أطفال فلسطين حملوا ميراثا من الكراهية يكفي لإحراق كل طغاة العالم… وصلاح تبرع لغزة بما يفوق 10ملايين دولار

حسام عبد البصير
حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: هل سنخوض حربا جديدة كان ذلك السؤال الذي بات يشغل كثير من المواطنين بعد تكرار “جر الشكل” من قبل إسرائيل على مدار الأيام الماضية، فهل أصبح من المقدر لنا أن نعلن الحرب عليها؟ ومن أحدث التفجيرات التي شهدتها أرض مصر وفقا لـ”رويترز” نقلا عن مصدرين أمنيين مصريين، أن مدينة نويبع على البحر الأحمر شهدت “سقوط مقذوف”، بعد ساعات من انفجار في مدينة طابا الواقعة على البحر الأحمر أيضا، والمحاذية لإسرائيل.
وقال المصدران للوكالة، إن المقذوف “سقط في جزء من المدينة، وهي منطقة صحراوية”، وأضاف أن “السلطات تجمع المزيد من المعلومات”. فيما اشار المتحدث العسكري للقوات المسلحة إلى سقوط إحدى الطائرات الموجهة دون طيار مجهولة الهوية، صباح أمس الجمعة، إلى جوار أحد المباني إلى جانب مستشفى طابا. وأضاف المتحدث أن الحادث أسفر عن إصابات طفيفة لـ6 أفراد، وغادروا المستشفى بعد تلقيهم الإسعافات اللازمة، موضحا أن الحادث قيد التحقيق بواسطة لجنة مختصة… وقبل ساعات نقلت قناة “القاهرة” الإخبارية عن “مصدر سيادي” قوله إنه “بمجرد تحديد جهة إطلاق الصاروخ فإن كل الخيارات متاحة للتعامل معها، وأن مصر تحتفظ لنفسها بحق الرد في الوقت المناسب”. لكل ما سبق أصبح السؤال الذي يتردد على ألسنة الكثيرين بعدما شهدته الأيام الماضية من تكرار الاعتداءات الإسرائيلية، هل سنخوض حربا ضد تل أبيب، حيث يطالب غيورون على الوطن بضرورة الرد على ما نتعرض له، بل إن تكرار تلك الحوادث دفع أحد أبرز داعمي السلطة عمرو أديب للرد على ما تزعم إسرائيل بأنه “عن طريق الخطأ” مرددا “غلطة بغلطة”، وفي سياق الهجوم المتواصل على “فخر العرب” أكد ضياء السيد مدرب منتخب مصر السابق، أن محمد صلاح نجم الفريق الأول لكرة القدم في نادي ليفربول الإنكليزي ومنتخب مصر، “تبرع بأكثر من 10 ملايين دولار في مراحل”. وأوضح السيد: “المزايدات مستمرة ولن يسكت أي شخص عن انتقاد، اللاعب الذي قدم ما عليه وأكثر”.
درس للجميع

بعد النتائج المذهلة لـ”طوفان الأقصى” يرى فاروق جويدة في “الأهرام” اننا الآن أمام حقائق جديدة: أولا أن مواكب المطبعين خاصة أبواقهم لا بد أن تراجع مواقفها وما وصلت إليه أحوال الشعوب من الانقسام والتفكك، وكيف استغلت إسرائيل النفوس الضعيفة لتحقيق أهدافها. ثانيا: على أصحاب القرار أن يعيدوا النظر في حالة الاندفاع نحو غاصب محتل. ثالثا: أن تحاول الدول العربية رصد خسائرها وأن تعيد توحيد صفوفها لكي تواجه هذا الحصار الذي يهدد حاضرها ومستقبلها. رابعا: إن إسرائيل لا تفكر في أمن أو سلام، لكنها مجتمع قام على العدوان. إن ما حدث في غزة أخيرا يتطلب قراءة جديدة لمستقبل العلاقات بين العرب وإسرائيل، لأن الواضح أمام العالم أن إسرائيل ليست دولة أمن وسلام، لأن الوحشية التي تعامل بها الجيش الإسرائيلي مع النساء والأطفال يؤكد أننا أمام مجتمع فقد الإنسانية. العدل أن ما حدث في غزة درس للجميع حتى نرى صورة المستقبل الذي تريده إسرائيل. هناك حقيقة ليست الأخيرة أن بيوت غزة وأطلالها سوف تبقى لعنة مجتمع توحش، وأن أطفال فلسطين حملوا ميراثا طويلا من الكراهية يكفي لإحراق كل طغاة العالم.. أن جثث الضحايا الأبرياء سوف تلعن كل أزمنة التنطع والتآمر والخيانة. ما حدث في غزة والوحشية التي تعاملت بها إسرائيل مع شعب أعزل يجب أن تكون درسا لزمان مقبل تدرك فيه الشعوب العربية حجم المخاطر التي يمثلها الوجود الإسرائيلي في قلب العالم العربي، وأن إسرائيل لن تكون المجتمع الآمن الذي يسعى للسلام.. أطماع إسرائيل تتجاوز كل الحدود وما حدث في غزة أخيرا يؤكد أن أطماعها تتجاوز كل الحسابات وعلى العالم العربي أن يدرك حجم المخاطر التي تحيط به.. إن أحداث غزة كشفت الوجه القبيح للغرب وقد جاء بقواته لكي يعيد تاريخا من الاحتلال والاستعمار والتبعية واستغلال موارد الشعوب وثرواتها.

ضد العرب

تساءل عمرو موسى وزير خارجية مصر الأسبق: على أي أساس أخلاقي رفضت الدول الغربية أن يصدر مجلس الأمن قرارا يتعلق بالمعونات الإنسانية للمدنيين في غزة، وهم يزيدون على مليونين من البشر؟ تابع أمين عام جامعة الدول العربية الأسبق في “الشروق”: على أي أساس يرفضون وقف إطلاق النار، ماذا ينتظرون؟ نحن في مصر نعرف الإجابة، فقد تأجل وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 1973 حتى «ينعدل» الموقف العسكري الإسرائيلي المتراجع، واليوم هو يتأجل حتى يساعدوا إسرائيل في إعدادها للاجتياح العسكري لقطاع غزة، ثم ما هو حق الدفاع الشرعي بالضبط؟ وهل هناك دفاع شرعي لدولة قائمة بالاحتلال العسكري؟ هل ضرب المدنيين والعقاب الجماعي دفاع شرعي؟ هل إزالة القرى الفلسطينية في الضفة الغربية وطرد أهلها دفاع شرعي؟ هل ما يطالب به وزراء متطرفون في الحكومة الإسرائيلية الحالية من محو الوجود الفلسطيني دفاع شرعي؟ وهل حق الدفاع الشرعي مقصور على الجانب الإسرائيلي دون غيره؟ إنها حقا حالة مؤسفة من حالات ازدواجية المعايير. أما على المستوى الإقليمي، فواضح من مناقشات المؤتمر أن الدول العربية رغم استعدادها للسلام، وفقا لما جرى إعداده من مبادرات واتفاقيات، فإنها ليست على استعداد للتسليم لإسرائيل بما يبدو أن الغرب يسلم لها به. إننا على شفا مرحلة صدام خطيرة مع تلك المفاهيم التي تكشفت في مؤتمر القاهرة. وإذا كان هناك من لا يزال يعتقد أنه سوف يستطيع الضغط على حكومة هنا أو سلطة هناك لصالح إسرائيل، فقد سمعوا جيدا من الرئيس السيسي والملك عبدالله والأمير بن فرحان مواقف صامدة وحاسمة في هذا الشأن، وما قالوه لم يكن موجها إليهم في الغرب فقط، وإنما كان تأكيدا لشعوبهم القلقة بأن الأمور في أيد أمينة، وأن الابتسامة الغربية التي طالما فتنت الكثير من العرب لم تعد تغري أحدا، وأن الوعود المعتادة لم تعد ذات مصداقية.

القضية لن تموت

انتهى عمرو موسى لما يلي: نعم لم يعد هناك إلا مسار الجدية لإنقاذ العلاقات العربية ـ الغربية، وأدعو الجميع إلى أن يأخذوا في اعتبارهم أن الشعوب العربية في حالة إحباط وغضب كبيرين، لهذا السبب وغيره. أضيف هنا أن الإقليم لا يعيش فيه العرب وحدهم، وأنهم ليسوا وحدهم الغاضبين. كما أودّ أن أوجه الدعوة إلى أنصار السلام في إسرائيل نفسها، ليعبّروا بوضوح عن موقفهم إزاء آفاق السلام وعدالته. وعن معارضتهم لسياسات حكوماتهم المتطرفة إزاء سكان الأراضي المحتلة، وإزاء حق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة. إنني أتصور تحالفا إقليميا يشمل أنصار السلام في إسرائيل يغير الصورة ويرسل لأصحاب «ازدواجية المعايير» رسالة صارمة: كم هم مخطئون. إن على ساسة إسرائيل أن يعلموا، بل أثق أنهم الآن يعرفون أن القضية الفلسطينية لن تتطاير في الهواء أو تغرق في الماء أو تدفن في رمال الصحراء. إنها سوف تنفجر في وجوه الجميع طالما استمر إنكار حقوق شعبها، بل وجوده ذاته.. عليهم أن يعلموا أن تعريفهم للأمن تعريف قاصر، فلن يعطيهم ضرب المدنيين أمنا ولا الاحتلال ولا مصادرة الأراضي ولا قمع البشر.. الأمن الحقيقي هو الذي يقوم على «الاتزان» أي التوازن والقبول المتبادل، وقد حدث هذا بالفعل في كامب دافيد وحقق أغراضه؛ لأن أحدا لم يمكّن إسرائيل من التهرب من التزاماتها طبقا له، بل إنه حدث أيضا طبقا لاتفاق أوسلو الانتقالي، إلا أن إسرائيل قزمته ثم خرقته لأن «حُماتها» أمّنوا لها التغطية اللازمة لهذا التنصل، فكان ما كان وهو ما تواجهه المنطقة بل العالم منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. ثم إن على إسرائيل والمسؤولين فيها أن يعلموا أن سياسة إفراغ الأراضي المحتلة من أصحابها، أو سياسة التهجير القسري كجزء من خطة إقامة الدولة اليهودية، وَوَأْد الدولة الفلسطينية، أصبحت أمرا مفضوحا ومرفوضا، ومن الصعب، بل المستحيل أن يقبل بها الجانب العربي دولا وشعوبا.. أكرر: وشعوبا. والآن، ماذا بعد؟ ما العمل؟ العمل المسؤول الذي لا أدري إذا كان الغرب في مجمله يمكن أن يقبل به وهو مكبل بفكر ازدواجية المعايير.

عار سيلاحق الجميع

ما يحدث في غزة يراه الدكتور محمد حسن البنا في “الأخبار” وصمة عار على جبين العالم. وصمة عار على دعاة حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية. وصمة عار على الولايات المتحدة الأمريكية التي تؤجج الحرب الإسرائيلية المجنونة على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. وصمة عار على العالم الغربي الذي يدعى أنه «عالم حر» تعلو فيه قيم الإنسانية والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وصمة عار على منظمات دولية عاجزة عن الحركة، ويتم قتل أعضائها «أكثر من 35 فردا» بالسلاح الإسرائيلي، وهم يؤدون واجبات عملهم في إنقاذ وإغاثة النازحين من غزة. ما يجري في غزة وصمة عار على من يصم أذنه ولا يستمع لنداءات السلام ووقف الحرب الصادرة من القاهرة. وصمة عار على دولة تقوم على أشلاء أجساد شعب لا حول له ولا قوة. كيف تنعم بالأمن وهي قائمة على دماء وأشلاء أطفال وشيوخ ونساء؟ لقد حمل الرئيس السيسي غصن الزيتون ودعا لمؤتمر سلام من أجل وقف الحرب الدامية، وكان مؤتمرا ناجحا بكل المقاييس. كما استقبل الرئيس السيسي وفدا من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في مجلس الشيوخ الأمريكي من أجل الحيلولة دون اتساع دائرة الصراع، وحماية المدنيين ومنع استهدافهم وتوفير المساعدات الإنسانية والإغاثية لقطاع غزة. وضرورة إحياء مسار السلام في المنطقة. الرئيس أكد لهم رفض سياسات العقاب الجماعي والتهجير القسرى للفلسطينيين من أراضيهم. وطالبهم بالعمل الجدي لوقف التصعيد الراهن، وتكثيف التنسيق بين الأطراف الفاعلة للدفع نحو تسوية القضية الفلسطينية، من خلال الحل العادل والشامل، الذي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة، وفق مرجعيات الشرعية الدولية. لقد أثبتت مصر أنها دولة السلام. ودعت إلى وقف الأعمال الإرهابية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وأن التفاوض هو السبيل الوحيد لحل القضية. بينما نرى الإدارة الأمريكية وما يتبعها من دول غربية تساعد في إشعال الحرب وتساند إسرائيل وتمنع الأمم المتحدة ومجلس الأمن من القيام بدوره، بل تهاجم الأمين العام على موقفه الإنساني.

المهم الأفعال

لا تؤسس الجيوش للزينة واستكمال الشكل العام للدول وإنما لتحمي الأوطان، يتابع رفعت رشاد في “الوطن”، شعر المصريون بالفخر خلال الفترة الماضية وأحسوا بالأمان في وجود جيش قوي يحمي البلاد والعباد. تدرك مصر أنها مستهدفة من جهات عديدة وأن جيشها مستهدف بعد جيشي العراق وسوريا، لذلك تحرص على تقويته بكل ما يجعله قادرا على القيام بواجبته إذا دقت ساعة العمل. وقف الرئيس السيسي بالأمس بين رجال القوات المساحة في الكتيبة الرابعة مدرعات في الجيش الثالث في السويس وأبدى اطمئنانه لجاهزية الجيش، محذرا مما يحاك حولنا، ومؤكدا أن جيش مصر لم يكن أبدا غازيا وهو لا يعتدي، وإنما يحمي الوطن وينشر الأمن والأمان. استعراض قواتنا رسالة لكل من تسول له نفسه أن يجتاز الحدود أو يعتقد أن أرض مصر سهلة المنال، تلك الأرض التي سالت عليها الدماء الزكية لقرون طويلة، الأرض التي تبذل مصر فيها الغالي والثمين لحمايتها من كل معتدٍ. قالت مصر كلمتها على لسان رئيسها وأكدت موقفها من القضية الفلسطينية، وأنها لن تسمح بتصفية القضية ولن توافق أبدا على تهجير الأشقاء الفلسطينيين إلى سيناء. كانت الكلمات واضحة بحجم المسؤولية والتأييد الذي يعلنه الشعب المصري بكل الوسائل للحق الفلسطيني ولحماية أرض الوطن. في جانب آخر أكد الأشقاء في فلسطين مرارا أنهم لن يتركوا أرضهم ووطنهم ولن يتخلوا عن النصر أو الشهادة وأنهم مقاومون ومتماسكون ومنتظرون نصرهم أو شهادتهم. إننا الآن في مفترق طرق، نكون أو لا نكون، سيختلف المقبل عما كان الواقع من قبل، تدرك مصر ذلك وتعمل بمقتضاه، فتاريخ جديد يكتب وخريطة جديدة ترسم، وإدراكنا لحركة التاريخ والجغرافيا، يجعلنا متوقعين أين نضع أقدامنا وهو ما تعيه القيادة المصرية.

ترسانة ضد بندقية

ماذا لو لم يكن هناك دعم أمريكي وغربي لإسرائيل التي تحارب شعبا أعزل بعضه يمسك ببندقية؟ ولماذا أرسلت الولايات المتحدة حاملتي الطائرات جيرالد فورد وإيزنهاور للردع؟ ولردع من تحديدا؟ يتساءل حسن المستكاوي في “الشروق” متابعا: إن حاملتي الطائرات تمثلان جيشا مسلحا بأعلى مستويات آلات الحرب، بما يقرب من 150 إلى 180 طائرة إف 35 وصواريخ أسرع من الصوت، وكلتاهما تساوي في طولها ثلاثة ملاعب لكرة القدم. هذا تدخل سافر وسافل من جانب أمريكا والغرب لمصلحة إسرائيل وهي لم تكن أبدا قادرة على المواجهة وحدها، حتى لو كانت أمام شعب أعزل يملك بعضه بندقية. فتلك هي الحقيقة الأخيرة الواضحة، وهي أن ما فعلته حماس يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول في سياق مقاومة محتل، وصل بقطاع غزة إلى ما نشاهده من جرائم حرب، ووصل بالمنطقة إلى حافة الهاوية. وكل من يطالب بالحرب لا يعرف معنى الحرب ولا ويلاتها، ولا تكلفتها البشرية والمادية وخسائرها التي تستمر لعقود. لقد جرب جيلنا ويلات الحرب عام 1967، وصمد وضحى هذا الجيل من أجل معركة التحرير والكرامة، حتى لاح فجر الانتصار بالعبور واسترداد كامل الأرض. لكن التكلفة كانت باهظة، رغم ضرورة الحرب دفاعا عن الأرض ولاسترداد الأرض. وفلسفة القوات المسلحة تقوم على الدفاع عن الحدود، فلم نكن أبدا دولة معتدية. لكننا في الوقت نفسه لا نسمح بالمساس بشبر واحد من تراب الوطن. أجلس بالساعات أتابع نشرات الأخبار العربية والأجنبية التي تنقل على الهواء مباشرة الحرب على غزة والضفة، التي تسميها القنوات الأجنبية «إسرائيل في حرب». بينما التسمية الحقيقية والتاريخية هي: «غزة وفلسطين المحتلة تقاوم جريمة الحرب». وسأكرر الكلام الساكت الذي يتردد في العالم كله وهو حماية المدنيين، وقد بدأ الغرب يستخدم هذا التعبير المائع بعد أن دمرت 30% من منشآت ومنازل غزة. وهذا الغرب الذي يعطينا دروسا يومية في حقوق الإنسان والقانون الدولي.

كلنا وائل

رغم تقدمه في العمر يتمنى هشام لاشين في “المشهد”، أن يكون مثل هذا الرجل الصحافي الميداني العنيد القوي الثابت المؤمن صاحب القضية، بكل معاناته ويقينه أنه يمكن أن يفقد حياته هو وأسرته في أي لحظة، ثمنا لتقديم الحقيقة للعالم دون أي رتوش أو مساحيق، ومع ذلك لم يتراجع أو يتردد، فهو وسام شرف على جبين أي وطن وترسانة من الصمود والنبل والإيمان. لا أتمنى على الجانب الآخر في أي يوم طوال عملي الصحافي أن أكون مثل هؤلاء الاعلاميين الجوعى الذين ينتشر جزء منهم في بلدنا في الصحف والمواقع وعلى الشاشات.. فهم بقصورهم، يتقلبون على موائد الخسة، لم يتعلموا أبدا أو يفهموا أنه تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، أو في حالاتهم بقلمها ولسانها الذي يكب حصاده الناس في النار، وكم شاهدنا بعضهم هنا وهو يحرض على قتل اخيه علنا، دون أن يرمش له جفن، تماما مثل هذا المتطرف اليهودي عضو الكنيست السابق الذي طالب بتحويل غزة لهيروشيما أخرى، دون قنبلة ذرية بهدف الانتقام وعشقا للدموية، ولكن يظل الثوب الصحافي أبيض ناصعا من الدنس، وإن لطخه هؤلاء القلة طالما هناك وائل الدحدوح وقبله شيرين أبو عاقلة وغيرهما من زملائنا الصامدين في وجه الباطل، فهم نور الحقيقة التي يخشاها المجرمون والأفاقون والمزيفون، ووسيلة التنوير للرأي العام المحاصرة بسيوف وبنادق إعلام غوبلز، والصهيونية العالمية المسيطرة على الذهب ووسائل الإعلام في مشارق الأرض ومغاربها. تحية إعزاز وتقدير للدحدوح وكل إعلامي يعرف أن الكلمة نار أو نور، وأنها شرف الإنسان وجنته أو جحيمه، وأنها غير قابلة للبيع أو المساومة على فتات الدنيا فهي زائلة.

غريزة معطلة

يرى الدكتور مجدي إبراهيم في “الوفد” أن قلة افتقار العربي المسلم إلى فهم غريزة التوحيد، لم تجعله يتمكن في ذاته أن يُفعِّل هذه الغريزة على المستوى العقلي والثقافي، ولا على المستوى العملي التطبيقي، غير أنه يعودُ أدراجه مستغرقا في التجزيئية المُفرطة، ولم يهيئه توحيده الفطري؛ لأن يجري عليه ممارسته العملية والواقعية؛ فأضحى تدينه في كفة، ونشاطه الفكري والثقافي والعملي في كفة أخرى، فجاءت عقليته عقلية فصل ومباعدة لا ربط فيها ولا توحُّد بين أجزائها، وليس بمقدورها أن تصل إلى الوحدة التي هي غريزتها الأصيلة المفطورة عليها. لكأنما العربي لم يستطع أن يفهم: ماذا عَسَاها تكون فطرة الوحدانية؟ لكأنه لم يستطع بعدُ، لأجل تدينه الساذج البسيط، أن يكوِّن لديه رؤية موحَّدة، يجريها على الواقع الفكري والنظري، تماما كما يجريها على الواقع الفعلي والتطبيقي، كما هي مُقررة قبلا في الواقع الديني بالفعل، إذْ أن فكرة الرؤية الموحدة تلك، إنما هي فكرة دينية في الأساس، وليس للعقل فضل فيها إلا فضل الشرح والتحليل، ثم ما معنى أن تكون متدينا بدين التوحيد، الذي فطرت عليه تمارسه شكلا دون أن تجريه واقعا فكريا وثقافيا ومعنويا وروحيا؛ ليكون هو عينه مجرى التجربة على المستوى الفعلي والتطبيقي؟ إنما العائق الوحيد أمام العقل العربي يبدو ظاهرا جليا في قلة الفهم أو عدمه لفطرة التوحيد، وتعطيل فاعلية الوحدة على صعيد الممارسة السلوكية، ونبذ قوتها واستبدالها بضعف الفرقة والخلاف والتشتت الدائم، والاستغراق في التفاصيل والجزئيات؛ لتجيء التجزيئية هي العاملة في واقع أسود مُغرق في المحدودية النظرية والعملية، الأمر الذي يجعل الباحث يشك كثيرا في أمته العربية والإسلامية: هل هذه بالفعل، والحال كما ترى، أمة تدين بالتوحيد عقيدة وعلما ونظراً، وسلوكا وممارسة وتطبيقا؟

سبب تشرذمنا

يصل الدكتور مجدي إبراهيم للسؤال الذي أرهق الكثيرين: إذا كانت أمة العرب تدين بالتوحيد فعلا وتقريرا وواقعا وتفصيلا، فلماذا عزلته عن واقعاتها الحياتية، فلم يسفر إلا عن فرقة وشتات: عزلته عن الواقع الفكري، فلم تستطع أن تتخذه أساسا لمنطلقاتها النظرية، وعزلته عن الواقع الفعلي، فلم تتحقق من مجرياته التطبيقية، ولم يؤثر قيد أنملة في وقائع تلك المجريات، وعزلته مرة ثالثة عن الواقع الديني، فأنتج واقع الأمة التي تدين بعقيدة التوحيد شكلا ينقصه المضمون؛ أنتج أصناما وأوثانا تُعْبَد من دون الله في أشكال جديدة، وقدَّست المخلوقين بدلا من تقديس الخالق، وآمنت بالخرافة والتخلف دون الإيمان بالفهم البصير والعقل المستنير، وارتضت بالمذلة والهوان وقلة القيمة في واقعها الأسود لا تملك فيه سوى شعارات الغضب.. ولم لا؟ فإذا لم يكن التوحيدُ معزولا عن الواقع الديني أصلا لما أضحى معزولا كذلك عن الواقع النظري والفكري ثم الواقع الفعلي، الأمر الذي جعل الإيمان الديني لدى المسلم قشرة سطحية تخلو أو تكاد من المضمون العملى؛ وهو الذي لا نشك لحظة واحدة في أنه ينتج لغة ومدنية وعلما وفنا وحضارة، ولو كان تدينه بالفعل مرهونا ببصيرة التذوق الدافعة إلى العمل والإنتاج لربط كل الأشباه والأضداد وصعد بها عارجا إلى توخِّي الوحدة. ولكن الواقع الثقافي العربي الحالي يقول لك بأبلغ لسان: إن هذه البصيرة الذوقية مفقودة أو تكاد، الأمر الذي أطمع الأغيار فينا.

أباطيل تليق بها

تكرر على ألسنة عدد من المسؤولين وصناع القرار في تل أبيب العديد من الأوصاف المسيئة للفلسطينيين – والعرب بالتبعية – التي تنعتهم بالهمجية، وعدم التحضر، والأداء اللا إنساني، وغير ذلك. العجيب من وجهة نظر الدكتور محمود خليل في “الوطن” أن ذلك يحدث وسط أداء عسكري انتقامي، تستخدم فيه إسرائيل آلة القتل التي تملكها والتي تحتشد وراءها آلات القتل الغربي، وتصب حممها على الأطفال والنساء والشيوخ بغزة، ولا تفوت ساعة إلا وتنفذ فيها مذبحة بحق سكان أحد الأحياء، ولم تستثن آلة القصف مستشفى أو مسجدا أو كنيسة، ناهيك عن المنازل التي تدمر فوق رؤوس ساكنيها. تتغذى النظرة الإسرائيلية للفلسطينيين والعرب – ويتشارك مع إسرائيل فيها العديد من القطاعات في الغرب الأوروبي والأمريكي- من رافدين أساسيين، أولهما الرافد الدنيوي والثاني الرافد الديني. ويتأسس الرافد الدنيوي على نظرة إلى الذات المتطورة علميا وتكنولوجيا ومعرفيا على مستوى أدوات الحياة، مقارنة بالعرب المستهلكين لنتاج الحضارة الغربية ككل. أما الرافد الديني فيرتبط بفكرة “التعصب” الذي تغذيه فهوم خاطئة للأديان السماوية لدى معتنقيها، خصوصا من الصهاينة. أحوال الدنيا متقلبة، وحياة الحضارات دورات، فهذا يصعد بالأمس، ثم يتراجع اليوم، ويحل غيره مكانه، وهكذا. ما نريد أن نتوقف أمامه في شيء من التفصيل هو الرافد الديني، النظرة الدونية من جانب بعض معتنقي اليهودية إلى غيرهم من البشر مسألة تحدث عنها القرآن الكريم، وأشار إليها بشكل صريح مباشر، وذلك في الآية الكريمة التي تقول: “ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون”.

ما أشبه الليلة بالبارحة

نظرة بعض اليهود إلى غيرهم من أبناء الأمم الأخرى وفق ما يرى الدكتور محمود خليل تتأسس على فكرة “الاستحلال”، استحلال أموال الغير، كما توضح الآية الكريمة، فهذا البعض لا يجد غضاضة في أن يستولي على مال غيره، ويضطر من ائتمنه على شيء – ولو كان دينارا واحدا – إلى مطاردته والوقوف على رأسه حتى يسترد منه حقه، ومؤكد أن من يستحل مال الغير من السهل عليه أن يستحل الاستيلاء على أرضه، وعلى داره وعلى أشجاره، وفي النهاية من الطبيعي أن يستحل حياته، فيقتله وأطفاله ونساءه وشيوخه، وذلك ما تفعله إسرائيل بالضبط، وتجد تفسير فكرة الاستحلال التي يؤدي بها الصهاينة مع الفلسطينيين والعرب في هذا الجزء من الآية الذي يقول: “ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل”. فغيرهم من البشر حل لهم، وليس ثمة من مشكلة في إيذائهم وسلبهم والنيل منهم. فاستحلال الغير يدفع صاحبه إلى الترخص في ارتكاب أي شيء في حقه، حتى لو كان الذبح. ولو أنك راجعت تاريخ نشأة دولة إسرائيل فستجد أن ارتكاب المذابح مثّل الأداة الأساسية التي اعتمدت عليها العصابات الصهيونية في تهجير الفلسطينيين من قراهم، وذلك ما حدث بالضبط في مذبحة قرية دير ياسين عام 1948، حين ذبحوا عشرات النساء والأطفال والشيوخ، بهدف إرعاب أهل القرية، وكانت النتيجة طردهم منها لتستولي العصابات الصهيوينة عليها. ما أشبه الليلة بالبارحة.

جرائمها لا تحصى

عدد عبد المحسن سلامة في “الأهرام” عددا من الجرائم الإسرائيلية التي لا تنسى: من حاصر ياسر عرفات قبل ذلك، وتحديدا في شهر مارس/آذار 2002، أي منذ 21 عاما؟ ومن اقتحم المقر الرئاسي للسلطة الفلسطينية بأكثر من 20 ألف جندي، بالإضافة إلى أكثر من 500 دبابة ميركافا، وغطاء جوي لا يقل عن 50 طائرة مقاتلة، إلى جوار الجرافات، والمدرعات.. وكل وسائل القتال الحديثة والمتطورة؟ تذكرت كل ذلك، ونحن في غمار أكاذيب إسرائيل الحالية، التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية، وترويجها كذبا أن الأزمة مع حماس. ما يحدث مع قطاع غزة الآن هو ما حدث بالضبط مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات؛ حينما اقتحمت القوات الإسرائيلية المقر الرئاسي، في الضفة الغربية، حيث دار قتال عنيف بين الحرس الرئاسي والجيش الإسرائيلي، واستمر حصار ياسر عرفات 3 سنوات كاملة، تدهورت فيها صحته إلى أدنى مستوياتها، ليخرج من مقره إلى فرنسا للعلاج، ويتوفى هناك، وهو ما أثار الكثير من الأقاويل عن «تسميم» إسرائيل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قبل مغادرته للعلاج.. ياسر عرفات هو الذي اعترف بدولة إسرائيل، وهو الزعيم التاريخي لحركة فتح، ومنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، والتزمت منظمة التحرير بعد اتفاقية «أوسلو» بحق دولة إسرائيل في العيش في سلام وأمن، كما اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية لتبدأ مرحلة انتقالية من الحكم الذاتي الذي تأسست بموجبه السلطة الوطنية الفلسطينية، وانتخاب مجلس تشريعى في الضفة وغزة لفترة انتقالية لا تتجاوز السنوات الخمس للوصول إلى تسوية دائمة بناء على قراري الأمم المتحدة 242 و338، وبما لا يتعدى السنة الثالثة من الفترة الانتقالية. انتهكت إسرائيل الاتفاق، و«داسته» تحت أقدام الدبابات، وأزيز الطائرات، وعنف قوات الاحتلال، ودمويتهم، وبدأت التضييق على عرفات، لتشتعل الانتفاضة الثانية للشعب الفلسطيني، ثم فعلت ما تفعله الآن في قطاع غزة. مشكلة إسرائيل أنها تكذب، وتخادع، لكنها، للأسف الشديد، تجد أمريكا التي تروج لأكاذيبها في إطار مؤامرة خبيثة لتصفية القضية الفلسطينية.

أمريكا وراء كل مصيبة

عدد من الحقائق التفت لها محمد جلال عبد الرحمن في “المشهد”: أمريكا تتحمل كامل المسؤولية عن دعم الكيان الصهيوني في معركة الذبح الضخمة في الشرق الأوسط، وقد نشرت مجلة Foreign Policy الأمريكية تحليلا عنوانه “أمريكا هي السبب الجذري للحرب الأخيرة بين كيان إسرائيل وفلسطين”. فالولايات المتحدة أول دولة تعترف بالكيان كدولة في 14 مايو/أيار 1948 عندما أصدر الرئيس هاري ترومان بيان الاعتراف، ومنذ ذلك الوقت، أصبح الكيان ولا يزال أهم شريك لأمريكا في الشرق الأوسط. والعلاقات الثنائية في ما بينهما قوية، وترتكز على أكثر من ثلاثة مليارات دولار من التمويل العسكري الأجنبي سنويا، وبالإضافة إلى الدعم المالي، حيث تشارك الولايات المتحدة الكيان التدريبات والبحوث العسكرية، وتطوير الأسلحة من خلال القوة المشتركة لمكافحة الإرهاب والحوار الاستراتيجي المستمر، وتعاونهما في مكافحة (ما يدعونه) بالإرهاب والشراكات التجارية وتعزيز التعاون الاقتصادي في مختلف القطاعات. والحقيقة أن الدعم المالي والعسكري من الولايات المتحدة الأمريكية للكيان الإسرائيلي الغاصب، رغم أنها تاريخية ومعروفة، لكنّها لم تكن بهذا الوضوح على النحو الذي تظهر به أمام مرأى ومسامع العالم في صب الزيت على النار بتحريك حاملات طائراتها “جيرالد فورد” في البحر المتوسط والتمهيد لاقتحام غزة بريا، ودعم الكيان الإسرائيلي في مواجهة أهل غزة وقتله الأطفال وحصار المدنين العزل وارتكابها المجازر وقصف المستشفيات والمدارس، فلم تسلم البيوت والبنايات والأبراج في القطاع الذي يقطنه أكثر من 2.3 مليون فلسطيني، من القصف الهمجي المتواصل وبصورة غير مسبوقة، واستهدف الحجر والبشر والشجر حرفيا، وليس مجازيا ومن لم يمت بالصواريخ يموت هلعا وجوعا وعطشا ومرضا.

شيطان أكبر

قامت أمريكا التي تتغنى بحقوق الإنسان ليل نهار، كما أخبرنا محمد جلال عبد الرحمن بالتمهيد لما يرتكبه الكيان الإسرائيلي من جرائم بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، من خلال حملة ممنهجة ومنظمة تشارك فيها العواصم الغربية، خاصة واشنطن ولندن وباريس وبرلين، من خلال الترويج للتضليل والأكاذيب الهادفة إلى تشويه ليس فقط المقاومة “حماس”، ولكن أيضا الفلسطينيين داخل القطاع وخارجه، وحتى العرب جميعا، باعتبارهم متعاطفين مع ما يصفه الاحتلال وداعموه بأنه “إرهاب”، حيث قال وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، أن واشنطن سترسل مزيدا من العتاد العسكري إلى الشرق الأوسط؛ دعما لكيان إسرائيل ولتعزيز الموقف الدفاعي للولايات المتحدة والقوى التي تعمل بالوكالة عنها في المنطقة. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أمريكا والعواصم الغربية على حقيقتها بكل جرأة وتناقض في كيلها بمكيالين من تطلعها للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، التي تتخذها ذريعة للتدخل في شؤون الدول دون وجه حق، وعلى الجانب الآخر تدعم وتحرض جيش الاحتلال في ما يفعله من جرائم حرب وإبادة ضد الإنسانية، فالديمقراطية الحقيقية تتعارض مع تقسيم الناس حسب اختلافاتهم الدينية أو الثقافية أو غيرها. والكيان الإسرائيلي لا يحتاج في ما يفعله سوى إلى شيطان أكبر يمتلك قوة المال والسلاح والإعلام المخادع وتزييف الوعي وتبرير القتل والنهب، وقد وجد كل ذلك في أمريكا والعواصم الغربية ومنظمات حقوق الإنسان الخرساء، التي لم ينطق أغلبها حتى بالإدانة، لتسقط بذلك الدعايات الزائفة ويتجسد تناقض القوى العظمى عن احترامها الكاذب للإنسان وآدميته وحريته وحقه في العيش. وأن دعم أمريكا للكيان في منطقة الشرق الأوسط ليس دعما أعمى، ولكنه دعم يرى مصالحه، فهل يتحد العرب قبل فوات الأوان إن لم يكن قد فات بعد تخبط طويل وضياع رشد واختلاط الحقائق بالأوهام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية