نواكشوط ـ «القدس العربي»: يعيش الأطفال في مناطق أفريقيا الملغومة بالنزاعات والانقسامات مثل منطقة حوض بحيرة تشاد، بين مطرقة حروب تنقص أعدادهم، وسندان تجنيد الحركات الإرهابية لهم، لتتحول حياتهم عبر ذلك إلى يأس وإلى جحيم وفقدان للأمل.
وجاء فيلم «الجيل المسؤول» الذي أنتجته، في كاموم الثاني/يناير 2022 «مدرسة أشبال الخلافة» المؤطرة من طرف ولاية غرب أفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» لينقل إلى العالم تفاصيل غير مسبوقة عن أكثر حالات تجنيد الأطفال
شراسة في منطقة حوض بحيرة تشاد، حيث يتحول الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و16 عامًا إلى متطرفين، ومسلحين، وقَتَلة.
ويعرض الفيلم الأطفال المجندين، وهم يمارسون تمارين الحرب الحضرية، حيث يدخلون مبنى مهجورًا بطريقة منسقة تمامًا، ثم يقبضون على عدة رهائن، وهم في الواقع جنود نيجيريون كانوا قد أُسروا في السابق من طرف ولاية غرب أفريقيا التابعة لداعش، ثم يقومون بإعدام الأسرى بقلوب متحجرة.
وتعد منطقة غرب ووسط أفريقيا الأولى عالميًا من حيث التهديدات الجسيمة التي تواجه الأطفال، بما في ذلك تجنيدهم واستخدامهم كمقاتلين، وفقًا لتقرير الأمم المتحدة لعام 2021.
وخلال الفترة ما بين عامي 2016 و2021 تصدرت منطقة غرب ووسط أفريقيا مناطق العالم في مجال استغلال الأطفال، حيث تم تجنيد واستغلال أكثر من 21.000 طفل من قبل الجماعات المسلحة غير الحكومية.
كما كانت منطقة غرب ووسط أفريقيا الأولى من حيث عدد الأطفال الذين تعرضوا للعنف الجنسي، وذلك بتسجيل أكثر من 2200 انتهاك داخلها؛ وبلغ عدد حالات اختطاف الأطفال أكثر من 3.500 حالة، في المنطقة نفسها.
وتؤكد تقارير لمكتب الاستخبارات النيجري «أن أكثر من 200 طفل مدرب، من منطقة بحيرة تشاد، قد تم إرسالهم إلى مالي والنيجر في شباط/فبراير 2022 للانضمام إلى جماعة متطرفة تابعة لـ «داعش» من أجل المشاركة في شن «حملة إرهابية».
وبدأ الاهتمام الدولي بظاهرة التجنيد القسري للأطفال مستهل تسعينيات القرن الماضي، حيث بذلت هيئات دولية جهودا عدة، لخفض معدلات تجنيد الأطفال ولتقليص عمليات إدماجهم في النزاعات والحروب التي تخوضها الجماعات المسلحة، لكن بقيت أعداد الأطفال المجندين في تزايد مستمر مع كل ذلك.
ويؤدي الأطفال المجندون أدوارا عدة بينها زرع الألغام والمتفجرات، والتجسس، إلى جانب استغلالهم الجنسي.
وللتجنيد القسري مخاطره الكبيرة، فهو بالإضافة إلى كونه انتهاكا صارخا للقانون الدولي، يحول الأطفال إلى أدوات للعنف بدلاً من أن يصبحوا مواطنين أصحاء يتمتعون بروح التسامح والاستقرار.
ويحظر القانون الدولي أي تجنيد للأطفال سواء بالإجبار أم بالقبول، كما يحظر استخدام الأطفال دون سن الخامسة عشرة في الأعمال العدائية، وأعمال العنف المسلح.
وبالرغم من الجهود العالمية المبذولة لتحرير ودمج الأطفال المجندين وإعادة دمجهم في مجتمعاتهم المحلية، والمساعي المبذولة في سبيل ذلك من أجل تحقيق الاندماج وتقديم خدمات الدعم النفسي وإعادة التأهيل، بالرغم من ذلك كله لا يزال تجنيد الأطفال مستمرًا، فهناك عشرات الآلاف من الأطفال دون سن الثامنة عشرة يتم تجنيدهم واستخدامهم في النزاعات على المستوى الأفريقي بشكل خاص.
وتحدثت بحوث جامعية عدة مطلع القرن الحالي عن وجود ما يقرب من 30 ألف طفل مدموجين داخل الجيوش النظامية وغير النظامية على مستوى العالم، إما كمقاتلين أو كأفراد دعم.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، ظهر استغلال مفرط للأطفال في الحروب والنزاعات بمنطقة أفريقيا جنوب الصحراء وبالتحديد في ليبريا، وسيراليون، والصومال، بوروندي، ورواندا، والكونغو برازافيل، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وساحل العاج.
ويقول الدكتور محمد جلال حسين أستاذ الأنثروبولوجيا المساعد بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة في دراسة عن تجنيد الأطفال معدة لحساب مركز «فاروس» للاستشارات والدراسات الاستراتيجية «أن الاستخدام المفرط للأطفال كجنود شكل إحدى السمات الرئيسية للأزمات الأفريقية، حيث أصبحت صورة الطفل الأفريقي الذي يحمل بندقية كلاشينكوف أكبر منه ترمز إلى نوع أفريقي نموذجي من العنف» الأمر الذي جعل أفريقيا، يضيف الباحث، «القارة الأكثر تضررًا من هذه الممارسة غير المقبولة».
وقدمت الدراسة المذكورة توصيات عدة بينها «حث الجهات المعنية التشديد على تطبيق القوانين المتعلقة بتحديد سن التجنيد للأطفال، وإلزام الدول والحكومات على تنفيذها، مع ضرورة المتابعة المستمرة والرقابة المشددة للجماعات المسلحة والتحري عن مدى تجنيدهم للأطفال ضمن صفوفهم من عدمه».
كما أوصت الدراسة بنشر حملات توعوية تضمن الآثار السلبية الناجمة عن تجنيد الأطفال في صفوف الجماعات المسلحة، مع عرض نماذج لحالات واقعية لأطفال سبق وأن تم تجنيدهم لتجسد المعاناة التي عانوا منها، على أن تستهدف تلك الحملات الأطفال والشباب الذين ينضمون لصفوف الجماعة المسلحة طواعية.
وشددت الدراسة في توصياتها على الاهتمام بالأمن السيبراني لتتبع أنشطة الاستقطاب التي تقوم بها تلك الجماعات للأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت عامة.
وتحدثت الدراسة في التوصيات عن توفير خدمات الدعم النفسي والسلوكي للأطفال الذين تم تسريحهم من صفوف الجماعات المسلحة لمساعدتهم على إعادة الاندماج الاجتماعي مع أقرانهم وذويهم، والعمل على توفير البدائل الوظيفية لهم لتمكينهم من ناحية، ولمنع عودتهم لتلك الجماعات المسلحة من ناحية أخرى، وخاصة أولئك الذين انضموا لصفوف تلك الجماعات بدافع الفقر أو الرغبة في الحصول على المأوى والشعور بالأمن.