د.
شهلا العجيلي
أعادتني حركة شباب مصر، أو ثورة 25 كانون الثاني/يناير كما باتت تسمّى، إلى خطاب الكاتب الفرنسيّ (ألبير كامي)، الذي ألقاه في الأكاديميّة السويديّة في 10 كانون الأوّل/ديسمبر 1957، حينما كان يتسلّم جائزة نوبل، والذي لم يكن خطاباً تقليديّاً أملته المناسبة، بل جاء خطاباً بنبرة تاريخيّة وقوّة كفاحيّة وإنسانيّة، كما يقول مترجمه الصديق الدكتور أحمد المديني. لقد أشبه حديث (كامي) الأحاديث اليوميّة والمستمرّة لبعض المثقفين المصريين الذين أعتزّ بمعرفتهم، وهو مفارق لخطابات ومواقف مثقّفين آخرين ليسوا مصريين فحسب، بل عرب من كلّ الجنسيّات، وللأسف، فقد عرفتهم أيضاً! يتلاقى جوهر هذه الثورة المصريّة حقّاً، مع جوهر ثورة المقاومة الداخليّة الفرنسيّة 1944 ضدّ التجمّع الألمانيّ النازيّ، والذي عبّر (كامي) عنه قائلاً: ‘إنّ باريس التي تقاتل هذا المساء تريد أن تعود غداً، لا من أجل الحكم، ولكن من أجل العدالة، لا من أجل السياسة، ولكن من أجل الأخلاق، لا للسيطرة على البلاد، وإنّما من أجل عظمتها’، وينطبق ذلك التعبير تماماً على القاهرة، وعلى تجمّع أولئك الشباب مع عرّابيهم من النخبة، أولئك الذين خرجوا إلى (التحرير) لا من أجل أن يتسنّم حزب ما السلطة، وإنّما من أجل الكرامة، والحريّة، والعدل، والمساواة، والقيم الكبرى كلّها التي عرفناها منذ أفلاطون إلى اليوم. لقد عجب كثيرون من أحوال أهل (التحرير)، عجبوا كيف لم تحدث حالات سرقة وتحرّش، كما يفترض في كلّ تجمّع، وكما هو دارج في اليوميّات المصريّة تحديداً، لكنّ الإجابة بسيطة، فتلك هي المدينة الفاضلة، وأولئك هم أهلها! إنّ كلّ من خرج حاملاًً دمه على كفّه هو من أهل المدينة الفاضلة، وأولئك لم يحطّوا في (التحرير) بأطباق طائرة جاءت من الفضاء، لقد زحفوا طويلاً، زحفوا من الواقع، مثلما زحفوا من قلب الروايات، ومن كتب التاريخ والفلسفة، ومن النكات والمُلح، وكتب الفكر والكتب المقدّسة، ومثلما زحفوا أيضاً من المقابر والغرز والعشوائيّات، وعربات الخضار والفول والطعميّة، وأولئك جميعاً وحدتهم فكرة ثابتة تاريخيّاً هي فكرة الهيمنة، فـالهيمنة هي التي تعمل على توحيد المجتمع بدون استخدام القوّة.
لقد وجدت اللغة في (التحرير) سبيلاً إلى الثورة، ذلك أنّ كلاّ من المفردات والعبارات التي قرأها الشباب في مقرراتهم الدراسيّة، من مثل: حقّ الحياة، وحقّ الحريّة، وحقّ الكرامة الإنسانيّة… تنتقم الآن من محاولات تجريدها، وتنتقل لتصير واقعاً ملموساً، مثلها مثل كلّ ما سمعوا به من تعبيرات حتّى في الإعلام الموجّه الذي يدّعي الرصانة، ويعتزّ بخطابه الوطنيّ، والمتماسك والمسيطر والنظيف، فالفكرة الاستبداديّة تحمل معها مقوّضاتها، محاكية بذلك الفكرة الاستعماريّة. حينما تغلغل الاستعمار الفرنسيّ في الشعوب المستعمَرة، وأراد نشر ثقافته في مقابل ثقافتها، انتشرت رغماً عنه أفكار العدل، والمساواة، والإخاء، التي حملت الثورة الفرنسيّة لواءها، والتي دارات حولها كتابات القرن التاسع عشر برمّتها، وقد قامت الشعوب المستعمَرة بالتقاط تلك الأفكار، وبنت عليها محاور المقاومة، ولعلّ الشعوب التي سمعت طويلاً خطابات زعمائها عن الحرية، والديموقراطيّة، وتكافؤ الفرص، والتي ترتكز عليها شرعيّتهم، أرادت أن تختبر مثل تلك المفاهيم، لتلغي من قاموسها اليوميّ مفردات وعبارات من مثل: ديكتاتوريّات، وديموقراطيّات ناشئة، ودول نامية! أودّ أن أستغلّ مقالي هذا لأحيّي الجميع في (التحرير)، ولأحيّي أصدقائي الشخصيين الذين أعتزّ بأنّي عرفتهم: إبراهيم عبد المجيد، وسيّد محمود، ومي خالد، وسيّد الوكيل، ومحمد صلاح العزب، وهويدا صالح، وسعيد نوح، ورباب كسّاب، ووائل السمري، وحازم المبروك، ومحمد الوزيري… وأن أختم بمثل ما بدأت، بخطاب (كامي) الذي قال فيه قولة حقّ: ‘في الحرب كما في السلم، فإنّ القول الفصل يرجع إلى الذين لا يستسلمون أبداً.’!