلة في الملف المدني في الثورة السورية، وقد حققت تلك الفعاليات المحلية نجاحات في الأعمال الميدانية التي تولت الإشراف عليها وتنفيذها، حتى باتت علماً أساسياً في القضية السورية، ووصلت نجاحاتها إلى العالمية، إلا إن القرارات الدولية الأخيرة، كما يبدو دفعت نحو ان تحط تلك المؤسسات رحالها، دون الحصول على الآمال التي حاولت بإيمانها تحقيق أجزاء منها، حتى لو كانت بسيطة.
هل للشعب السوري أصدقاء؟
الباحث السياسي السوري خليل المقداد، رأى أن دول أصدقاء الشعب السوري، أو الدول التي صنفت نفسها كذلك، مارست طيلة السنوات الماضية، دوراً هداماً، وليس سلبياً فقط بما يخص الجانب المعارض في الثورة السورية.
المقداد، قال لـ «القدس العربي»: «الهدف من الدور الذي لعبه أصدقاء الشعب السوري، كان يتمحور حول وأد الثورة السورية في الأساس، وتركيع الشعب السوري، وجعله مثالاً لباقي الشعوب العربية إن فكرت بالتحرك ضد الأنظمة الراهنة».
من المعلوم أن الشام تعتبر، وفق الباحث السوري، مركز ثقل النظام العالمي، لذلك كان مهماً للغاية إفشال هذه الثورة، ومن هذا المنطلق تدخلت دول أصدقاء الشعب السوري، وكافة منابع الدعم المالي الموجهة نحو الثورة في البلاد، لتخريب الحلم، بما فيها من جوانب «عسكرية، سياسية، إعلامية، ومدنية».
مشاريع خفية
حالة الاستقطاب التي سادت، وفق ما قاله المقداد، تنبئ بما كان يدور في المشاريع الخفية، وما آلت إليه الأمور، وفيما يخص الخوذ البيضاء «الدفاع المدني» والشرطة الحرة، وغيرها من المؤسسات التي تخدم الجانب المدني في الثورة، فقد لاحظ الجميع قطع الدعم عنها بشكل نهائي ومن دون سابق إنذار، وذلك بهدف فرط عقد الجانب الإنساني، وإجبار تلك المؤسسات على خيارات قاسية لم تكن تتوقعها من قبل كـ «التسوية الإجبارية مع النظام السوري».
ولدينا في الجنوب السوري، مثال حديث العهد، تمثل بتخلي الجميع عن الخوذ البيضاء، ودفعهم نحو خيارات تظهرهم بصورة سيئة للمتابع، بعد أن قامت تلك الدول بعدم تأمين حمايتهم، والأردن رفض استقبالهم إلا بضمانات وتعهدات من عدة دول، وفتح أبوابه بعد نقلهم من قبل الكيان الصهيوني.