زهرة مرعي
أجمل ما تطالعنا به الجزيرة في هذه الآونة من ضمن فواصلها المولودة من رحم الثورة المصرية صوت وصورة الشاعر أحمد فؤاد نجم وهو يطلق أبياته الشهيرة وبصوته المعبر ‘صباح الخير على الورد اللي فتّح في جناين مصر…’. ويليه الفنان الموسيقي مصطفى سعيد وهو يعزف على عوده ويشدو ‘يا مصر هانت وبانت كلها كم يوم’. من خلال هذه الفواصل، وعبر متابعتنا لحراك الشارع المصري، وما قاله الوافدون بمئات الآلاف يوم الجمعة الماضي إلى ساحة الميدان نكتشف مدى إلتزام الشعب المصري برعاية ثورته والعناية بها حتى تصل إلى بر الأمان. والأهم من كل ذلك أن ينال كل فاسد وكل قاتل قصاصه العادل وبخاصة قتلة الثوار. حتى وإن ظهرت تباينات في مطالب الوافدين إلى الميدان في يوم الجمعة الذي أعاد جمع شمل كافة أطياف الشعب المصري، يبقى مهماً التركيز على الإصرار والتركيز الأول والأخير على المحاكمات التي سنشهدها هذا الأسبوع إلا إذا طرأ طارئ طبيعي أو مدبّر. فكما يبدو في سياق الأحداث وفي سياق التحضير النفسي المسبق والمخطط، هناك تعاون بين أكثر من جهة لعدم إحضار مبارك إلى المحكمة.
ففي تقرير للبي بي سي من داخل ميدان التحرير تركت الميكروفون للناس يعبرون عن مشاعرهم ومطالبهم. وتحت شعار: الشعب يريد محاكمة مبارك، أكد المتظاهرون والمعتصمون: ‘مش هنمشي إلاّ بمحاكمة وإعدام مبارك… لن نرضى بأي تمثيلية خلال المحاكمة.. هو مثّل علينا طول 30 سنة’. وفي الميدان كان الناس واضحين جداً. هم إتهموا المجلس العسكري بالتباطؤ في محاكمة القتلة المعروفين، لكنه قدّم وللمحاكمة العسكرية عشرات المتظاهرين.. في حين أن مبارك الذي كان حاكماً عسكرياً طوال 30 سنة سيحاكم مدنياً؟
هي وقائع وأحداث مثيرة للتعجب، ومن الطبيعي أن تكون مثار إستهجان وتعجب من الشعب المصري الذي وإن أعطى الكثير من الفرص للمجلس العسكري، يقف بالمرصاد ليحمي ثورته وليؤكد عدم تفريطه بدم الشهداء الذين سقطوا والذين حققوا اللحظة التاريخية بسقوط مبارك.
وفي حيثيات تقديم مبارك ومن كان حوله للمحاكمة هذا الأسبوع فقد تمّ إستباق هذا اليوم بالكثير من الشائعات المتقاطعة وجميعها يصب في إطار الحرب النفسية لتحضير الأجواء لعدم إحضار مبارك للمحاكمة. محاميه يطالعنا بأنه مُكتئب ويمتنع عن تناول الطعام.. ووزير الصحة المصري يقول أن صحته مستقرة. ندرك دون شك حجم الضغوط التي يتعرض لها المعنيون في مصر لعدم تقديم مبارك للمحاكمة دولياً وعربياً على وجه الخصوص. فكافة الحكام على مدى الحياة من الذين خلقهم الله وكسر قالبهم، ومنّ بهم نعمة لا تدرك أهميتها الشعوب العربية، يخشون لحظة مماثلة لكثرة ما في رقابهم من جرائم بحق الإنسانية. ولهذا هم يضغطون و’بالمونة’ التي يعتقدون أنهم قادرون على فرضها على المجلس العسكري على مدى الأيام لمنع إحضار ‘زميلهم’ حسني مبارك إلى قفص العدالة بتهمة القتل. ولأن ‘الشعب يريد محاكمة مبارك’ فإن الكثير من الحكام العرب يتمنون أن يسقط مبارك صريعاً بفعل عمره أو مرضه أو إكتئابه لا فرق قبل أن يصل إلى قاعة المحكمة التي حكم فيها على الكثير من معارضية في الـ30 سنة الماضية. لكن الله ينزل بالناس القصاص الذي يستحقونه.
وخلال متابعتي للشأن المصري على القنوات المصرية المتعددة لفتني نقل قناة دريم لمحاضرة حاشدة جداً عقدت في جامعة المنصورة الواقعة في محافظة الدقهلية وقدمها الإعلامي المصري أحمد مسلماني الذي يقدم على القناة نفسها في التاسعة من مساء كل يوم برنامج ‘الطبعة الأولى’. لافت فعلاً أن هذا الصحافي صار نجماً يجمع حشداً كبيراً جداً لم تتسع له القاعة. وهو ينال تصفيقاً حاراً على أفكاره التي تصب جميعها في صالح التأكيد على مبادئ الثورة المصرية. وخلاصة الكلام الهادئ جداً الذي قاله مسلماني للشباب المحتشد في جامعة المنصورة: الأمل وطنية واليأس خيانة.
صحيح: ‘يا مصر هانت وبانت’، إنما إحياء مطالب الثورة حتى تحقيقها بالكامل مساره أطول بكثير من الثورة نفسها. لذلك المطلوب هو الأمل والوعي. في القرن الأفريقي يموتون بصمتفي هذه الحياة التي نعيش هناك الكثير من وصمات العار على جبين الإنسانية وعلى رأسها التوزيع غير العادل للموارد البشرية. ففي القرن الأفريقي 11 مليون إنسان يموتون بالتدريج دون أن تترك هذه الواقعة كبير أثر في الحكومات والشعوب القادرة على المساعدة. فما يحدث في أفريقيا حالياً يصنف من ضمن فضائح ما يسمى المجتمع الدولي الذي سارع بين ليلة وضحاها لإعداد طائراته وأسطوله البحري بهدف شن حملة تأديبية على معمر القذافي ‘حماية للمدنيين’ كما تمّ الإدعاء، لكنه يقتلهم في كل يوم. هذا الغرب الذي تسلح بقرار دولي ودعم من جامعة عمرو موسى كان أسرع من البرق في البدء بقصف جوي لأهداف قيل أنها تابعة للقذافي، لكنه عجز عن تأمين 650 مليون دولار لإنقاذ جياع وعطشى القرن الأفريقي. من 650 مليون التي طلبتها الأمم المتحدة تلقت فقط مليونين ونصف المليون دولار. وعندما ندرك أن ثمن القصف الجوي ليوم واحد فوق طرابلس الغرب يساوي ملايين الدولارات، بالتأكيد سنكون في نقمة على هذا المجتمع الدولي الذي يسارع لتلبية متطلبات الموت، في حين يتباطأ ويتوانى عن تأمين متطلبات الحياة.
من بين الجياع في القرن الأفريقي صوماليون يتحدثون اللغة العربية وينتمون لجامعة الدول العربية. هم ثلاثة ملايين فقط لا غير. لو أراد عرب الخليج المكدسة أموالهم في المصارف الغربية لأغرقوهم بالماء والطعام فقط من بعض فوائد تلك الأموال. ليس هذا وحسب، بل لو أراد أثرياء النفط العربي لأطعموهم من بقايا موائدهم العامرة في شهر رمضان المبارك الذي نعيش أيامه.
في شهر رمضان هل سيشعر أو يتذكر الجالسون إلى الموائد العامرة في دولنا العربية أو حيث ينتشرون في المنتجعات الغربية، أن في الصومال يلفظ في كل يوم العديد من الأطفال أنفاسهم الاخيرة في الصحراء جوعاً وعطشاً وهم على أيدي أمهاتهم؟ هل ستذكرون تلك الصور التي تطالعنا عبر الفضائيات، والتي نلمس من خلالها حجم معاناة يعيشها الأطفال في لحظاتهم الأخيرة. هي معاناة تفوق قدرات أجسادهم التي صارت هياكل عظمية؟
بالأمس قرأنا أن وفداً من جامعة الدول العربية زار الصومال حاملاً المساعدات لشعبها. لكن لماذا لا تقوم الدول الخليجية بجسر جوي أو بري أو بحري يحمل الطعام للصومال، تماماً كما سارعت لمد البحرين بجسر عسكري في محاولة لإسكات معارضتها، حتى لا تلحق العدوى بأنظمتهم القمعية؟ ربما يكون هذا وعداً غير معلن قررت الدول العربية الغنية القيام به في رمضان وستتركه لنا مفاجأة.
في يوم الجمعة الماضي طالعتنا جريدة السفير اللبنانية بكاريكاتور لسعد حاجو يقول فيه جائع أفريقي نحيل لأوباما ‘بتاخد مجاعتي تسد فيها ديونك’؟ كم هو كريم هذا الجائع على هذا العالم العاجز عن توزيع موارده بعدل، عالم فقد إنسانيته وتبع جشعه.
عصابات الصهاينة في القدستناقلت القنوات التلفزيونية في هذا الأسبوع مشهداً مصوراً عبر الهاتف الخلوي يظهر إعتداء ما يعرفون باليهود المستعربين في فلسطين المحتلة على مجموعة من الأطفال الفلسطينيين في حي العمود في القدس المحتلة. توقفت السيارة قرب أربعة أطفال نزل من فيها واوسعوا الأطفال ضربا، ثم أجبروهم على دخول السيارة. لكن الأهم من هذه الصورة للمستعربين أن ما يسمى جيش الدفاع المتواجد قريباً من المكان سارع لتقديم النجدة لهؤلاء الذين ظهروا كما العصابات. وما لم تظهره لنا الكاميرات أن هؤلاء المستعربين خطفوا الطفل إسلام جابر إبن ال13 عاماً وأخذوه إلى المقبرة وأشبعوه ضرباً ليعترف بما لم يقم به وليعترف على رفاقه. ومع ذلك لم يفعل.
في القدس وفي غيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة تصلنا الصورة يومياً عن وحشية الصهاينة وتجاوزاتهم بحق الأطفال خاصة والشعب بشكل عام، إنما ليس للعالم أذن تسمع ولا عين ترى. وليس لجمعيات حقوق الإنسان من ساكن تحركه.
صحافية من لبنان[email protected]