أنطاكيا – «القدس العربي»: صدمة كبيرة شكلها القرار الذي اتخذته المنظمات الدولية الداعمة والعاملة في الشمال السوري، والذي صدر بعد سيطرة «تحرير الشام» على أرياف إدلب وريفي حلب الشمالي والغربي بكاملها ونص على قطع الدعم عن القطاع الصحي والأمني الممثل بـ»الشرطة الحرة» في تلك المناطق.
ويعتبر القرار الجديد ضربة كبيرة للعاملين في القطاعين المذكورين، لاسيما وأن نسبة كبيرة ممن يعملون في تلك القطاعات انتسبوا إليها بهدف الحصول على عمل (مأجور)، وسط أوضاع إنسانية ومعيشية متدهورة، في ظل توقف غالبية الحرف وانتشار البطالة، ما أدى لوقوع عشرات الأسر تحت خط الفقر رغم وجود المنظمات الإنسانية التي تعمل على تأمين بعض احتياجات السكان.
يقول «علي .غ» وهو أحد عناصر «الشرطة الحرة» الذين تخلوا عن عملهم في مخفر «خان العسل» في ريف حلب الغربي، إبان سيطرة تحرير الشام على المنطقة وقضائها على حركة نور الدين الزنكي: «أنا بالفعل بت عاطلاً عن العمل ولا أملك في هذه الدنيا سوى المرتب الشهري الذي كنت أتقاضاه سابقاً لقاء عملي كشرطي في مخفر خان العسل»، مشيراً إلى أنه فضل ترك العمل بعد سيطرة الهيئة وذلك لعدة أسباب إضافة لانقطاع الدعم عنه».
ويضيف لـ «القدس العربي»: «الوضع بات خطراً بعد سيطرة الهيئة والقصف سيعود في أية لحظة وسيستهدف أية مواقع تابعة لهيئة تحرير الشام، لاسيما في ظل اعتبارها (تنظيماً إرهابياً) من قبل دول عدة على رأسها روسيا وتركيا والولايات المتحدة وهي الدول الفاعلة في سوريا حالياً، وبما أن مخفرنا أصبح تابعاً للهيئة فإنه مستهدف في أية لحظة، إضافة إلى أن اعتبار الهيئة منظمة إرهابية هو ما دفع المنظمات الداعمة لنا لإيقاف الدعم».
وفي العاشر من شهر كانون الثاني/يناير الجاري أصدر جهاز «الشرطة الحرة» في إدلب بياناً أعلن من خلاله انقطاع الدعم عنه، إلا أنه في الوقت نفسه أعلن استمرار عمله لخدمة الأهـالي، قبل أن يعود ليعلن أنه سيـوقف عمـله حـتى إشـعار آخر نـظراً للـظروف التـي طرأت مؤخراً على المناطق المحررة، على أن يتـم تسليم مقرات ومعدات وأثـاث المخافر للمـجالس المحـلية المتواجـدة في تلك المناطق، إضافة لتسـليم المقـرات المسـتأجرة إلى أصـحابها.
وعلى الصعيد الطبي، لا يختلف الأمر كثيراً ولكن (إنسانية المهنة) حافظت على بعض الكوادر الطبية، رغم ترك العديد من الأطباء لعملهم في المستشفيات، بسبب توقف الدعم وما تبعه من انقطاع في الدواء وغيره من العواقب التي تركها القرار الدولي بذلك.
يقول أحد الأطباء في مشفى مدينة «الدانا» في ريف إدلب لـ «القدس العربي»، إن «العديد من الاطباء تركوا عملهم وباتوا يبحثون عن عمل في مشافي درع الفرات في عفرين واعزاز والباب وغيرها من المناطق التي ما زالت تتلقى دعماً سخياً من الدول وعلى رأسها تركيا، ويعود ذلك لحاجة الأطباء للمال من أجل العيش، ففي النهاية الجميع يستوي في الحياة والحاجة للمال من أجل المعيشة، مشيراً إلى أن الكوادر ما زالت تعمل ولكن ليس لوقت طويل وهذا سيكون أكبر كارثة ستحل على الشمال من جميع النواحي.
ويرى الصحافي حسان كنجو، أن انقطاع الدعم استهدف أكبر مؤسستين وأكثرهما فعالية في الشمال، ففي ظل توقف عمل الشرطة الحرة سيكون الدور في هذه الحالة لـ «العسكر» وسيكون حل المشاكل على أساس مناطقي في هذه الحالة، أي أن الكتائب التي ستتولى حل النزاع ستتحزب للطرف المتحدر من منطقتها على أقل تقدير، إضافة لاتساع رقعة الجريمة (المتسعة أساساً) في ظل انفلات أمني تزامن مع عمليات الخطف والقتل والاغتيالات والسرقات وغيرها في مناطق ريف إدلب وانتشار خلايا تنظيم «الدولة».
ويضيف كنجو: «أما على الصعيد الطبي فأكثر ما يثير القلق هو انقطاع الدواء واللوازم الطبية عن الشمال وهو ما سيجعل الناس عاجزين عن التداوي وخاصة الأطفال في فصل الشتاء القارس، مع فقدان كوادر الإسعاف في حال حصل قصف أو أي حادث، ففي النهاية لن يستطيع الأطباء مواصلة عملهم دون توفر الإمكانيات، حتى وإن تخلوا عن رواتبهم وعملوا بإنسانيتهم فقط».