أعمال العنف

حجم الخط
0

عزت القمحاوي

عنف المحسنينمن فعل الأمر ‘كن’ في البدء، إلى أوامر ماهر الأسد وحسين طنطاوي، لا خلق ولا إماتة إلا بالكلام. لابد من اللغة لكي تقتل، وعلى الرغم من أن الثوار في مصر قالوا ‘صمتكم يقتلنا’، ومن بعدهم قالها ثوار اليمن والآن يقولها السوريون، فإن الصمت لا يقتل وحده. الصمت لا يجرح عندما يكون ردا على صمت، لكنه يقتل عندما يكون ردا على كلام. وفي كل ثورات العرب كان صمت العالم في مواجهة قرارات القتل بمثابة قتل جديد للثوار.

والصمت الذي يعنيه الصامدون هو مجاز القعود والاستقالة من الفعل، فلا أحد يصمت هذه الأيام، كل الأطراف تتكلم وتكرر قتل الشهداء.

كل أنظمة الحكم خلقت لتتكلم، أي لتقتل. وليس صحيحا أن الصين وروسيا وإيران وحدها تقتل السوريين اليوم من خلال ‘لا مساس بالنظام’ المقتضبة في مجلس الأمن. العالم كله يقتل، حتى أصدقاء سورية يقتلون عندما يناشدون عصابة خارجة على كل القوانين والأعراف لكي تكمم أفواه مدافعها قليلاً لإيصال المساعدات الموصوفة بـ’الإنسانية’ إلى من لم يستشهدوا بعد في باب أو بابا عمرو. هي مساعدة بسيطة للنظام، إذ لا يصح أن يموت الأحياء من تلقاء أنفسهم جوعا وبردا ويحرموا النظام من إطلاق قذائف اشتراها وادخرها لهذا اليوم. عنف اللغةمنذ اللحظة الأولى لكل الثوارت تمارس الأنظمة عنف اللغة ضد المنتفضين، ولكنها تتعب بعد فترة مثلما يتعب الجلاد من تعذيب المعتقلين. توقف النظام السوري عن ترديد مقولة الممانعة، خاصة بعد أن انهمك بكل حواسه في القتل، لكن النظام الداهية كان قد ترك آلة الكلام دائرة في بيروت، البلد الذي عرف بؤس استبداد العسكر السوري سنوات طويلة، الآن يحمل وزر كثير من العملاء عديمي الضمير المتنكرين في صور رؤساء مراكز أبحاث يبررون القتل بلا حياء، مثلما برروا من قبل القتل في ليبيا وبشرونا بانتصار القذافي البطل.

ومع ذلك فالمشكلة الشنيعة ليست في النظام وعملائه تحدثوا أو صمتوا. المأساة في الطرف الثالث الذي يطيل قتل السوريين والمصريين واليمنيين.

مثلما يعرف المصريون ‘الطرف الثالث’ الذي تحدث به مبارك ويتحدث به عساكره في الحكم، يعرف حتى الطفل منا طرفا ليس خفيا اسمه إسرائيل. ولم نكن بحاجة إلى اكتشافات هيكل التي تأتي متأخرة دائما لكي نعرف أن كل الأنظمة العربية تعيش بفضل رضى الإسرائيليين، من لم يعش باتفاقات علنية يعيش بتفاهمات سرية، ومع ذلك يتيح الحليف للحليف امتياز أن يسميه ‘العدو’ وأن يتهم الثوار بأنهم هم العملاء. الطرف الثالث لا يتيح للأنظمة قتل شانئيها بلغتها فحسب؛ بل يلعب في عدادات لغة العالم ويعيد تصفيرها كلما تقدمت إلى الأمام. يحتاج الأمر إلى دراسة بحثية ليس مكانها هذه الزاوية العابرة، لكي نكتشف كيف تتقهقر لغة العالم كلما تقدمت في وصف ما يجري. تكفي دراسة تصريحات المتحدثين الأمريكيين يوما بعد يوم وأسبوعا بعد آخر، لنرى كيف ترتد حرب الإبادة لتصبح مجرد اضطرابات في تصريح تال. عام أسود طويل على شعب يتعرض للإبادة، وكلما أوغل المجرمون في القتل تقهقرت لغة العالم، حتى أن مؤتمر أصدقاء سورية في تونس يتحدث عن ‘أعمال عنف’! عنف الكرامةكان حبيب العادلي وزير الداخلية الداهية شريك مبارك في القمع والقتل والمحاكمة الهزلية قد ارتضى للسلفيين قسمة عبيد عبس. لم يكن يدعوهم إلا للقتل أو الحبس. العسكر الذين أقاموا مبارك وقعدوا مكانه دعوهم للمنادمة؛ فأسسوا لهم أحزابا بالمخالفة للقانون أسفرت عن انتخابات أبطلتها المحكمة. وها هما حليفا المصحف والمصفحة يواصلان التعاون، يمكن أحدهما الآخر من رقاب المصريين.

وليس من جزاء للجميل إلا بالأجمل منه؛ لذا فوجئ المصريون بداعية تلفزيوني يصرخ طلبا للثأر من الأمريكيين الذين أهانوا هذه الكرامة المصرية، لأنهم يناقشون المعونة ويهددون بقطعها. ولا سبيل لهذا الثأر إلا بجمع حملة تبرعات يشارك فيها المصريون لجمع مبلغ المعونة والاستغناء عنها. وكان الشيخ واثقا من أن البسطاء ‘حتى أختي بائعة الفجل’ سوف تساهم. طبعا ‘أختي’ مجرد مجاز للغة منافقة رخوة، فليس من المعقول أن تكون لدى السلفي المليونير أخت مسكينة تبيع الفجل. ومثل الكذب الحلال يجوز النفاق إذا كان في الصالح العام. والصالح العام يقتضي أن تجامل اللحية بائعة الفجل وتشرفها بأخوتها، لكي تكون هذه الأخوة الزائفة معبرا للأخوة الحقيقية مع العسكر. ولكن بائعة الفجل وسائر المصريين تعبوا. من لم تدهسه المدرعات يدهسه الغلاء في ظل مرتبات وضعها تشكيل مبارك الإجرامي ولم يتغير بعد أن تولى عساكره الأمر وأناموه على المحفة. والأهم أن المصريين ـ من بائعة الفجل إلى باعة الذهب ـ يعرفون أن مناقشة المساعدات روتين سنوي في الإدارة الأمريكية، والتوتر الحالي المزعوم يشبه مهارشة المحبين؛ حيث يسمح نفاق اللغة بإظهار الحليف في صورة العدو كي يحظى بحب شعبه.

تبرعوا للاستغناء عن المعونة، هكذا أراد السلفي أن يجامل العسكري، لكنه لم يتعلم انضباط الجيش، فقد سبق الجندي قائده الذي لن يعلن استغناءه عن المعونة، وفي هذه الحالة لا أحد يعرف أين سيذهب ما سيتم جمعه باسم الكرامة!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية