أطيافُ الفرَح

حجم الخط
0

البشير الأزميصوتٌ عميقٌ وابِحٌ يصلني ويقطع علي شريط أحلامي.. أنظر إلى حيث اعتاد أن يجلس جدي وقت القيلولة، طقسه المقدس، يرسل ضحكاته بحبور حتى تفيض عيناه بالدموع.. يخرج منديلاً، يمسح عينيه بقوة ويتابع حتى تحمرَّا، يعبُّ نفساً عميقاً، يتحسس لحيته بأنامل يده اليمنى وبصوت هو أقرب إلى الهمس يقول: ‘زمنكم ميت، غير زماننا، زمن الزفت زمنكم هذا.. لا بركة فيه’. تنفذ كلماته إلى قلوبنا كسهام غارت في أجساد غير قادرة على التحمل. كلفحة ريح صباح خريفي يغمرني الأسى.. من عادة جدي وهو يتكلم أن ينظر إلى أعلى أو يعض شفته السفلى، فترتفع ضحكاتنا عالياً وتكسر سقف الصمت الذي يخيم في حضرته، فيتذكر خلو فمه من الأسنان. أحياناً يشد يديه إلى بعضيهما، يقربهما من فيه وينفخ فيهما للاصطلاء حتى ولو كان الجو حارّاً.

عندما تغشى جدي موجة الغضب، يستخدم أثناء حديثه قاموساً غير ملائم.. لا يعير اهتماماً لمحدثيه، المهم أن يعبر عما يعنُّ له من أفكار، حدود اللياقة تنعدم حين غضبه.

يدنى الكأس من فمه وينفخ فيه نفخات متتالية ليرطب من حرارته، يرشف رشفة مصحوبة بصوت يثير انتباهنا، ويتابع حديثه: ‘لا بد للفتاة أن تستر نفسها، وستار الفتاة زوج يحميها ويدود عنها..’ أمي، في ركن البيت، جالسة تقضم أظافرها.. تعرف أن مشاريع جدي فاشلة دائماً. عندما تبدأ في قضم الأظافر أعرف أن ذاتها بدأت تَرْسو عند مرفإ الحزن.. وأن تجوالها في دروب المعاناة والأسى سيبدأ، وستحلق في سماء بيتنا لمدة غير قصيرة غربان تحمل في صدرها أوشاباً. تعرف أمي أن جدي دخل مشروعاً جديداً وفاشلاً، مشروع التخلص منِّي، أنا حفيدته الوحيدة، بل حفيدته التي لم تتخط بعد عتبات الطفولة ولم تنعم بجذل الصبا. مشروع التخلص مني مقابل الحصول على قطعة الأرض المجاورة لبيتنا. كان جدي يحلم دائماً باستعادة الأرض التي اضطر لبيعها قصد تحقيق رغباته الرخيصة؛ الخمر والقمار والنسوان. هذه هي العوالم التي كانت تأسر جدي. ومن أجلها باع أرضه. وأنا غدوت بالنسبة له سلعة المقايضة.. القنطرة التي يعبرها قصد الوصول إلى ضفة أحلامه، إلى استعادة أرضه. الطفلة صغيرة…. قالت أمي.. و… ستكبر في بيت زوجها… بصوت راعد كصوت أمواج تنحدر على صخور شاطئ مقفر قال جدي.. استعان بعصاه.. فتح باب الدار، تَلَفَّعَ بسواد الليل.. وتركنا، أمي وأنا، نحكي الصدى.

أحسست بقدمي تنغمسان في حضيض الوحل.. ضممت دميتي إلى صدري وبكيت.. أنظر إلى وجه أمي لم يعد وجهها أسيلاً كما كان من قبل.. مشرقاً كان وجهها.. لمْ يَعُد العيد يُطِلُّ من عينيها.. صَمْتٌ طافح بالانكسار يؤثث الفضاء.. لَفَّني غبش المساء.. سقطت عني ذكريات طفولتي.. ضاعت.. أطياف الفرح غدت سراباً بل أطيافاً مخيفةً أضحت.. قاص من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية