تبدو القصة القصيرة في حد ذاتها وكأنها «مهمشة» منذ أن أطلق جابر عصفور جملته المشهورة والمعنون بها لكتاب، «زمن الرواية»، فظن كل مهاجر من القصة إلى الرواية، أنه انتقل من نوع أدبي متدن إلى نوع أدبي أرقى، وكم هي مجحفة هذه الرؤية في حق القصة القصيرة، لأن طبيعتها السردية تنطوي على تعارض مفهومي يجعل منها فنا صعبا، فهي تتطلب الحدث، وهو ما يمكن أن نعرّفه على إنه السيولة في الكلام، أو الإسهاب فيه لأجل تحريك عجلة الحدث، لكنها من جهة أخرى تتطلب التكثيف، وهو الاقتصاد في الكلام، أو في اللغة، أي الاقتصاد في الشخوص والأمكنة والأزمنة، وهو ما يجعل القاص في وضع صعب، وهو أيضا ما يعطي القصة القصيرة أهميتها.
من الإنسان في المطلق إلى الإنسان الفاعل
يجعل القاص – وهو يدير الحدث لإنتاج النص القصصي – الواقع بتفاعلاته مسرحا لرؤيته السردية، لكن بإضافة الفن، أو اللمسة الإبداعية لينفصل الحدث اليومي عن الحدث التخييلي، فهو ينطلق من الإنسان في المطلق، أي ذلك الذي ـ افتراضا – يتمتع بكل حقوقه الطبيعية من حرية وعدالة وكرامة، أو ذلك الإنسان الذي يمثل القاص نموذجه، لا باعتباره مبدعا له، ولكن باعتبار القاص إنسانا ضمن منظومة الانتماء إلى الحياة، فبول ريكور يرى أن الإنسان جزء من الحياة قبل أن تهاجر به الحياة إلى الكتابة، وصولا إلى الإنسان الفاعل أو المناضل، أي ذلك الذي يصارع الوضع اليومي ليكسب حريته وقوته وكرامته، فالقاص بطريقة أو بأخرى إنما يبحث في المهمش، الإنسان الذي طحنته عجلة المجتمع فألقت به خارج دائرة اهتمامها، وبالتالي فهو يتمرد على الأوضاع التي سلبته إنسانيته بنضالية مريرة ومستمرة، وتلك هي بداية الحكاية الإنسانية مع المهمشين في المتن السردي القصصي.
تهميش الإنسان في «أوان القطاف»
تضع هذه المجموعة مستويات للتهميش، إذ يحدد ابتداء عبد الرحيم هري جنس الكتابة في مجموعته القصصية «أوان القطاف» بـ«مجموعة قصصية»، ثم يكتب في عتبة العنوان الداخلي «نصوص قصصية» لينفتح أوان الموقف، على أساس التمييز بين القصة والنص، فهل كان مقصودا أن يضع هذا التغيير، وبالتالي تكون تلك حيلة منه لينقذ النص من تعريف القصة القصيرة، وهو ما يحيلنا إلى نسق الأفضلية، باعتبار الكتابة الحداثية وصلت إلى مرتبة النص المفتوح، وهو ما يجعلنا نفكر في تهميش نوع أدبي وشكل سردي عريق، أو كان ذلك مجرد أطروحة من الكاتب وردت عفوا.
يخبر عبد الرحيم هري القارئ أن تلميذتين هما اللتان قدمتا لعمله القصصي، ويحدد عمرهما بست عشرة سنة، وهي مخاطرة تحملها القاص باعتبار العمر والتجربة لا يسمحان للتلميذتين بأن يصلا إلى عمق القصص الفني والرؤيوي والدلالي، ولكن من جهة أخرى، فالممكن قراءته في سلوكه هذا هو مد يد الإنقاذ للمهمشين في عالم الكتابة المقتصِر على الأسماء الكبيرة.
هناك خيط رابط بين قصص «أوان القطاف» وهو الحياة على حافة الدنيا، وعنوان مثل «مواطنون منتهية صلاحيتهم»، ينتهي إلى سلعية الإنسان، وتجاوزه ككينونة تعبر عن التاريخ والكيان والفكر، وأيضا عنوان «تأمين» يقابل القاص فيه بين الزوجة والسيارة، وفق رباط التأمين «البنزين والمازوت»، وهو تعبير صارخ عن تهميش المرأة داخل وضع اجتماعي، يجعل منها أداة للمنفعة العامة تماما كما السيارة، وإن كانت نصف المجتمع فهي لا تعبر سوى عن تلك الحركة التي يستغلها الرجل ولا يتوخى مشاركتها، لأن المشاركة تعني الزوجة كفرح مشتهى، تعني العواطف التي تجعل منها إنسانا، ولكن التهميش يجعل من الفرح المشتهى غائبا.
والتهميش بصورته الواقعية التي تجعل من الإنسان رقما متجاوزا، يكشف عن أن هذا المهمش كائن حالم خارج الوضع الاستثنائي الذي يقذف به بعيدا عن منظومة المتنفذين في المجتمع، وفي إحدى الجمل: «وفي غفلة من الزمن، راح يصنع له توأما يسع عشقه»، فـ»غفلة من الزمن» هي مركز القوة الذي يملكه المتحكمون في زمام الأمور، والمهمشون للضعفاء، وفي المقابل هناك زمن مختلف أراد القاص من خلاله أن يكشف عن أن وضع التهميش لا يمنع الحلم بمكان أو مجتمع يسع تطلعات المهمشين.
تهميش المكان في «مغارة الصابوق»
يعتبر عبد الله كروم من ساكنة الجنوب، أي البعد عن المركز، وكلما كان هذا البعد، كانت المنطقة نائية ومهمشة، وتندرج قصص المجموعة في الانتصار للمكان المهمش. وهو ما نكتشفه في جملة «أتريدين أن أكتب عنك قصة»، الخطاب موجه في صيغة التأنيث، إذن، المكان مؤنث يحمل وصف الرهافة والرقة والجمال، وسؤال الكتابة عن المخاطَبة بقصة يحيل إلى أنها مهمشة، لأن التوجه إليها بالكتابة عنها يؤكد عزلتها وتهميشها، وأن يكتب عنها قصة معناه أنها تمثل كيانا حاملا لجمالية ما، يرد ذلك في جملة عنوان آخر «زينة المدائن»، وتكشف بالبداهة أن المخاطَب هو المكان الناجز في جمالية الأنثى.
يستأثر الوضع التهميشي للمكان بمشاعر القاص، فيؤسطره انطلاقا من معنى الجملة: «حتى الخرير الأسطوري لساقية الحاجة مينة اختنق»، وكلمة الأسطوري تضع المكان في مستوى ماورائي غرائبي، وهو يستعيد تلك الأسطورية الغائبة في مواجهة الوضعية المزرية للمكان، جراء التهميش الذي طاله، فالخرير دال على الحركة، وبما أنه أسطوري، فهو يحيل إلى حركة المكان في التاريخ وفي الروح التي تسري في الطين والرمل. يعلمنا الرمل أن الزمن والصمت والمكان ليست مفاهيم، وإنما حيوات تدفعنا للاستقرار.
«الصابوق» حالة عابرة للتاريخ، تحيل إلى الكهفية كمحاولة للاندراج في التاريخ، بعد أن انحرف المجتمع عن مجاليته، فالكهف وضع غامض يتجلى كما مسار سالب في الوجودية الإنسانية، تشتغل فيه الظلال وليس الواقع، فهو وضع المجتمع الذي أدرك أنه ظل، مهمش، وحاول استعادة وضعه الطبيعي ليتأسس كعلامة، أو كأفق للعودة إلى المسار.
تهميش الذاكرة في «نزلاء المنام»:
أمان السيد قاصة سورية تقيم في أستراليا، وعنوان مجموعتها القصصية «نزلاء المنام» يتفكك عند عتبة الاغتراب، فالنزلاء من النزل، وهو ما يحيل دلالةً إلى العبور، وليس الاستقرار، الغربة وليس الوطن، والمنام لا يتأثث وجدانيا وفكريا، سوى عند عتبة الحلم، فالمغترب حالم أبدا بوطن، وهو بالضرورة، وبطبيعة الأشياء، مهمش على حافةٍ في نمونكلتورا الأوطان، وبالتالي لا يسع الكتابة لديها إلا أن تُفعّل أداة الذاكرة، «الطفلة التي كنتها ما تزال تشعرني حتى اليوم بأن لأمينة حقا عليّ، وعلى الحارات وأطفالها، وعلى شرفة بيتنا». الجمع بين الذاكرة والجنون، ليس إلا التفسير لحرائق الشوق إلى الوطن، فالقاصة تستنبت حالة وجدانية تتعلق بطفولتها، لكن في علاقتها بالمكان وعناصره، واستحضار الذاكرة الطفولية في دائرة زمن الاغتراب الراهن يكشف مدى تهميش الذاكرة في خضم عدم الالتفات إلى الماضي والتوهان داخل أقبية الحاضر بكل عنف انقضاضها على الذاكرة، لكن ما كشفته من عناصر هذه الأخيرة، يمثل معالم النقاء في فضاء تشمله سعادة الإقامة، وهو ما يفتقده المكان الراهن وذاكرته الخربة، فالوطن ذاكرة تسكن المواطن وليس مكان نسكنه فقط.
أخيرا، تعتبر القصة القصيرة الفن الذي يمتلك قدرة معتبرة، في وصف اللحظة المعاشة بكل تجلياتها، لأن ما تختزنه مكثفا، تعبر عنه اللغة المكثفة في القصة القصيرة، وهو ما يمنح معنى التهميش بعدا دلاليا تتشظى معانيه وفق الكلمات المركزة، التي تتركب ضمن مستوى الجملة لتمنح المعنى الدلالة العميقة في كتابة اللحظة بكل زخمها الوجداني، وبما ينغلق عليه من انكسار وانتصار من فرح ومن حزن.
٭ ٭ المقال من وحي مشاركة في ندوة حول المهمشين في القصة القصيرة بدعوة من الكنفدرالية العامة للشغل بالمغرب.
كاتب جزائري