أغنية الشعر.. في عيده الكوني

حجم الخط
0

أغنية الشعر.. في عيده الكوني أغنية الشعر.. في عيده الكوني محمد رفيقعادت المناسباتية لتطفو على الأحداث مرة أخرى، عادت المؤسسات الثقافية، وعاد الكتاب ومعهم الشعراء بشكل خاص إلى الاحتفاء بالشعر وبيومه العالمي، لاشك أن العَوْدَ مَحْمُودٌ، لأن رذاذ الشعر في شهر مارس يضوع بين الأحضان ليحتفي بذاته الكونية. ويبرز صليل الكلمات التي تعطي للعالم معنى، لأن الحياة في أصلها أغنية، تغنيها الذات في تعالقها مع الحياة، وهي تسبر أغوار الذاكرة للانتصار للمعنى، والشعر نسغ الحياة واحتفاء بالإنسان، نضال من أجل الوجود، للتعبير عن القلق الوجودي، حيث الكينونة تتراءى في أبعادها المتعددة، والإبداعية تعانق الإنسان في سفر مع الشعر، حيث كل رحلة إلى عالم التخوم والألوان الرمادية، حيث ينتفي البياض والسواد، في برزخ روحي صوفي، يشع نورا وهو يخرج من المخاض، من علياء برزخه اللامترائي، حيث ملكة الإلهام تستمد مرجعياتها، من هناك حيث يأتي الشعر في كل لحظة يحتفي فيها الإنسان مع الحياة، عيد الشعر، عيد بأية حال عدت يا عيد، وترى هل فيه تجديد؟ لاشك أن هذا الرذاذ الذي تهب نسائمه هذه الأيام للاحتفال بالذاكرة الشعرية، في ماضيها وحاضرها عنوان لنفس الحياة، وآلية لقياس درجات المعنى وهو يحاور اللفظ في جسور الخيال، لإعطاء معنى للإنسان والحياة، فالأدب العربي بكل عناوينه الكبرى مند ولادة التراث فيما اصطلح عليه بالعصر الجاهلي، كانت البدايات وليس البداية، علامة كبرى للغة مائزة، تستنفر مادتها في الخيال الإبداعي مع الشعر، بل إن أصل الوجود العربي من هذا المنطلق كان شعرا، وكان الشاعر هو العلامة الأولى في حياة العشيرة والحلّ والارتحال، وكان صوت الأنا الجمعي في الحسب والنسب والحروب والأخبار وفي الانتجاع في جغرافيا المكان، وظلت للشعر سلطته الخاصة، في بنيان هذا الوجود، لذلك فنحن أحق وبشكل أكبر، في الاحتفال بعيد ينتصر للشعر والشعراء، ولغناء الكلم والكلمات، للأسف الكبير رغم ما عرفه هذا الجنس الأدبي من متابعة نقدية على مر العصور، ولعل التراكم النقدي في هذا المجال، يبرز القيمة الكبرى لفن الشعر، إلا أن واقع الحال يغاير للأسف ما كان مفترضا أن يكون، من خلال الاهتمام والحظوة المطلوبين في هذا الباب، في غياب الدعم في مجال النشر، فالكثير من الشعراء في العالم العربي، يغيبون عن الساحة لأن دواوينهم المخطوطة، يمتص عبقها الفني رفوف متآكلة، لأن المؤسسات الثقافية المعنية، لا تعطي لذلك أدنى أهمية، ويضطر البعض إلى طبع ديوان هنا أو هناك على نفقته، في نسخ محدودة قد لا تتجاوز حدود الفضاء الذي يشتغل فيه، وفي غياب أي تشجيع ينعكس ذلك على ضعف المقروئية بشكل عام، دون إغفال المقولات التي يتداولها البعض، عن كون العصر هو عصر الرواية بامتياز، وكأن الشعر ليس كتابة أو إبداعا.إن أغلب النقاد على مر تاريخ النقد العربي، سواء في بعديه النظري أو الذوقي، استحضروا مكانة الشعر ودوره في التعبير عن ذاتية الإنسان وواقعه، وقلقه اتجاه الوجود بشكل عام، وكانت نظرة هؤلاء إلى الشعر نظرة ثاقبة، تنمُّ عن الحسِّ النقدي الواعي، الذي يجمع بين العلمية والإبداعية في تحديد مفهوم الشهر، رغم أنه جسر من جسور الخيال، فأبو سلام الجمحي في كتابه ‘طبقات فحول الشعراء’ اعتبر الشعر صناعة، وأبدى اهتمامه الكبير بالشعر، في تصنيف الشعراء من منطلقات عدة، تنتصر للجودة والدربة والمراس والفنية العالية، كما أبا هلال العسكري خلق موازنة عجيبة في كتابه ‘الصناعتين’ حول صناعة الشعر والنثر، والأصمعي اختار أجمل القصائد بناء على الذوق الجمالي في كتابه ‘الأصمعيات’، ووازن الآمدي بين الطائيّيْن أبي تمام والبحتري في الشعرية والجودة العالية لفن القول، كل ذلك من أجل الانتصار للشعر وإبراز أهميته في حياة البشرية في تفاعلها مع الوجود .إن هذه الأمة تستحق أن يتم الاحتفاء بذاكرتها وأصولها الأولى في الإبداعية وعالم التخييل، من احتفاء بذاكرة الشعر والشعراء، قامات طويلة مثل المتنبي والمعري وأبي تمام والبحتري وأبي العتاهية وابن الرومي وغيرهم من الشعراء الكبار، الذين يستحقون الاحتفاء، لقد قال المعري في أدب الكلام والحوارتوخى بلطف القول رد مخالفإليك فكم طرف يسكن بالنقروقال المتنبي في السياق نفسه:أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي مَنْ به صمم أنام ملء جفوني عن شواردهاويسهر الخلق جرَّاها ويختصمشعراء آخرون من المعاصرين من أمثال بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وصلاح عبد الصبور، وقامات أخرى كانت معنا إلى الأمس القريب مثل محمد الماغوط والطوبي، والخمار الكنوني وعبد الله راجع، وهؤلاء وغيرهم كثير يستحقون الاحتفاء بهم لأنهم جزء من الذاكرة الشعرية العربية، بل إن الأحياء يستحقون أيضا ذلك، حتى لا يتحول الشعر إلى مجرد آلية مناسباتية، لا تتعدى أسبوعا نحاكي فيه العالم، ونقرأ فيه الشعر هنا وهناك من خلال مهرجانات وأمسيات، تحضرها الأسماء نفسها، وكل سنة هي التي تحتفل بعيد الشعر، ولا يتجاوز ذلك أياما، حتى نعود إلى الرتابة اليومية المعهودة، رغم أن الشعر هو جوهر الحياة وعنوان التحدي، بل إنه خصوبتها التي تعطيها معنى، وما وصل إليه الشعر مع قصيدة النثر الحديثة في فجائيته وتوهجه، دليل على اقتفاء الشعر، حيث يغازل اللفظ المعنى للتعبير عن الحياة في وتيرتها السريعة وطبيعتها المعقدة، دليل على أن الشعر خصب يشبه أمواه الوجود، وهو سيدة تنجب العالم والإنسان في كل اللحظات، بأغنية للرعاة اسمها الحياة، تلك أغنية الشعر على مر السنين، ليس فقط في عيده الكوني. كلما عانقت امرأةأديم الأرض،سقط قوس سهوامن دائرة الضوء..نثر الليل رمال الجراحأسدل الكفوشاح الماءوانداح الأثر..كالصباح الهاربيكسر ظلالالحزنيخاتل الخطومن صدى الذاكرة.*شاعر وكاتب من المغربqad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية