يتنافس الكثير من أبناء المجتمعات العربيّة ومغتربيها اليوم على عكس صورة سلبيّة وقاتمة عن واقع بلدانهم، إضافة إلى التقليل من شأن الشعوب التي ينتمون إليها وقدرتها على النهوض، ليصبح الوطن سبّة على أهله وتؤول المسؤوليّة الجمعيّة في بناء الأوطان وإصلاحها إلى عداءٍ بين شعوب تبتغي رغد العيش وبلدان تضيق ذرعا بساكنيها، فالموروث الثقافيّ الغنيّ والتاريخ العريق لهذه البلدان – في نظر هؤلاء – أسطورة عقيمة، والحاضر كـَفـَنٌ لمستقبلٍ ميّت.ولا ننكر على الإطلاق مطابقة كثير مما ينقله البعض عن بلدانهم للواقع، فهو صاحب الأثر الأكبر في ترسيخ هذه النظرة االعدائيّةب نحو االوطنب. وذلك ما يؤكّد عليه المفكّر الكولومبيّ (أرتورو إسكوبار) حيث يبيّن بأن الظروف التي تعيشها معظم دول االعالم الثالث’، إثر الهيمنة المستمرّة لنظام عالميّ يجهض أيّة محاولة للنمو والتقدّم فيها، تدفع شعوب هذه الدّول إلى االشّعور بأنّها أدنى مكانة من غيرها، وبأنها جاهلة ومتخلّفة، كما ويؤدي بها ذلك إلى التشكيك في قيمة ثقافتها’، والإيمان باستحالة النهوض بأوطانها.ويسهم هذا النوع من الأفكار في رفع ما يسمّيه المفكّر الإسلاميّ (مالك بن نبي) بمعمال االقابليّة للاستعمار’، حيث أنّ شعوبنا ما زالت تحمل – وللأسف – الفكر الاستعماريّ القائم على إنكار الذات وتمجيد الآخر، وهو ما يجعل مهمّة المستعمِر والغازي المحتلّ أكثر يسرا وسهولة. بل إننا نشهد اليوم مطالبة صريحة بهذا المستعمِر في كثير من دولنا، علّه ينجينا مما في نفوسنا من وهن. وكما يعدّ الفقر والجهل والطغيان أعداءً في الدّاخل، والغزاة أعداء من الخارج، فإنّ هذا الفكر المشوّه ومن يحمله يمثّل العدوّ الأوّل الذي يعزز سطوة آفات الدّاخل، معطلا عمليّة النّهوض وممهّدا الطريق لأعداء الخارج.يعلّمنا التّاريخ بأنّ لكلّ أمّة تألّق وأفول، شموخ وانحطاط، كما اإنّه من السنن الأزليّة أن يعيد التاريخ نفسه، كما تعيد الشمس كرّتها من نقطة الانقلابب حسب نيتشة. لكن مشكلة هذا الفكر السوداوي تكمن في محاولته إيقاف دورة التّاريخ وإبقاء الأمّة في عصر أفولها وانحطاطها، والترويج لأسطورة االعجز الفطريّ’ التي ابتكرها مستعمرو القرون الآزفة. وإنني أكاد أجزم بأن الدّول الأوروبيّة التي استحالت فيها مدنٌ بأكملها إلى أنقاض بعد الحرب العالميّة الثانية، كانت ستبقى كذلك إلى يومنا هذا، ولأخذنا نصفها بذات الألقاب التي نصف بها شعوبنا اليوم، إن حمل أهلوها الفكر ذاته الذي نحمله ونظروا إلى الواقع والمستقبل نظرتنا إليه! لذلك فنحن قادرون حتما على التغيير اإن أردنا’، وما ثورات شعوبنا – التي وصفت بأنها جُبِلت على حب الظلم والخضوع – إلا دليلٌ على ذلك. كذلك فإنّ من لا يقدّر وطنه الأصليّ لا يزيد غيره من البلدان إلا خبالا، وهو ما يقرّه النّحات العراقي المقيم في أمريكا (حسام فضلي) بقوله ابأنّ الإنسان الذي لا يحترم أصله ولا يذكره، لا يمكن أن يحترم البلد الجديد الذي يقيم فيهب. وهنا يجب أن نقرّ حقيقة هامّة تلتبس على البعض وهي بأنّ الشعوب تبني الأوطان وليس العكس فمن أراد أن يحظى بوطن عزيز وكريم أسهم ببنائه بنفسه، بدلا من أن يكون عالة على أوطان أخرى كدّت من أجلها أمم وشعوب في مشارق الأرض ومغاربها. ليس الهدف مما سلف إنكار ما في بلداننا من أوضاع مترديّة على الإطلاق، والإدّعاء بأنّ كل شي على ما يرام، بل هي على العكس من ذلك دعوة إلى مواجهة الواقع بالوقوف بين المثالية المفرطة بالتفاؤل والواقعيّة الموغلة بالتشاؤم، هي دعوة إلى التخلّي عن عدائنا غير المبرر لأوطاننا وشعوبنا، هي دعوة إلى انتهاج النقد البنّاء بدلا من التّحقير والعمل بدلا من الاستهزاء، هي دعوة إلى الأمل، والأمل صناعة إنسانيّة من لم يتقنها خسر ذاته ووطن.مصطفى صاحب