نواكشوط ـ «القدس العربي»: لا يقتصر طموح القارة الأفريقية على انتزاع الاستقلال السياسي من مستعمر أهلك الحرث والنسل فحسب، وإنما يتسع هذا الطموح ليشمل مجالات أخرى ما تزال القارة السمراء منزوعة السيادة فيها.
ومن أهم هذه المجالات اللقاحات، حيث تواجه القارة الأفريقية تحديا كبيرا يتعلق باعتمادها على الخارج في توفير حاجياتها من اللقاحات، وهو ما ظل، في آن واحد، يمثل شاغلا كبيرا لحكومات القارة منفردة، كما يشغلها مجمعة في إطار الاتحاد الأفريقي.
فعلى الرغم من أن أفريقيا تمثل حوالي 20 في المئة من سكان العالم، فإن صناعتها للقاحات توفر بالكاد 0.25 في المئة من العرض العالمي، ولا تزال القارة تعتمد بشكل كبير على مناطق أخرى من العالم لتلبية 99 في المئة من احتياجاتها.
ولحل هذا الإشكال الصحي الكبير، تم الأسبوع الماضي في باريس، على هامش منتدى السيادة والابتكار في مجال اللقاحات، وبالتعاون ما بين الاتحاد الأفريقي وتحالف اللقاحات الدولي GAVI إنشاء صندوق أفريقيا لتوفير اللقاحات «AVAT» لتوفير حاجة القارة من اللقاحات، وذلك في ضوء التحديات التي تواجهها في الحصول على اللقاحات بشكل كافٍ وفعال.
ويهدف هذا الصندوق في المقام الأول، إلى ضمان توفر اللقاحات في دول أفريقيا، وتقديمها بأسعار معقولة وشروط ملائمة، ما يعزز فرص حصول الفئات الأكثر احتياجًا عليها، بعد عقود طويلة من الحرمان.
ويعزز صندوق اللقاحات الأفريقي التعاون بين الدول الأعضاء في أفريقيا والشركات المصنعة للقاحات والمنظمات الدولية، ما يسهم في تحسين امكانية توفير اللقاحات بشكل شامل وفعال.
ومن خلال دعم اللقاحات، يساهم صندوق AVAT في الحد من انتشار الأمراض المعدية في أفريقيا وخارجها، ما يساعد في الحفاظ على الصحة العامة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي؛ كما يساهم الصندوق في بناء قدرات الدول الأعضاء على إدارة التحديات الصحية الخاصة بها، من خلال تعزيز البنية التحتية وتحسين النظم الصحية.
وبشكل عام، يعتبر إنشاء صندوق AVAT خطوة هامة نحو تحقيق العدالة الصحية العالمية وضمان الوصول العادل والمتساوي إلى اللقاحات في أفريقيا، ما يعزز الاستجابة الصحية والمرونة في مواجهة الأوبئة والأمراض المعدية.
ولا تزال أفريقيا تستورد ما يقرب من جميع لقاحاتها بأسعار باهظة بينما تستحوذ الدول الغنية على الجزء الأكبر من الإنتاج العالمي للقاحات؛ وقد ظهر هذا التفاوت جلياً بشكل خاص خلال جائحة كوفيد-19. واعترف موسى فقي محمد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، بأن أفريقيا بعيدة كل البعد من توفير حاجاتها في مجال اللقاحات؛ مضيفا «أن السيادة في مجال اللقاحات والصحة تُكتسب كما تُكتسب السيادة السياسية».
وأكد «أن الصندوق الأفريقي لتصنيع اللقاحات، الذي من المقرر أن يحصل على مليار دولار عبر تحالف اللقاحات الدولي GAVI ليس سوى خطوة أولى في مسار رفع التحدي المتعلق بتوفير اللقاحات، وأنه على دول القارة أن تحل العديد من المشاكل القانونية والتقنية أيضًا».
هذا، وأعلن منتدى السيادة والابتكار في مجال اللقاحات «أن أولويته ستكون تجهيز أفريقيا بمصانع لتصنيع لقاحات ضد الكوليرا، بعد أن لوحظ تزايد حالات الإصابة بهذا الوباء في عدة مناطق من القارة».
وأكدت جان كاسيا، مديرة مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الاتحاد الأفريقي، «يجب أن تتمكن أفريقيا من تصنيع اللقاح المحصن من الكوليرا على أراضيها، بعد تسجيل 5000 وفاة بسبب الكوليرا خلال السنتين الأخيرتين».