أظمتنيَ الدُّنيا…

حجم الخط
2

‘…فلمّا جئتُها
مُستَسقياً
مَطَرَت عليّ مصائِبا’.
البيت، بالطبع، لأبي الطيّب، ‘غفر الله له’ كما دعا له الطيّب صالح في كتابه العبقريّ عن العبقريّ.
من سواه يُفتّق ببضع كلمات جراحاً طريّة أبداً، لم يساعدها لتنشف زَمنٌ أو بَشَرٌ أو بلد.
***
‘أظمتنيَ الدنيا’، وكل الكؤوس في الغدر والخيانة سواء. تستسقي بها فتخونك كلّها كنساء المتنبّي: ‘إذا غَدرتْ حسناءُ وفَّتْ بعَهدها/ فمِنْ عَهدِها أن لا يدومَ لها عهدُ.’
على أنّ الخديعة هي أصلاً في الاستعارة: ليس الحنين والشوق والتوق كالعطش إلاّ من جهة الألم. فهي ليست غرائز لتسكتها كأس أو أكثر تعبّأت بالكلام أو بالعواطف: ‘هل من مزيد’؟
لهذا، يا أبا الطيّب، ‘نترك الماء’ كما قلت، لأنّه ليس ماء أصلاً، بل صنْو دواء أبي نواس؛ تلك التي ‘لا تنزل الأحزانُ ساحتَها’. ألم تقل إنّ ‘الذي تمطِرُ السحابُ مُدامُ’؟
ما الذي جعلك حقّاً ‘كثير السُّكر من غير المـُدام’ سوى بدر وراء بدر وراء بدر ‘لا تريده’… بدورٍ ‘يدركُها النقصان وهي كواملُ’ كما قال أبو العلاء. ‘ومن قمر إلى قمرٍ قفزتُ’ (درويش). تدور بها وتدور بك كصوفيّ يعرف ما عرف الحلاّج: ‘وسُكرٌ ثمّ صَحوٌ ثمّ شوقٌ’. تصحو من كلّ الخَدر مؤقّتاً زائداً عَطشاً لتكتشف حقيقتين لا أكثر، كانت قد وارَت سوءَتهما بدورُ ناقصة: أنّ العالم ما يزال قبيحاً ناقصاً رغم كلّ المتاح المباح، واقعاً وخيالاً، وأنّك ما تزال وحيداً رغم كلّ الآخرين.
***
‘أحبّك حبَّ القوافل واحة عشبٍ وماء’. ذا ماءٌ عرفتَه في الحقيقة قليلاً وفي المجاز كثيراً، وكدت تصدّق سرابهما معاً. القوافل لا تزال ظمأى وتبحث عن وجهة للرحيل؛ وجهةٍ تعرف عندها فيروز لمن كلّ ذاك الحنين.
‘حننتَ إلى ريّا ونفسُك باعدت مزارك من ريّا…’ ريّا: اسمُ الغائب المجهول. تباعدك نفسك من مزاره لجهل ما في الخريطة. هل من خريطة أصلاً أمّ إنّ استعارة المكان للزمان خديعة أخرى قديمة؟ تنتظر، على طريقة درويش، حُلمَاً يدلّك على ما قد يرمّم قلبك من ‘أثر الجفاف العاطفيّ.’ أكثر من ألف عام من الشعرِ والاستعارةُ مستمرّة في الخيانة: ليس الأمر ظمأ أو جفافاً تماماً، والكؤوس لا تفعل شيئاً سوى أن ‘تدير الرؤوس’.
‘مطرَت عليّ مصائبا’. ماذا فعَل أبو الطيّب؟ لم ينشّف نفسه. غطّاها بواجهة هشّة من أمل مزيّف، وأخرى صلبة من كبرياء هو قناع لانكسار حقيقيّ، والشعر في النهاية نظْمٌ لا يطيق الكسر. مع ذلك، تفضح حنينَه رطوبةٌ تتسلّل بين شقوق الكلام، وتجعلنا نحبّه لأنّنا كلّنا مثله: نودّ ما لا تودُّهُ الأيّام.
أراد ببساطة أكثر ممّا وَجد. وبقي له ‘سرجُ سابح’ و’كتاب’. الكتابة حُداء حوذيّ لا يحنّ إلى ما عرف، كالشنفرى تماماً، وأرهقت إبلَهُ الصحراء وغشّه السراب. ما زال يبحث عن ‘أهدى الطريقين’ أحياناً، ويسأل ‘حتّامَ’ أحياناً أخرى، مستسقياً أبا الطيّب مستهدياً به، فيلقى الضلالة والثمالة والمزيد من الظمأ. هي ‘الوحشة’ رغم كلّ شيء على رأي الحلّاج: ‘أقّلبُ قلبي في سواك فلا أرى سوى وحشتي منه..’. يقلّب الغيب والدنيا، يستوحش، يسكر، ثمّ يصحو… وجفاءً يذهب الزَّبد. كم قلّبتُ أشياء حسبتها، كما قال أبو الطيّب، ‘سُحباً جادَت على بلد’، تُستَسقى ولا تجود بشيء أو أحد. غفر الله له على أيّ حال، ولأبي الذي دسّ سمّ المتنبّي ورفاقه في دمي منذ عشرين عاماً فأفجعني بنفسي والدنيا إلى الأبد.

كاتبة من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية