شاحنة في ميناء شهيد بهشتي الإيراني تحمل صادرات أفغانية إلى الهند
جنيف/كابول – رويترز: فر عبد الصبور من شظف العيش والاضطرابات في أفغانستان قبل ثلاثة أعوام مع زوجته وأطفاله الثلاثة، وعثر على عمل في إيران المجاورة. لكنه لم يلبث أن عاد إلى ديـاره، عـلى الرغم من أن الحياة لم تشهد أي تحسن هناك.
كان الرجل يجني من عمله في متجر بقالة في مدينة أصفهان في وسط إيران نحو 280 دولارا في الشهر، وهو مبلغ يكفيه لإعالة أسرته. لكن قيمة الريال الإيراني هبطت العام الماضي وخفّض صاحب المتجر أجره عبد الصبور إلى ما يعادل أقل من 100 دولار شهريا.
وقال عبد الصبور (28 عاما) «الوضع الاقتصادي في إيران في غاية السوء. لقد انخفضت الأجور منذ العام الماضي والكثير من العائلات عادت إلى أفغانستان».
بدأ الأفغان في الانتقال إلى إيران بأعداد كبيرة بعد الغزو السوفييتي لبلادهم في عام 1979، واستمروا في الهجرة إلى هناك خلال عقود من الصراع بحثا عن فرص عمل. وساهمت الأموال التي كانوا يرسلونها إلى ذويهم في وطنهم في دعم الاقتصاد الأفغاني المتعثر. وفي عام 2017، كان هناك ما يتراوح بين 2.5 مليون وثلاثة ملايين أفغاني في إيران، وفقا لتقديرات الحكومة الإيرانية التي أوردتها الأمم المتحدة.
وقد ينخفض هذا الرقم إلى النصف بحلول نهاية العام الحالي. فقد قالت «المنظمة الدولية للهجرة» في يناير/كانون الثاني الماضي ان أكثر من 770 ألف أفغاني غادروا إيران العام الماضي مع هبوط قيمة العملة، وإن 570 ألفا آخرين من المتوقع أن يلحقوا بهم هذا العام.
ويتعرض الاقتصاد الإيراني لضغوط منذ أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض عقوبات على إيران العام الماضي بعد الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم في عام 2015 بين طهران وقوى عالمية.
وقال مسؤولون أمريكيون ان العقوبات تهدف إلى الضغط على إيران ودفعها إلى التفاوض بشأن برامج صواريخ وسياسات إقليمية يصفونها بالعدائية. لكن المنتقدين يقولون ان العقوبات تضر بالناس العاديين وتعزز وضع الحكام المتشددين.
وخسر الريال ما يقرب من 70 في المئة من قيمته العام الماضي قبل أن يتعافى قليلا، وهو ما أدى إلى تعطيل حركة التجارة الخارجية لإيران، وساهم في ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى أربعة أمثاله ليصل إلى نحـو 40 في المئـة في نوفـمبر/تشرين الثـاني. وأدت تقلبات العملة والاضطرابات الاقتصادية إلى اندلاع احتجاجات متفرقة في الشوارع منذ نهاية 2017.
وذكر تقرير «المنظمة الدولية للهجرة» في يناير/كانون الثاني أن القفزة الكبيرة في عدد الأفغان العائدين من إيران العام الماضي كانت «مدفوعة إلى حد كبير بالمشاكل السياسية والاقتصادية التي شهدتها إيران في الآونة الأخيرة، ومن بينها الانخفاض الكبير في قيمة العملة».
وقال سعيد ليلاز، وهو محلل سياسي وخبير اقتصادي يعيش في طهران، ان الأفغان يمتهنون عادة الأعمال الشاقة التي تحتاج لعمالة كثيفة في إيران، ومن شأن رحيلهم أن يزيد من تكاليف الإنتاج.
وعلى مدى العام الأخير، سعى الكثير من الأفغان في إيران للحصول على المشورة بشأن العودة إلى ديارهم من مكتب آية الله العظمى محقق كابولي، وهو زعيم ديني أفغاني بارز يعيش في مدينة قم الإيرانية المقدسة، وفقا لمسؤول في المكتب طلب عدم ذكر اسمه نظرا لحساسية المسألة.
وقال المسؤول «مع انهيار قيمة الريال، أصبح البقاء في إيران صعبا جدا على المهاجرين الأفغان. فهم يعيشون تحت ضغط».
اتبع نعيم (18 عاما) خطى اثنين من إخوته الأكبر سنا، وجاء إلى إيران من أفغانستان عندما كان عمره عشر سنوات فحسب، لكنه سرعان ما تمكن من العثور على عمل في قطاع البناء في طهران.
كان العمل منهكا بشكل كبير وواجهت عائلته الصعاب خلال مزاولة تلك المهنة، إذ فقد أحد أخوته أربعة أصابع في حادثة بناء في طهران.
غير أنه ثابر وتحمل كونه يستطيع في إيران كسب أموال أكثر مما يمكنه كسبها في أفغانستان، وتمكن في نهاية المطاف من العمل حارس عقار في مجمع سكني متعدد الطوابق في طهران.
وفي العام الماضي، وفي الوقت الذي بدأ فيه الوضع الاقتصادي بإيران في التدهور، قرر أحد إخوته الكبار العودة إلى هرات في غرب أفغانستان بعد أن وجد نفسه غير قادر على إعالة زوجته وأولاده الستة.
وقال نعيم «زوجة أخي وأولاده كانوا يشعرون بالجوع وهذه العملة لم تعد لها قيمة، لذلك عادوا (إلى أفغانستان)».
ولدى عودته إلى أفغانستان، بدأ هذا الأخ العمل في قطاع الزراعة وتمكن من فتح متجر صغير في هرات بالمال الذي جناه من العمل في إيران. وهو الآن يحث أخاه نعيم على العودة من إيران، وهي خطوة ينوي نعيم وما يقرب من 150 من أصدقائه وأفراد عائلته اتخاذها في غضون شهرين.
وقال نعيم «نحن نعمل ونعمل، لأجل ماذا؟ يجب أن نعود». لكنه قد يواجه مستقبلا ضبابيا فور عودته.
وتقول سارة كراغز، منسقة برامج «المنظمة الدولية للهجرة» في أفغانستان والتي تقيم في كابول «الفرص الاقتصادية في أفغانستان لم تعد موجودة. ليس الأمر أن هناك نقصا في الفرص في إيران وفرصا جديدة في أفغانستان. ففي الحقيقة، لا توجد فرص في أي من البلدين».
ولطالما سعى الأفغان إلى حياة أفضل في بلدان أخرى. وبالتالي فإن نقص فرص العمل في إيران قد يؤدي لزيادة أعداد الأشخاص الذين يحاولون التوجه غربا إلى أوروبا.
وقال تقرير لـ»المنظمة الدولية للهجرة» أوائل العام الحالي ان الهبوط الأخير في حجم التحويلات المالية من إيران يؤثر بالفعل على اقتصادات أقاليم هرات وبادغيس وغور في أفغانستان.
ويجني عبد الصبور الآن نحو 130 دولارا في الشهر بالعمل في مطعم في هرات. وقال «الحياة كانت أفضل كثيرا في إيران، ولكن منذ اندلاع الأزمة المالية، بات من الصعب البقاء، لذلك اضطررنا للعودة رغم كل المصاعب هنا». وأضاف «كنت محظوظا ووجدت وظيفة، لكن هناك آلافا آخرين عاطلون عن العمل».