أصدقاء ديونيزوس

حجم الخط
0

صلاح بوسريفالشِّعر، كان، دائماً، خارج سياق المألوف. لم يكن قاعدةً ولا اتِّفاقاً، بل إنه، هو ما تتأسَّس به القاعدة، أو منه تخرج، بما يقترحه من صيغ وأشكال، وطُرقِ كتابةٍ.اختارَ أصدقاء شُعراء، أن يؤكِّدوا هذا المعنى، بالاجتماع مرة كُلَّ شهر، للاحتفاء بشاعر، أو بكاتب، في سياق، هو غير سياق اللقاءات المفتوحة على الجمهور العام، ثمة شعراء، ونُقَّاد، وقصَّاصون، وصحافيون، ومُدَرِّسون، وموظَّفون، لا ينتمون بالضرورة للأدب، أو تخرَّجوا من كلياته، بل هم مُحِبُّون للشِّعر وللكتابة، كلهم يأتون لنفس المكان، في نفس الموعد، لِلِّقاء، وللاستماع، والاستمتاع بغوايات الكلام، وفِتَنِه، وفق تعبير الجاحظ الذي أدرك، منذ زمن بعيدٍ، أن فتنة الكلام، أو القول، هي بين الفتن التي تَسْحَر الإنسانَ، وتَهيمُ به. لقاء شهر نوفمبر، كان بصحبة الشاعر محمد بنطلحة، الذي كان، دائماً، مواظباً على كتابة الشِّعر، وكان بين الشُّعراء المغاربة، القلائل، الذين اختاروا البحث والاشتغال الشِّعْرِيَيْن، من دون الالتفات إلى ما يُفْسِدُ الشِّعرَ، أو يجعل منه، وسيلة للذهاب لِما لا صِلَةَ له بالشِّعر. كان اللِّقاءُ لحظةَ الْتِفَافٍ حول شاعرٍ واحد، وهو الْتِفاف، في الحقيقة، حول الشِّعر والشُّعراء، وتعبير عن الحاجة الماسَّة للشِّعر، الذي ليس مجرَّد كلام، فيه خيال، أو تعبير عن نزوةٍ، مما نعتبره من نزوات الشُّعراء، وحماقاتهم! بل باعتباره بين أهم ما أعادَ به الإنسان صياغة الوجود، وإدراكه، بطريقة، لم يكن الكلام العام، قادراً على تَمَثُّله، كونه بَقِيَ، في تعبيراته، خارجَ، المجاز، الذي كان أحدَ مُمْكِنات، وضع الوجود في سياقه الجمالي والمعرفي، وهو السياق الذي لا يمكن بدونه فهم معنى الكينونة، ولا شروط وجود الكائن، ليس باعتباره قيمةً زائدة، بل باعتباره قيمة القيم، وأساس الوجود البشري على الأرض. بهذا المعنى يكون ديونيزوس، هو الغمامة التي اسْتَظَلَّ بها الشُّعراء، ليس في ما حَمَلَتْه الميثولوجيات القديمة، فقط، بل وفي ما خرج منه الشاعر العربي نفسه، حين فتح الشعر على كل الأفكار والموضوعات، من دون تَحَفُّظ، أو مُراوغة. ولعلَّ ما كان تركه والبة بن الحُباب، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس، هو تعبير ديونيزوسي، لكن في صورته العربية، التي انتصر فيها الشِّعر للحرية، وللخيال، وللاختيارات الجمالية التي كان شعر هؤلاء اعتبرها بين ما يحكم ‘قواعد الشِّعر’، وفق تعبير ثعلب، في كتابٍ له بهذا العنوان.كان اللقاء، بالنسبة لي فرصةً، لمصافحة الأصدقاء، وللاطمئنان على صداقة الشُّعراء، وعلى محبَّة الشِّعر، التي تَحْدُث في صمت، أو في غفلة من اتِّهام الشِّعر بالفناء، أو بالأزمة، في أقل تقدير، واعتبار الزمن، هو غير زمن الشِّعر. وكما أشرتُ في كلمتي التي ألقيتُها في اللِّقاء، فالشعر لا يُقرأ دُفْعَة واحدةً، مثلما يحدث في الرواية مثلاً، بل إنَّ الشِّعر يحتاج لمرافقة دائمة، ولاستعادة النص، باستمرار، لأن شعريته، وهذا ما يحدث في الروايات الكبرى، غير متاحة بشكل سطحي وسريع، فهي شعرية مُتمَوِّجَة، ومُلَبَّدة، بكثير من الدَّوَالّ، التي لم تعد هي نفس دوالّ النص القديم، الذي عملت المدرسة، أو المؤسسة، على تكريسه في الذوق العام.لا يحتاج الشِّعر لجمهور كبير وغفير، الشِّعر يحتاج للتَّأمُّل والإنصات، كما يحتاج للقراءة الهادئة، وإلى الصبر في البحث عن مجهولات النص، وما يحفل به من دلالات، ومن سياقات معرفية وجمالية. وهذا هو المعنى الذي ذهب إليه أصدقاء ديونيزوس، في ليلة نوفمبر التي كان فيها بنطلحة، هو صديق الحاضرين، من دون استثناء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية