سليم النجار’صديقي الموثق الكفين والقدمين في الغربصديقي الطيب القلبصديقي الصادق الكلمات والإحساس والفكرة يجيء النور من عينيك رغم السجن والبُعد يجيء كومضة الرعدويزرع شرقنا المكلوم بالإعصار والثورة’ خالد محادين.. يعدّ النص المفتوح فضاء رحباً مجدياً للتجريب الكتابي وبالذات الشعري. حيث وجد فيه الشعراء ضالتهم المحببة في ملاحقة الأجناس الأدبية مع بعضها ليتمخض عن هذا التلاقح نص يحتمل هول مراميهم للإحاطة بجبروت تقاليد الكتابة والقراءة السلفيتين على الدّوام، لما يملكه من خصوبة دائمة لإجراء تجاربهم الكتابية التي لا تركن إلى الثبات بل إلى التحول المتواصل من منطقة اشتغال إلى أخرى، بحثاً عن الكامن والمستتر فيما وراء القادم، وإعادة قراءة الفائت بآليات جديدة متحركة لا ثبات لها ولا ركون ولا انصياع للمصدات والموانع والقوانين والبداهات.ولا يمكن لشاعر مثل خالد محادين أن يضع أمامه رؤوى وأفكار هذا الناقد أو ذاك، أو أن يتبع خطى شاعر ما مهما علا شأنه أو ذاع صيته لدى الذائقة الخام.والشاعر خالد محادين هو واحد من الشعراء، الذين جالوا كثيراً في خارطة الشعر وخبر تضاريسها وعانى كثيراً من أهوالها، دون أن يفقد قدرته على التجريب المتواصل بحثاً عن الشعر لا غير. وراح يجرب ويجرب في مشغله الشعري بحثاً عن جوهر الشعر. فنظم قصيدته (أغنية إلى محمود درويش)، وما قصيدته هذه إلا مدخل واضح يؤشر انزياحاً رؤيوياً في مشغله الكتابي الموزع على مراحل حياته المريرة التي أثخنها ‘الآخرون’ الطارئون على حياته جراحاً وأسى، والمارون عنوة على جسد تطلعاته لما هو حلمي وشغيف، والذين يغيبون الوقت على ذاكره، كانوا يتسمعون غناءه، يحرسون سجيناً ملقى على القش، والذين دافعوا به للهروب إلى المنافي أو أقاصي الذبول. إذن هو بوح شاعر ـ عن ومن ونحو- التاريخ. عما جرى له ولأمثاله من المبدعين. ومنه ينهل الرموز والمناخات السحرية ولكن نحو كتابة تاريخ أخر، يستبطنه نص مشفر عبق بنفحات الموروث، لينبعث أسطورياً من جديد. وهو حلم يراود كل راء جاد لكتابة النص الأسطوري الذين ينطوي على أسرار خلوده. الريح مفتتح لغربة الشاعر، ومشهد مؤثر ومحفز لمخيلته كيما ينداح صوت الفائت بخفة وحيوية، لتفشي أسراره وتنهل منه في أن.[وأوراقي بكفِّ الريح ما زالتولم تخضر أغنية على شفتي سجّانُ]. ولا غريب سوى الشاعر الذي سيهلك في جسده. المكان هو الريح، الزمان قبل الفكرة… حيث ذكرياته عن صديقة محمود درويش الذي طردته حكمة القوة بالسيف.[تسطر في المدى فكرةوجرحي لم يزل أخضركأنا لم نكن يوماً بسفر المجد أسطورة].على الريح تبدأ غربة الشاعر مع دموع الفكرة المهجورة والصداقة، لتهيمن على المشهد موضوعة انتظار المصير. لم تصل الفكرة بعد، ولم يبق غير رحيل الذاكرة المحملة بعبق خيال الشرق الساحر والحكايا التي تستمد أجواءها من الأدب الشفاهي للذاكرة الشرقية. شاعر الحكمة والسجين وسلطة القمع مفردات تتكرر على مرّ التاريخ العربي. ما جرى له سبق وأن جرى لغيره من الشعراء بالذات أهل الزهد والتصوف وتحديداً الحلاّج [سأحمل حرفك الناري من بابٍ إلى بابِوأدعو كل أحبابيوأقرأ عبر سفر العقيد والسجان والثورة]. رحلة هروب الشاعر إلى سواحل الضياع. (وأن الليل لو طالت على الآفاق أنجمه.سيأتي حاملاً فجره). أية حرية يمنحها لنا النص أعلاه إذا ما غامرنا في تفكيك بناه التشفيرية؟ غير أن الوقت لا يسعف إلا للإشارة فقط والإشارة أيضاً إلى أن الشاعر نجح في إيصال رؤاه لهذا العالم عبر استعادة الفجر تاريخاً وشهوداً ووقائع وأمكنة ورموزاً ومناخات سحرية. وتمكن من إرغامنا على التطلع إلى رؤاه التي أنتجتها مخيلة عامرة بفراديس بوح غرستها سنون الاجتهاد والمثابرة لصالح مشروعه الشعري الحافل بالتحولات المدروسة والمخلصة للنص.ماذا يريد خالد محادين أن يقول؟ شئتم أم أبيتم… القصيدة ستطوق أعناقكم حتى تحترقوا بوجودها؟ لن تستطيعوا شجب القصيدة بمجرد إخفائها جزئياً أو كلياً؟ أنتم ترون القصيدة.. ترونها بوضوح شديد حتى لو رميتم بها داخل الأحرف المعتمة أو وراء الدهاليز المظلمة… أنتم فقط تتوجون هذه القصيدة بقدر ما تريدون إخفاءها. (قرأت قصيدك الفوار في ليل من الجذبوكان الشعر في بلدي نواحاً متعب الحرفوأنت هناك يا محمود تكتب دونما خوفتموج كغضبة الإعصار غرب النهر والجسروتكتب ألف أغنية).هذه الحقيقة يريد كشفها الشاعر خالد محادين دون زيف أو رتوش.هذه القصيدة تطرح كل المشاكل العربية دفعة واحدة.لكنها تطرحها أيضاً مشكلة الشاعر. كيف يمكن أن تعيش في عالم غربي، إذا كان لقبك شاعرا؟ على مدار القصيدة نلاحظ ‘هذا اللقب الثقيل’ يسبب له المتاعب إلى درجة أن الحياة تصبح صعبة وثقيلة الظّل. [ونكتب شعرنا الموزون يا محمود في ملجألأن الشعر في بلدي نواح لم يعد يقرأ].هل نستنتج من هذا النص منهج الشاعر، ومنطق خطابه الشعري، الذي لا يتوخى خلق التفاهم بقدر ما يستهدف إذكاء روح النقد وخلق سوء التفاهم أو إبرازه على الأقل؟إن النقد، من حيث إنه مقاوم يعمل ضد كل ما من شأنه أن يكرّس التطابق والوفاق والائتلاف والتقليد، تأكيد بأن كل تفاهم مفترض يخفي من ورائه سوء تفاهم أصليا. على هذا النحو فإن النص الشعري لا يرمي إلى أن يحقق الحد الأدنى من التفاهم، وإنما يهدف، على العكس من ذلك، أن يبين أن ما يقدم كنقاط التقاء قد يكون نقاط انفصال. هذا ما سعى إليه الشاعر خالد محادين، إذا اعتبر قصيدته ‘أغنية إلى محمود درويش’، مهمة الشعر أن تنقلنا من الانعزال نحو التوحد، ومن الاتصال الموهوم الذي تفرضه اليوم وسائل الاتصال، نحو التواصل الحق، فتأخذنا من فضاءات ‘التمدن’ بما يسودها من جواز زائف وانسجام قطعي وعزلة حقيقية ‘نرتبط فيها الجميع من غير أن نرتبط بأحد’، إلى فضاءات تدفعنا لن نعيش التفرد الأصيل وندخل في الحوار الواسع لا مع بعضنا البعض فحسب، وإنما مع ‘جوهر الأشياء كلها’ كي نتجاوز عصر التقنية الذي يحدد علائقنا فيما بيننا وعلاقتنا بالوجود، فكانت أغاني خالد محادين لمحمود درويش تعبيراً عن وجود إنساني أعمق وأشمل.