تُشْرِك أعمال الفنان غازي إنعيم (فلسطيني أردني) الثابت والمتحرك، ضمن متوالية شَكْلية ولَوْنِيَّة يحكمها منطق رياضي شديد التلاؤم، مع ما تتخلله من مُخرجات وانزياحات مُعَقْلَنَة بدورها، إذ تخضع العناصر برِمَّتها إلى يقَظة بصرية تخدم مجموع العلاقات والتراكيب، في ما تعمل على تنسيق المُرْفقات الرمزية وتوزيعها بحَذر متناه («في انتظار فرس الغياب» غاليري «رؤى 32» في عمان، نوفمبر/ تشرين الثاني 2022).
نحن هنا بصدد طبيعة تصويرية تستخدم الأسْناد والخامات التشكيلية، بينما يقوم جوهر التصوير فيها على خلفية تقنية غْرافيكية تتوخى التّأليف الدَّقيق الذي لا يُسَطِّر معياره التواصلي إلّا باستنبات أناقة الشكل وصفاء اللون وما يَعْبُر بينهما من حِسّ شَفيف ينعكس على اللوحة، خاصة أن غازي إنعيم يمثل الاسم المعروف بتصاميمه الطِّباعِيَّة التي تعكس تَخَصُّصه في الملصقات الفنية التي أخضعها لأسلوبِيَّة مُعاصرة منذ ثمانينيات القرن العشرين، جاعلا منها وسائط تعبيرية تروم توطيد مسار توليدي لجمالية بصرية تدفع بالمُقاومة الثقافية الفلسطينية دون هوادة.

من ثمة، يقترح علينا هذه التوليفة التشكيلية العارِفَة التي تَسْتَنْبِت خصوصيتها الإبداعية ضمن وضعية مَرْئِيَّة تتقاسم صِبغتها وهويتها بين سِمات التصوير والغرافيك، التي تنسجم وتتماسك لتَفي بوحدة التشكيل دون أدنى تكَلُّف، في الوقت الذي تلعب فيه المهارة الحِرَفية لصالح المشهدية المْشْبَعة بصُور الحِسّ والتَّخْييل. فإذا كان فِعل التصوير يروم تعزيز طبيعة التَّعْبير من جهة، فإن فعل التصميم (الغرافيكي) يتوخى مُضاعفة طبيعة التبليغ من جهة أخرى؛ فمن هذا المنظور نَتَلَمَّس كيف تجعلنا اللوحات قريبين من عوالم الفنان الداخلية، وفي حالة استقبال قصوى لرسائله، أو ما يمكن أن نحسبه في خانة التوصيل والإبانة والإبلاغ، في الحال الذي نتفاعل فيه مع أشكاله الدّالَّة، المَقْروءَة بوضوح داخل كل سياق تكويني على حِدة، وهي المُؤهِّلات الفنية التي يمتاز بها المُلصق، الذي يعتبره غازي إنعيم نمط الفن الذي «يحمل خصوصياته من خلال العلامة الرمزية المألوفَة والقريبة من ذاكرة المتلقي لأنها رغم كثافتها، استطاعت اختصار مجاز المعنى واحتواء المضمون والمفاهيم مع التصور الكافي لطرح ذاته، ما خلق نوعا من التناغم بين الطباعة والنشر والإعلان والتوزيع، لأن التواصل بالملصق كان يبعث رسائل ويقدم عبارات ويطرح ثقافة وطن بكل ذاكرته».
لا يمكن فصل الأعمال عن موضوع «الذاكرة» بوصفها مَنْبَع الحوافز والانفعالات وصُوَر الانتماء؛ صُوَر البيئة الأردنية حيث يعيش، وصور مسقط الرأس ومدينة القدس الشريف، المُتَوَّجَة بالأصول، ولذلك، يختار الفنان العلامات والتكوينات الأيْقونِيَّة بالعناية التي تسمح له بالتَّجَدُّر عميقا في تُربتها، ومن خلالها يعمل على ترتيب قاموسه الشكلي الدّال، الذي لا يتَخَلَّف في تَشْييدٍ مِعْماري مُزْدان بتزاويقه وعاداته وشخوصه، نساء ورجالا وأطفالا، فيما يسير في شحذ عوالمه البِنائية ضمن معادلة تؤلف بين حساب العقل وميزان الوِجْدان؛ ففي الوقت الذي قرر فيه تَوْليف الواجهات السَّكَنية بالمُسَطَّحات، أَوْجَد لهذا التركيب الثنائي الأبعاد العُمْق والمسافة عبر تراكُب المِساحات (الواجهات: كبير/ صغير، قريب/ بعيد) للتَّدْليل البصري على البُعد الثالث، بينما الأضواء والظلال تكمن في تَنْقِيَّة العواطف الكروماتيكية واللَّعِب على درجات صفائها وإشراقها، المتناغمة مع المربعات والمستطيلات الصغيرة (النوافذ والمداخل).

كل هذه الهياكل الهندسية وجزئياتها تدخل في مُحاورة بديعة مع باقي علامات النسيج الحضري (المساجد، المآذن، الكنائس، القباب، الأقواس) والزخارف والعناصر الطبيعية الأخرى (الأشجار، الزهور، الطيور، الخيول، الشمس، القمر) ضمن عملية إحياء وإعمار المدائن التي تترجم روح صانِعها بجلاء. إنها المَدائن النورانيَّة التي تكشف مفاتنها للرائي، فيما تشي بطبيعتها المُدَوْزَنَة على مقام الأمل المَوْصول بالعالم الذي يريده الفنان: يريده «عالما تسوده العدالة والحرية، عالما دون استعباد واستغلال، وأن يكون هذا العالم وطنا للجميع لا حدود له، ولا طوائف، ولا مذاهب، عالما خاليا من العسس والعسكر والسجون والحروب، وثرواته وخيراته توزع بعدالة على الجميع من أجل حياة كريمة تعود على التعليم والصحة والاقتصاد والفن والثقافة ونواحي الحياة كافة».
مقابل هذه النظرة التصويرية القائمة على البنائية الشكلية واللونية النَّقِيَّة، تجد الألوان الرمادية موقعها ضمن تعبيرية تنزح إلى اللَّون الترابي، كموقف يشير إلى الارتباط الأبدي بالأرض، فيما يتشَذَّر النَّبْر الواقعي في عدد من اللوحات التي عمل فيها الفنان على تذويب وتفكيك العناصر إلى حد التجريد، كأن غازي إنعيم يأمل هنا، إلى أن يوصلنا معه إلى عمق الذاكرة، حيث الصور والذكريات والوقائع والأحداث والسياقات التاريخية مَضْغوطَة للغاية، بينما تتداخل مُجْتَمِعَة وتتَمازج لتمنحه وضع مسطرة المهندس من وراء ظهره، في اتجاه إقحامنا وإياه في ضوئه الدينامي، الذي لا يحتفظ إلّا بِإيقاع الحركة (لمسات محددة) وبنُتَف العلامات والأيقونات كنُقط استدلال، تحيلنا على ما تَلَقَّته أبْصارُنا من حياة مُلَوَّنَة مُدَبَّجَة بحيوية مَدينِيَّة رائقة وباذِخَة.
فنان تشكيلي وناقد من المغرب