بغداد-“القدس العربي”:تتواصل الأصوات الدولية المعبرة عن القلق البالغ إزاء مأساة أطفال العراق الذين يعانون من أوضاع مزرية بعيدة كل البعد عما يتمتع به أقرانهم في باقي دول العالم، إصافة إلى تعرضهم إلى الانتهاكات من جميع الأطراف الفاعلة في العراق، وسط تجاهل تام من حكومة بغداد.
آخر تقرير عن انتهاكات “حق التعليم في العراق” أصدرته بعثة الأمم المتحدة في العراق والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، حول أحوال المدنيين ومن بينهم الأطفال في المناطق التي كان يسيطر عليها “تنظيم الدولة الإسلامية”.
وقد ذكر التقرير الأممي، أن تقييد حركة سكان مخيمات النازحين التي افتتحت منذ عام 2014 ادت إلى منع أطفالهم من ممارسة الأنشطة اليومية مثل الذهاب إلى المدارس خارج المخيمات. ويقر التقرير أن هذه المشكلة قد تفاقمت لأن العديد من اليافعين في سن المراهقة قد وصلوا الآن إلى عمر لم يعد فيه التعليم الابتدائي ملائما لهم، في غياب المدارس الخاصة أو برامج التعلّم السريع.
ويضيف ان الباحثين حددوا تحديين رئيسيين يواجهان تعليم الأطفال، أولهما انعدام البرامج الهادفة إلى إعادة دمج الطلاب في نظام التعليم الحكومي، خاصة أن الكثير من الأطفال توقفوا عن التعلم لفترة زمنية طويلة. وثانيا، صعوبة الحصول على الوثائق المدنية، ما يشكل تحديا كبيرا أمام الآباء لإلحاق أطفالهم بالمدارس، داعيا الحكومة إلى اتخاذ التدابير لمعالجة هذه المشكلة.
أما المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت، فقد شددت على الأهمية القصوى لحق الأطفال والشباب في التعليم “فعندما تتم إعاقة التمتع الكامل بهذا الحق لأي سبب، تتأثر حياة ومستقبل هؤلاء بشدة” منبهة إلى أن “التعليم الجيد الشامل ليس مجرد حق في حد ذاته، بل هو ضروري للإعمال الكامل لمجموعة من حقوق الإنسان الأخرى”.
وإضافة إلى النزوح، فإن أسباب أخرى تقف وراء تسرب الأطفال من المدارس منها انهيار عملية التعليم ولجوء العائلات إلى تشغيل أطفالها في المهن والأعمال، بهدف الحصول على المال لمساعدة الأسرة في معيشتها، وخاصة لدى العائلات التي فقدت آباءهم أو معيلهم في أعمال العنف والحروب التي اجتاحت البلاد منذ قرون. وفيما بينت إحصاءات رسمية، أن مدارس العراق شهدت تسربا جماعيا للتلاميذ وصل إلى 131 ألفا و649 تلميذ وتلميذة في عام 2018 فقط، فان منظمة “يونيسيف” أعلنت في أحد تقاريرها، إن “أكثر من نصف مليون طفل عراقي انخرطوا في سوق العمل”.
انتهاكات الأطفال في العراق
وكانت “الأمم المتحدة” كشفت مؤخرا، عن انتهاكات جسيمة يتعرض لها أطفال العراق، حيث اعتبر تقرير قدمه الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن، بأن تنظيم “داعش والحشد الشعبي، والجيش العراقي، وقوات الشرطة، والبيشمركه، وقوات الدفاع الوطني الكردستاني، والقوات الإيزيدية، والتحالف الدولي” كلها قامت بانتهاكات ضد الأطفال في العراق.
وأشار التقرير إلى إن “أكثر من 2114 طفلا تعرضوا إلى انتهاكات جسيمة ومؤكدة في العراق، من بينهم أطفال تعرضوا إلى القتل، والتشويه، والاغتصاب” مؤكدا إن “هذه الأرقام هي جزئية وتمثل الأرقام التي تم الإبلاغ عنها والتأكد منها فقط، مشيرا إلى أن الأعداد الحقيقية قد تكون أكبر بكثير، خاصة وإن ظروفا مثل الوفاة، أو الوصمة الاجتماعية، قد تعيق الإبلاغ عن حالات الانتهاك”.
وحمل التقرير تنظيم “داعش” مسؤولية العدد الأكبر من جرائم القتل، والتجنيد، والتشويه، واغتصاب الفتيات، فيما كان الحشد الشعبي مسؤولا عن النسبة الأكبر من حالات اغتصاب الصبيان، حسب التقرير الأممي. كما ذكر التقرير إن” 1772 طفلا تعرضوا إلى القتل والتشويه، و206 آخرون تم تجنيدهم، بينما اختطف 86 وتعرض عشرة إلى الاغتصاب” فيما قتل أو شوه 162 طفلا بمخلفات الحروب من ألغام وعبوات ناسفة وغيرها.
وجند تنظيم “داعش” 151 طفلا منهم 8 فتيات، شارك معظمهم في القتال أو في تنفيذ عمليات انتحارية، بينما جند الحشد الشعبي 70 طفلا شارك معظمهم في القتال، وجند الحشد العشائري السني 42 وقوات الدفاع الشعبي الكردية 19 والجيش والشرطة العراقيين 8 والقوات الإيزيدية 5 والبيشمركه طفلا واحدا.
وتطرق التقرير إلى النشاطات “التدريبية العسكرية” التي أشرك فيها أطفال من قبل تنظيم “داعش” والحشد الشعبي. كما أشار إلى “معلومات عن أسواق النخاسة التي جرى فيها بيع أطفال من الجنسين كرقيق، إضافة إلى الكثير من التجاوزات الأخرى، منها تشريد الأطفال”.
النائبة السابقة عن نينوى نورة البجاري، سبق ان صرحت لـ”القدس العربي” أن “هناك مشاكل اجتماعية كبيرة جدا تركها التنظيم في المجتمع العراقي بعد القضاء على دولته، فعائلة الداعشي تعاني حاليا وتتحمل عقوبات وإجراءات حكومية وملاحقات انتقامية من المجتمع رغم أن شخصا واحدا فقط منها تورط مع التنظيم المذكور ولا ذنب لباقي أفراد العائلة في الموضوع” مقرة ان إجراءات الحكومة ما زالت ضعيفة ولا تتناسب مع حجم المشكلة، حيث لا توجد حتى اليوم قوانين من الحكومة والبرلمان خاصة بالتعامل مع هذه الظاهرة.
الإتجار بالبشر
وفي جانب آخر من المأساة، أفادت تقارير أخرى بان الأطفال في العراق أصبحوا ضحايا لعمليات الإتجار بالبشر. ومن ذلك ما أعلنه المرصد العراقي لضحايا الإتجار بالبشر (منظمة مستقلة) في 2019 عن كشف 15 شبكة للإتجار بالبشر في بغداد والمحافظات تقوم باستغلال الأطفال والنساء وكبار السن وحتى المعوقين. وتستغل هذه الشبكات الأطفال والآخرين، في التسول والدعارة وتجارة الأعضاء البشرية، ما يشكل إحدى الظواهر السلبية الخطيرة في المجتمع.
وفي صور أخرى للانتهاكات التي تتعرض لها الفتيات في العراق، أشار تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة يونيسف عام 2016 بمناسبة اليوم العالمي للطفولة أن “الفتيات في العراق يتعرضن إلى انتهاكات جسيمة لحقوقهن بما في ذلك عمليات الاختطاف والإتجار والتعذيب وزواج الأطفال”. وأضاف التقرير، أن “الفتيات يشكلن الغالبية العظمى من مجموع 3.5 مليون طفل خارج الدراسة في العراق” مشيراً إلى ان “نحو مليون فتاة تزوجن قبل بلوغهن سن 15”.
وتؤكد تقارير المنظمات الإنسانية المحلية والدولية، أن الحروب الأهلية والمعارك ضد تنظيم “داعش” في العراق، خلفت ملايين الأطفال الأيتام الذين فقدوا آباءهم أو عائلاتهم، أثناء تلك المعارك، أو ممن أصبحوا مشردين أو أميين أو مصدومين من آثار الحروب والعنف في المجتمع، ما يشكل مشكلة خطيرة كبيرة على الأجيال المقبلة التي تعجز حكومات الفشل والفساد في العراق عن معالجتها، وتحتاج إلى جهد مشترك وطني ودولي، نظرا لضخامة المشكلة وامتداداتها.