أعراس الثقافة

حجم الخط
0

أعراس الثقافة

خيري منصورأعراس الثقافةما كان لهذا العنوان المباشر والذي لا أميل الي أمثاله درءا لالتباس محتمل أن يخطر ببالي لولا الاستخدام المتكرر لما يسمي عرس الديمقراطية في هذا البلد العربي او ذاك، اذ غالبا ما يطلق هذا الوصف علي الانتخابات الموسمية سواء كانت لمجالس القري او لرئاسة الجمهوريات، والجملوكيّات.واذا اتفقنا علي أن نقيض الديمقراطية الحقيقية هو الديمقراطية الزائفة وليس الديكتاتورية، فإن ما يسمي عرساً هو في حقيقته جنازة لكنها أشبه بكرنفال او حفلة تنكرية، يكون فيها الغناء والرقص بديلا للبكاء والّلطم، ذلك لأن الاشباه والبدائل الصناعية تجهض النمو العضوي لكل شيء، سواء كان حرية او ديمقراطية او ثقافة!وأعراس الثقافة العربية كما يقدمها الإعلام الدّاجن والمنزوع الجوهر، هي ايضا حفلات تنكرية لكن من طراز آخر، فقد تكون المجلات الانيقة ذات الورق الصقيل والألوان الخاطفة للأبصار مضادات ثقافية بامتياز، او بمعني آخر ماكياجا يضاف الي الجهل كي يبدو علي غير حقيقته.وحيثما ذهب المرء او ولي وجهه في الوطن العربي هذه الايام يسمع صخبا مبهما يطلق عليه الحراك الثقافي، مهرجانات، وجوائز وندوات ومعارض وفضائيات اشد التصاقا بالتراب من السلاحف!لكنه لا يسمع علي الاطلاق سؤالا معرفيا جادا ومحاولات للإجابة عنه، ذلك لأن دودة الشّخصنة بلغت جذر الثقافة أيضا بعد أن أتت علي السياسة وحوّلتها الي هشيم، فهل الثقافة كما تقدمها التعريفات الجديدة هي حاصل جمع مهرجانات وجوائز ولقاءات سياحية وحقائب ممهورة باسماء البلدان ووزارات الاعلام فيها؟ان الثقافة المبهرجة والتي تغطي تجاعيدها بمساحيق التجميل هي النقيض الفعلي للمعرفة تماما كما ان الديمقراطية التي يقصد بها العرض فقط هي نقيض الديمقراطية الحقة!لهذا علينا منذ البدء ان نتلقح ضد هذا التضليل ونتذكر المسكوت عنه والمحظور من الاسئلة التي تفرزها ثقافة حرة وغير مرتهنة لسلطة او نفوذ من خارجها، واذا كان البريق هو الطعم الذي يستدرج طائر الحجل من الأعالي الي القيعان فيوقعه في الفخّ، فإن بريق الثقافة الاستعراضية والموسمية يفعل الشيء ذاته.قبل عدة عقود كانت تقنية الطباعة أقل مما هي عليه الآن بأضعاف المرات، تماما كما ان السينما كانت بالاسود والابيض، لكن ما كان يقدم للقاريء العربي يلامس أعمق الوجدان، وكانت الثقافة رغم محاولات نزع فاعليتها من بعض النظم الشمولية وشبه الشمولية حاضنة قومية لمساءلات محرّمة في المجال السياسي.وما قبل الانترنت، وكل وسائل الاتصال الحديثة كان العرب يقرأون لبعضهم اكثر مما يفعلون الآن، رغم المزاعم المتكررة بأن الانترنت اخترق الاسوار والحواجز، وصارت الكلمة من خلاله عابرة للقارات والرّقابات!ہہہالحصيلة المنطقية لهذه الجنائز الثقافية التي تتقدمها الزغاريد، هي تهميش المثقف الذي يدرك ان استغراقه في عمله هو ما خلق لأجله، وليس لديه من فائض الفراغ ما يكفي لعقد المقايضات، او مطاردة لجان الجوائز او السّفر المتواصل وكأنه مضيف طائرة لا اكثر ولا أقل…وثمة ملاحظة تستحق التأمل والرّصد، هي ان المجلات الأنيقة ذات التكلفة الباهظة والمكافآت السخيّة مقارنة بسواها تحاول أن تضفي علي نفسها شرعية ثقافية من خلال اسماء معروفة، لكن معظمها شاخ او استقال او أقعي في غرفة نومه ينبش الدفاتر القديمة، وتنسي هذه المجلات أن مبرر صدورها الوحيد هو تقديم أجيال من المثقفين والمبدعين، مثلما فعلت مجلات النصف الاول من القرن العشرين، فالمجلات التي قدّمت طه حسين وعلي عبد الرازق والعقّاد والمازني لم تكن تستمد شرعيتها من استقطاب اسماء أكثر شهرة من هؤلاء في تلك الآونة لكنهم تقليديون، وقد تحولوا الي مصدّات ضد رياح الحداثة والتغيير!أما الاحتكام الي عدد الكتب التي تصدر يوميا في العالم العربي، وعدد الصفحات الثقافية في مختلف المنابر فهو وهم آخر، لأن كثرة المنابر تحتاج الي علفٍ لا ينقطع من الحبر حتي لو كان بلون الماء وطعمه ورائحته!والتقليد السّنوي في الصحافة العربية الذي يتم من خلاله رصد وإحصاء أهم الكتب الصادرة خلال عام بعد انقضائه، يتحول احيانا الي ما يشبه الفضيحة، لأن من بين مئات او آلاف الكتب قد لا يستوقف القاريء سوي القليل، لأن النشر أصبح بلا تقاليد، ومن يملك ألف دولار يستطيع ان ينشر رواية او ديوان شعر بلا تردد او خجل حتي لو كان مجرّد كثافة من الجهل والاجترار!واذا كان ما يقوله فلاسفة حضارات مثل الفرد وايتهد صحيحا حول الكم والكيف، فإن ازدهار الكم يكون أحيانا علامة انهيار، لأن التشابه فقر، ولا قيمة علي الاطلاق لمليون بيضة فاسدة، ازاء واحدة قابلة للتفقيس!ان العربي المستباح حتي النخاع في السياسة بدأت ثقافة الأعراس الكاذبة تفترس ما تبقي من روحه، لأنها توهمه بأن هذا الصخب وهذه الالوان وهذا السيرك هي ثقافة ترفل في ربيعها.وها هو الفيروس الاعلامي الخبيث والقادر علي اعادة انتاج ذاته ينتقل برشاقة إلي الثقافة، فالاعلام برهن خلال نصف قرن علي انه قادر علي تقريد الانسان، والثقافة المغمورة بالاعراس تدافع الآن ببسالة عن أميّة عريقة، فيها من فائض التخلّف ما يكفي لتوظيف كل منجزات التكنولوجيا لصالح الخرافة، ويبدو ان المثقفين العرب، حتي هؤلاء الاكثر جدية، قد أسقطهم الناس في حالة من اللامبالاة ومنهم من خدّرته الرّشوة فتواطأ، لأن الحرمان من السّفر والمشاركة في الأعراس والجنائز عقوبة لا يقوي الكثيرون علي احتمالها!ہہہما معني ان يترجم ألف كتاب، لا يوجد بينها واحد يحمل موقفا جذريا من التاريخ والانسان والسيّاسة؟وما معني أن تطبع آلاف الروايات والدواوين اذا كان الشرط المعلن لنشرها هو امتثالها للمسموح به، فقد تحوّل المبدع العربي في الآونة الاخيرة الي رقيب صارم علي نصوصه يحذف منها ويدجّنها كي لا تتسبب بأي صداع سياسي او اجتماعي او دينيّ!وهناك كتّاب اعتذروا أمام الملأ عبر الانترنت عن كل ما كتبوا، وكأنهم هم الذين قالوا بأن الأرض تدور، ثم أمسكوا عن الحقيقة كما فعل غاليلو خشية محاكم التفتيش!وما يدور هماً في المقاهي والبيوت وعلي الأرصفة الثقافية في مختلف عواصم العرب، قلّما يجد طريقه الي النشر، لأن الأجيال الجديدة رضعت الخوف مبكرا، وهي تخشي اذا ما اغضبت أولي الامر في الثقافة ان تحرم من فرصها في النشر والمشاركة في الفعاليات الثقافية والاعراس!في الماضي غير البعيد كان بعض من أدركتهم مهنة الأدب، يضطرّون بعد منتصف العمر او في ربعه الأخير الي ممالأة السّلطة، طمعا في ثواب او خشية من عقاب، لكن في هذه المرحلة الأشبه بالعورة التاريخية أصبح شبان في العشرينات من العمر شيوخا طاعنين في الممالأة والنفاق السياسي، بحثا عن أقصر الطرق لتأمين متطلبات حياة عسيرة، تحول فيها الانسان الي كائن أحادي البعد، وأصبح كالاسفنجة ذات مئات الافواه الفاغرة!ولكل سلطة اسلوبها وأفخاخها في اصطياد من تشم رائحة لعابهم وهو يسيل علي شيء ما، وان كانت العوْربة الوحيدة التي تحققت كمقابل للعوْلَمة هي توحيد أساليب الصّيد، لأن الجميع علي ما يبدو قرأوا الكتاب ذاته من فاتحة الوعيد الي خاتمة التسوّل! ہہہقبل عامين سألني صديق اوروبي تحول في عدة عواصم عربية كيف نفرّق بين سرادق العزاء وسرادق العرس ؟ فالاثنان حكر علي الذكور أولا، والصّمت موزّع بالتساوي بينهما، لحظتها أدركت ان الكثير من المشاهد في حياتنا يفوتنا لأننا نألفه من فرط التكرار، وحين تساءلت عن سرادقات الثقافة العربية الآن.. هل هي اعراس ام جنائز؟؟ كان سؤال ذلك الصديق الغريب قد عاد الي ذاكرتي، لكنه لا يعرف ان لدينا اعراسا مطرودا منها العرسان، ولدينا جنائز مطرودا منها الموتي لأن المقصود بالعرس والجنازة معاً هو مَسْرَحة العاطفة وليس البوح بها.لهذا ينبغي لمن يود رصد هذا الحراك الغائم والملتبس ان يتأمل ما هو تحت السطح وأن لا يكتفي بالتحديق الي الجزء الناتيء من جبل الجليد، وما نخشاه اذا استمرت هذه المتوالية الخرقاء للجنائز التنكرية للثقافة، هو أن يأتي وقت تندحر فيه أسئلة الحرية والعالم والوجود، ولا يتبقي غير سجال المشتغلين في هذه المهنة حول الجوائز وتذاكر السّفر والمكافآت التي لا علاقة لها بالنصوص والكتابات، لأنها تخضع لرأس المال ولاعتبارات ضريبية في بعض الأحيان!أخيراً، ان الجنازة شحيحة والميت أسد الثقافة وليس كلبها!!!QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية