إلى: لؤي عبد الإله
دروبُهُ ليستْ مباركةً
مَنْ يحيا بقلبٍ عاطلٍ
كان صباحاً رائعاً، لم تكن هناك غيومٌ أو رياحٌ، وكنتُ أعيشُ راحةَ بالٍ نادرةً، أتنفسُ بعمقٍ، أشمُّ رائحةَ نعناعٍ خفيفةٍ وحشيشٍ، ودخانِ جذعِ نخلةٍ يحترقُ. فراشاتٌ ترفرفُ على أطرافِ العشب، وشمسُ أول الصباح تسطعُ بهدوء، تلمع بين الأحراجُ الكثيفةٌ، عميقةُ الخضرة. شتى أنواع الطيور تخاطفتْ فوقي… أنا حرٌّ، وحيداً كنتُ ومنعزلاً تماماً، ظلّي على العشب طويلٌ، ورأسي فارغةٌ من أي أفكارٍ. حرٌّ كلياً… لا أحدَ غيري هنا. نصف ساعةٍ مرّتْ على وجهِ التقريبِ، ثم مرَّ الكلبُ الأسودُ، ومرَّتْ بقيةُ الكلاب. تهارشتْ، وعلا صوتُها بالنباح. عاركتْ جميعُها الكلب الأسود، ثم ولّتْ راكضةً، بعد أن زجرتها، وعاد الهدوء إلى نفسي. أتنهّدُ، وأستمتعُ بالسكون الذي حولي. فسحةٌ صغيرةٌ في العشب مشمسةٌ يتوقفُ عندها القطّ الأرقطُ. يتدفأ. يتثاءبُ. صوتٌ بعيدٌ لسيارة أسعافٍ يتلاشى، والوقتُ يمرّ بطيئاً، الهواءُ ينضحُ برائحة النهر، وكلُّ شيء ملموسٌ من حولِي، حتى الفراغ.
ـ وهل يوجدُ فراغٌ في الكون، واللهُ على كرهِهِ العجيبِ للفراغ؟
قلتُ في نفسي، وكان كلُّ مليمترٍ من أرضِ البستانِ يجيبني، لأن فيهِ ما يُلغي فكرةَ الفراغِ من جذرِها: الشيح والأقحوان والحبق، البهار مبذولٌ هنا، والبقدونس، الحلفا والدنان والدخين والثيّل والحندقوق. الشوك والعاقول. الخبّاز. البربين.. الفراغُ تأكلُهُ الكلابُ الجائعة، تجمعُهُ النِمالُ، وتدفنُهُ في الأرض عميقا كي لا يراهُ أحدٌ. الكونُ ممتلئٌ حقاً، لأن اللهَ موجودٌ. أغلقتُ عينيّ. تنهّدْتُ. كنتُ أطفو فوقَ سحابٍ رقيقٍ. أهبطُ، أصعدُ، وخيطُ الشعورِ بالواقعِ الواهي لا يني يفلتُ مني. إنني في الرخام التليد الذي يتفتّحُ، أمضي… كانت الشمس احتجبتْ بالغيوم، والقطّ غادرَ، والكلاب. لا أحدَ معي، غير حشدٍ من الطيور يغرّد حولي. لكني بدأتُ أشعرُ بأن الله معي، أهجسُهُ فوقي وتحتي وفي كل مكان في الجوار، لكني لا أتصوّرُ أن يفهمَ هذا أحدٌ، لا أحد، لا…
أغمضتُ عيني، وأنا فوق السحاب، وكان الوقتُ يمرّ بطيئاً، أو أنه لا يمرُّ على الاطلاق. كان شيئاً يتكونُ في الفضاء من الدخان، يتبدّدُ، يتكون ويتبدّد. أشباحُ مراكب، وأشباح ركّابٍ. هل هم الملائكةُ؟ وكان يطنّ في أذني صوتٌ رتيبٌ منتظمُ الوقعِ. أهو حوارَ الملاكِ مع الملاك، غزلاً موزوناً مقفّى، مثلاً؟ كلامُ الله مع نفسِهِ، لأنهُ وحيدٌ؟ السماءُ صافيةٌ زرقاء رمادية. هذا الصفاء يشعرني بشيء من الحزن لم أجرّبه من قبل، يميتني. متُّ؟ لكنني حيٌّ، لا تزال أصابعي على صدغي، تمسكُ بفكري. أدركُ الآن أن العاديّ هنا غامض، والغامض عاديّ تماماً، السماءُ الجميلة هي أرضي، والأرضُ الفسيحةُ سمائي. دفعتُ سبابتي أبعدَ في صدغي، أدركتُ مدى تعبي من التفكير. هنا ضوءٌ، هناكَ ضوءٌ، هنالكَ السماءٌ سترتمي في لحظةٍ… ثمة لسعٌ في كتفي. ما هذا الذي أسمعه؟ أنصتُّ جيداً، وفتحتُ عيني، وعدتُ في لمحةٍ إلى الأرض، في مجلسي في البستانِ ذاتِهِ. لا شيء غيرَ هزيزِ الريحِ التي بدأتْ تهبُّ، تحرّكُ أغصانَ الشجر، تحملُ إنذاراً خفيفاً بالمطر. لحظات، وأحسستُ بأن شيئاً غريباً يحدثُ في المكان. كانتْ أقدامٌ تقتربُ، بطيئةً، خفيضة الوقع. تنفّسْتُ بعمقٍ لأهدأ. هل كنتُ أحلم؟ ليس عليّ سوى التوقف عن الارتجاف، وسوفَ أقابلُ اللهَ. أتُراهُ يألفُني، جلّ جلالُهُ؟ عليّ أن أقولَ بعدَ التحيةِ، شيئاً. شكراً، أو ربما لوماً وعتاباً وشكوى. كيف يكون الله بعيدا عن كلّ ما يجري في بلدي؟! ما زلتُ مغمضاً عينيّ، فكّرتُ: هل يمكن لي، أنا الذي عشتُ وحيداً، أن أألفَ اللهَ، أتُراهُ يألفُني، جلّ جلالُهُ؟ هرشتُ أسفلَ ذقني بشدةٍ، فكّرتُ ثانية: أيكونُ اللهُ على الأرض مثلَهُ في السماء، فوضويّ عندما تثور ثائرته ويهتاج، ثم يصفو مزاجه، ويهدأ، وينسى؟
أذكرُ أياماً من أربعين عاما مضتْ، آهٍ، يا حريةِ الشباب الأولى، آن التنزّه بالدراجة على الطريق المؤدي إلى مدينة «الكحلاء» آهٍ، يا سُكرَ السجائر الأولى، والحبّ الأول… صارَ التذكّرُ بيننا أغنيةً. دقيقةً فدقيقةٍ، بل لحظةً فلحظةٍ، وكانت تظهرُ على وجه صديقي أعمالُ القلب.
كانت الخطواتُ تقتربُ، وأنا مشغولٌ بهذه الفكرة، بهذا الجنون. الخطوةُ الأخيرة توقفتْ إلى الخلفِ مني، وكان لها ثقل غريب. جفَّ ريقي، ولم أتحرّكْ، وكانت ثمة رائحةً غريبة في الهواء. اللحظاتُ تضغطُ، حتى كأن عظامي من رهبتي تنثني، وجفنايّ كانا يرتجفُان، وعيناي مغمضتين، والقلبُ لا ينبضُ. خُيّلَ لي أني سمعتُ ضحكةً صغيرةً، وكلامُ منْ يكلّمُ نفسَهُ. لا شيء سيختفي لمجرد أنك تخشاه. قلتُ في نفسي: كنْ رجلاً وافتح عينيكَ وانظرْ الله، إنه الله الجامحُ. الشيطانُ لا يودّ رؤيتَهُ، لأنه شيطانٌ. أليسَ كذلك؟ ادعوه ما دمت صرتَ قريبا منه أن ينقذ بلادك وأهلك وشعبك! أوه، يا لروحي التي تضجّ بالرهبة من خالقها، من مسوّيها، من معدّلها… الصداقةُ التي تدوم أكثرَ من لحظةٍ صداقةٌ دائمةٌ. صادقِ اللهَ لحظةً. لحظةً، واطلب منه أن يعمّ بلدك السلام، وهو أمر ليس صعبا على قدرته جلّ وعلا! أمسكتُ كلّ قلبي بكلّ يديّ، وكان يغمرُ البستانَ صمتٌ مهيبٌ لا يكسرْهُ سوى تغريدِ الطيورِ مرةً، ومرةً همهماتِ السرخسِ. التفتُّ، ليأتِ اللهُ إليّ، أنا الغريقُ في وحدتي، في حزني وهمّي وآلامي، ليأتِ منْ يصعدَ بي من القاعِ الذي تردّى فيه كل شيء في وطني. فليأتِ، مرحى! بسْمَلْتُ، وكنتُ شجاعاً حقاً حين فتحتُ عيني، وكنتُ أنوي أن أبصرَ اللهَ الجامحَ الجبار القويّ، الوردُ في قميصهِ.
نظرتُ، وعرفتُهُ مباشرةً…
*«أنتَ محمد نجم نقدي، أليس كذلك؟» سألتُه، وكان صوتي واهناً، وكنتُ أراهُ بعيونِ قلبي ينظرُ إليّ صامتاً. «محمد نجم نقدي. أليس كذلك؟» أجابَ «نعم» وذابَ جوابُهُ في الصمتِ الذي يسكنُ حولي. شيخٌ بقبعةٍ وعصا، وكان يبدو حزيناً، ويدندنُ بأغنيةٍ. عَلَتِ الرياحُ، وكنا نسمعُ نواحَها بين الشجر. أيّ صدفةٍ! منذ كم من السنين لم نلتقِ، عشرا، أكثر، عشرين، ثلاثين، أكثر؟ تصافحنا، تمشّينا قليلاً، وجلسنا على عليّةٍ من الأرض قرب الشاطئ. الفراشاتُ كانت تموجُ صفراً مع الريح، والذكريات بيني وبين صديقي تنهض الآن.
أذكرُ أياماً من أربعين عاما مضتْ، آهٍ، يا حريةِ الشباب الأولى، آن التنزّه بالدراجة على الطريق المؤدي إلى مدينة «الكحلاء» آهٍ، يا سُكرَ السجائر الأولى، والحبّ الأول… صارَ التذكّرُ بيننا أغنيةً. دقيقةً فدقيقةٍ، بل لحظةً فلحظةٍ، وكانت تظهرُ على وجه صديقي أعمالُ القلب. ما هي؟ وبعد أقلّ من برهةٍ، كنتُ أرى الصبيّ «محمد» يجلس قربي دون عصا، دون نظّارة، دون كومةٍ من الديدانِ الضخمةِ كانتْ تسعى وتأكلُ قبل قليل وجهَهُ، وتُظهرهُ لي رجلا مسّنا، فإذا بأعمال القلب تعيدُ إليه فتوّته.. نظرتُ إلى ساعتي، كانت العاشرة وتسع دقائق بالضبط، حين اختلجتْ آخرُ دودةٍ من وجهِ صديقي، وغادرتْ. هذا بعضٌ مما أسمّيه «أعمال القلب» والكونُ ممتلئٌ بها، ودونها ربما تهاوى كل شيء فيه في لحظة. ثم دعوتُ صديقي للغداءِ، وكنا نسيرُ، والنرجسُ البريّ في طريقنا، وأسرابُ السنونو، والمطرُ. مطرٌ. في الصيف، وفي شهر آب اللهّاب؟! هو إذن تحية الله الصديق، وقد فعلت أعمالُ القلب فعلَها في فؤاده، جلّ جلاله وعلا، وعلا…
كاتب عراقي