أغاني الواوا أح للكبار فقط .. وعودة الي موسم البلادة التلفزيونية

حجم الخط
0

أغاني الواوا أح للكبار فقط .. وعودة الي موسم البلادة التلفزيونية

د. عماد عبد الرازقأغاني الواوا أح للكبار فقط .. وعودة الي موسم البلادة التلفزيونيةسهراية مع مطربي الحمير والفجل والكرات.. بالبشاميل تحسر الشاعر الشهير عبد الرحمن الأبنودي علي ما آلت إليه احوال الشعر الغنائي وشعراء العامية في القرن الواحد والعشرين، في حوار طويل عبر برنامج فضائي مصري أجرته معه واحدة من مذيعات طق الحنك المغرمات بتلاوة معلقات المديح علي أعتاب الضيوف والتعليق بانبهار وافتخار علي كل شاردة وواردة تند عن النجم الجميل أو النجمة المحبوبة المتألقة اللي كلكم بتحبوها وبتموتوا في دباديبها.. أي والله العظيم صدقوني.. الشيء الوحيد الذي يغتفر للبرنامج أنه أتاح الفرصة للضيف من آن لآخر أن يدغدغ ذاكرتنا بقراءة بعض من قصائده التي تغني بها نجوم ونجمات أمثال عبد الحليم حافظ وشادية مثل غاب القمر يابن عمي يلا روحني.. دي النسمة آخر الليل بتفوت وتجرحني . أوعلي لسان العندليب في مداواة جراح النكسة عدا النهار والمغربية جاية تتخفي ورا ضهر الشمس.. وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر.. وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها.. جانا نهار ماقدرش يدفع مهرها.. . عاب الأبنودي علي الشعراء الجدد الذين زعموا أنهم بلا اساتذة وراحوا يوغلون في التجريب ـ وبالأحري التخريب، والنتيجة كما يقول هو تراجع الكلمة أمام اللحن والإيقاعات التي باتت كلها تتشابه ويصعب التفريق بينها، وإن لم يخف إعجابه ببعض المواهب الجديدة. هذا التراجع ساهم فيه بقدر كبير صعود موضة الفيديو كليب، الذي أوشك أن يقضي علي فن الأغنية كما عرفناه في الشطر الأعظم من القرن العشرين بالضربة القاضية، فصارت الأغنية خبرة مرئية في المقام الأول قبل أن تكون سمعية أو جمالية، وبفضل موجة الفيديو كليب ـ وهذا ما لم يقله الأبنودي ـ تكاثرت أغاني التأوهات واستعراض النهود والأرداف وكل ما ينبغي علي أرضيات العرب وفضائيتهم إدراجه تحت مصنف جديد يحمل اسم أغاني الفراش وأن يستحدث نظام لترخيص (ليس من الرخص وإنما من اصدار التراخيص) هذه الأغاني علي طريقة الأفلام السينمائية فتكون هناك أغان للكبار فقط ، وأخري تشاهد بمصاحبة البالغين وثالثة تصنف للأطفال فقط ، وهكذا.. نعم لو قدر للأبنودي أن يشاهد النزر اليسير مما شاهدته بعد يومين فقط من عتابه الشاعري لربما تحول العتاب الي صراخ وعويل ولطم للخدود وإهالة التراب علي الرؤوس علي الطريقة الصعيدية الأصيلة. ولربما تراجع الأبنودي عن عتابه وأخذته الرأفة بشعراء العامية وفصحاء الأغنية في مواجهة طوفان اغاني الغنج والوحوحة مثل لاتلعب بالنار واوا أححححححححححححححححح ، أحدث تنويعة علي أغاني الواوا، الموجة التي اطلقتها هيفاء وهبي. فأين هذه التأححات والتأوهات من طقاطيق مطلع القرن الماضي مثل ارخي الستارة اللي في ريحنا.. لاحسن جيرانا تجرحنا ، والتي كانت تعتبر في زمانها غناء فاضحا قارحا . حتي أغاني الواوا والأح لم تصل بعد إلي مثقال ذرة من أحدث الابداعات أو أغاني النهيق ، بالمعني الحرفي للكلمة وبالصوت والصورة دون أدني مبالغة. تجليات أغاني النهيق هذه أسعدني الحظ بمتابعتها في برنامج علي فضائية إيه أر تي اسمه سهراية (لاحظوا الرقة والشاعرية في اختيار الأسماء.. ياسلام)، الذي استضافت فيه صاحبته (وصاحبة المحطة) صفاء أبو السعود، ثلة من الفنانين جمعهم العمل في فيلم واحد اسمه عليّ الطرب بالتلاتة ، وهذه ليست شتيمة جديدة في الشارع المصري كما قد يظن البعض. من بين ضيوف البرنامج كان هناك مخرج الفيلم ومنتجه وأبطاله المطربين، كما جرت العادة علي تسميتهم في مصر، حسن الصغير، وريكو، والراقصة دينا، والممثل المستشري في جميع القنوات والمسلسلات والبرامج، حجاج عبد العظيم. الطلة البهية للمطرب حسن الصغير كانت المفاجأة الكبري للبرنامج، فقد دلف الفنان الخفيف الظريف الي الاستديو مقتادا حمارا علي أنغام أحدث أغنياته الشعبية جدا جدا.. هذه بالتأكيد قفزة جديدة علي صعيد برامج تلفزيون الواقع مثل بيغ بروذر ، فهذا مطرب لا يكتفي بالتغزل في محاسن المحبوبة وسجاياها، بل يصطحبها معه حتي نري بأعيننا جمالها الفتان، وهو بهذا يذهب أيضا شوطا بعيدا في تحقيق التفاعل بين الفن والجمهور. يقول مطلع أغنية الحمار:باحبك يا حمار.. باعزك يا حمارولعلمك يا حمار.. دانا بازعل أوي.. لما حد يقولك ياحصان.وتمضي القصيدة الحميرية متغزلة في سمات الحمار وخصاله الحميدة أو (الحميرة) من قبيل: ياعم الحمير كلهم… يا أحلي الحمير كلها.. التي يفترض أننا نستوعبها علي أنها مجرد دعابة شعبية مواربة المقصودة بها الحبيبة الغالية بالطبع (او الحبيب، فالله أعلم، والمعني في بطن الشاعر، او الحمار، لا فرق). طبعا لم يكن هذا أروع ما في السهراية فالمذيعة اللبيبة كانت في حالة يرثي لها من الانتشاء بهذه الصحبة الجميلة علي حد تعبيرها، وراحت تغدق عليهم الإطراء والمديح وكيف أنكم بتفرحوا الدنيا وبتسعدوا القلب وتبسطوا الناس وبتسعدوهم خالص خالص.. بعد فاصل الغناء الحميري، جاء الدور علي أغاني حشو البطون ليفاخر لنا الضيوف بأن فيلم علي الطرب بالتلاتة حافل بنماذج دسمة جدا منها مثل أغنية العيال البيئة الطحن (و بيئة تعني شخص من بيئة متواضعة وبالأحري منحطة، وهي من تنويعات لغة الشتائم في الشارع المصري). تقول الأغنية البيئة: إحنا العيال البيئة الطحن.. علي أي غرزة تلاقينا .. أو علي عربية فول بطحينةدماغنا دايما معلينا.. ومش مخليينها ناقصة شحنفين الفول فين الطعمية.. فين الفجل فين الكرات قرفتني ما تسيبني لوحدي ثم يردد الكورس بأصوات مرعبة:عايز أروح ماتروحش.. لازم أروح.. ماتروحش المخرج يفاخر بأنهم غنوا في الفيلم لكل أنواع الفاكهة، وأحيانا إرضاء لأذواق الجماهير المتنوعة، تضم الأغنية أنواع مختلفة من الفاكهة مثل أغنية ريكو: إحنا كلامنا ميه.. مفيش عندنا خمسين بلح بلح يابلمبح .. أوع حد يقبح كل يوم ترميللي منجاية.. أجي أكلها ألاقيها جوافيةهذه الأغاني يفترض بالطبع أن يحلي بيها الجمهور، أي أن يتناولها بعد وجبة شهية من … المكرونة مثلا التي تحظي بأغنية خاصة لها أيضا يقول مطلعها: فوقينا مكرونة.. وتحتينا مكرونة.. والطعم بشاميل. (أغاني فاتحة للشهية). المذيعة تجرأت أخيرا وسألت شلة الأنس من ضيوفها لماذا كل أغانيهم كوميدي كده يعني؟! فأجابها حسن الصغير أنه لا يخترع مثل هذه الأغاني بل يلتقطها من أفواه الناس، أو علي حد تعبيره أنا أول ما لاقي إفيه أخد الإفيه وأديه لمؤلف الأغاني اقوله إعملي أغنية علي الإفيه ده . ربما بعد أن يتأكد من جودة الصنف الذي يتعاطاه المؤلف؟! (ألإفيه في لغة المسرح Eect، يعني نكتة أو قفشة مسرحية، لكن المطرب الفذ يستخدمها هنا علي نحو عبقري خاص به لم نصل بعد الي فهمه).إزاي يعني؟ بسيطة، هذا مثال علي أغنية التقطتها إذن الفنان مرهف الحس يقول مطلعها: مش أي حاجة بيضة حلوة تبقي وزة.. ولا أي بنت لابسه كت تبقي موزة ولم يقف الصغير عند هذا الحد بل راح ينظر للأغنية الشعبية، ويقول إنه مغن شعبي لأنه يغني لكل الشعب، من سواق التاكسي والمكوجي والجزمجي والوزير والغفير وأستاذ الجامعة والدكتور والمهندس والضابط. يابلاش. وهو يضرب مثل بأحمد عدوية، الذي خلق مدرسة في الغناء الشعبي تجسدت في وجدان الشعب المصري وسار عليها من بعده كل المغنين الشعبيين، علي حد قوله.. (أو الشبعانين، من اصحاب أغاني الوز والمانجة والبلح والمكرونة بالبشاميل). وطوبي لهكذا وجدان شعبي يترنم بأغاني الحمير وغدا ربما سيغني للماعز والبقر والجاموس وسائر مملكة ذوات الأربع. انفض المولد.. وعادت ريما لعاداتها القديمة انقضي رمضان ومعه انقضي موسم التخمة التلفزيونية لتعود القنوات الفضائية والأرضية في طول العالم العربي وعرضه الي عهود الشح والفقر والبرامج البليدة والمسلسلات القديمة المكررة. يحدث هذا بمجرد انتهاء رمضان والعيد مباشرة وعلي نحو مفاجئ كمن اصابه انخفاض حاد ومفاجئ في ضغط الدم أو جاءته سكتة قلبية من حيث لا يدري فشحب لونه وهرب الدم من عروقه وبدا كمن يصارع سكرات الموت. ماذا تقول لنا هذه الظاهرة عن التلفزيونات العربية وبالأحري عن العباقرة والفلتات والأشاوس المسؤولين عنها؟ إنها ببساطة تفيد أنهم علي درجة لا يحسدون عليها من البلادة الذهنية، وتدني المهارات وشح المواهب في فنون الصنعة التلفزيونية بدءا من وضع خرائط البرامج وانتهاء بقواعد وآليات التسويق. فالهستيريا البرامجية والحمي المسلسلاتية التي تأخذ بخناق التلفزيونات وجماهيرها العربية في كل رمضان، تأتي كنتيجة مباشرة لكون هذا الشهر الفضيل يتميز بأكبر نسبة مشاهدة طوال العام. أي أن هذه الهبة الربانية تأتي لهم كهدية علي طبق من ذهب، وكل ما عليك كصاحب محطة أو دكان تلفزيوني أن تعرض بضاعتك خلال هذا الشهر وأنت ضامن مسبقا نسبة لا بأس بها من المشاهدة، تأتي بالطبع مشفوعة ومتبوعة بحصة لا بأس بها أيضا من الإعلانات. لذا فما من أحد يجد أن عليه أن يتجشم عناء جذب الجماهير وإبقائها أمام صناديق المشاهدة. فالجمهور قابع في منازله أمام صناديق الفرجة في معظم الأوقات بحكم الكسل أو العادة أو التخمة الغذائية أو حتي بحكم الصيام. وبنفس المنطق فإن جهدا أقل يبذل علي صعيد تجويد المواد التليفزيونية المبثوثة في ذلك الموسم والرقي بمستوياتها. ففي رمضان كل ما يظهر علي الشاشة.. ماشي وكما يقول المثل كله عند العرب صابون . وحين تنقضي هذه الهبة السماوية أو الدجاجة التي تبيض ذهبا لشهر واحد في العام، يتنفس التلفزيونيون الصعداء ويعودون الي تثاؤبهم علي مقاعدهم البليدة. التحدي الحقيقي يكون في محاولة شد انتباه المشاهدين في ايام البث العادية. هنا ينبغي ان تظهر مواهب خبراء التسويق ومصممي خرائط البرامج. لكن المتابع للقنوات والمحطات المتناسلة يكتشف أن هذه مسألة تحكمها العشوائية والتخبط وغالبا أمزجة اصحاب القنوات من اصحاب الفخامة والسمو والجلالة. ناقد من مصر يقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية