أفغانستان ساحة صراع مفتوحة لتحقيق طموح إيران

نوري آل حمزة
حجم الخط
1

لا نقاش في اجتياح طالبان وسيطرتها على أفغانستان بدعم إيراني واضح، حيث سبق ومولت طهران حركة طالبان طيلة السنين الماضية، كما مولت لواء فاطميون الذي يتألف من محاربي قومية الهزارة الشيعية واستخدمت هؤلاء في حروبها في سوريا.
وحاولت إيران مساعدة طالبان في تمهيد الرأي العام العالمي لعودة هذا التنظيم إلى سدة الحكم حيث قال جواد ظريف أثناء زيارته الهند في حزيران/يونيو 2019 أن لا مستقبل لأفغانستان من دون طالبان. وأستطرد الدبلوماسي الإيراني أنه التقى بقيادات طالبان في العاصمة الروسية موسكو. كما طمأن ظريف نظيره الهندي بنفس الوقت باستخدام نفوذ إيران على طالبان بغية تسهيل معاملات التجار الهنود والحفاظ على الأقلية السيخية في أفغانستان.
وفتحت طهران أبوابها على طالبان وسمحت لهم بتأسيس مكاتب سياسية في مدينة زاهدان عاصمة إقليم بلوشستان إيران وكذلك في مدينة مشهد وطهران عاصمة البلاد. وخصصت لعوائل قيادات طالبان عشرين شقة سكنية في طهران وعشرين شقة في مشهد وكذلك مساكن في مدينة زاهدان، حسب مصادر إيرانية معارضة. وهكذا استقر العديد من قيادات طالبان في طهران ومدن حدودية أخرى. كما نعت طالبان مقتل قاسم سليماني ووصفته بـ «الشهيد».
وفي المقابل نرى أن سلوك إيران ينعكس اليوم بشكل سلبي عليها، حيث يرى المواطن الأفغانستاني أن سلوك طهران لا يختلف كثيرا عن سلوك إسلام أباد في أفغانستان، بل أكثر من ذلك خطورة حيث حاولت قوات القدس التابعة لحرس الثورة الإيراني، خلال السنوات الماضية أن تشعل فتيل الحرب ما بين طالبان والهزارة الشيعة كي تمهد لحضور حرس الثورة بثياب لواء فاطميون وبحجة حماية الشيعة الهزارة، هادفة إلى تمكين لواء فاطميون ودعمه في تشكيل دويلة شيعية تسيطر على مقدرات السياسة في أفغانستان، على شاكلة ما عملته مع الحوثي في اليمن، إلا أن مخططها فشل نتيجة عوامل عدة من ضمنها الهيمنة الطبيعية لأهل السنة وكثرتهم في البلاد.

طالبان الشريك المناسب لإيران

وبالرغم من صدامات إيران وطالبان في أكثر من محطة خلال العقدين الماضيين، إلا أن طهران قررت أن تكشف عن نقابها في أفغانستان وتتعامل مع طالبان من دون تحفظ. وإذا ما قرأنا سُلم أولويات السياسة الخارجية الإيرانية نرى أن طهران تقدم سياسة «الحفاظ على نظام ولي الفقيه على سدة الحكم» كأولى أولوياتها. إلى ذلك ترى طهران في طالبان الشريك المناسب الذي ممكن أن تحتويه عبر تأمين حاجات طالبان الاقتصادية وتكون له جسرا اقتصاديا بجانب الدول الأخرى الجارة لأفغانستان والتي ستتعامل مع طالبان لاحقًا، محاولة استنساخ تجربة تعامل الصين مع كوريا الشمالية أو تجربة تعامل تركيا مع قبرص الشمالية، أو خلق نموذج يتوافق وسياساتها كي تستخدم هذه القوة التقليدية، أي حركة طالبان، وتستخدم أرض أفغانستان لتوسيع مساحتها الأمنية، خاصة أن السيكولوجيا والنشأة السوسيولوجية لمعظم عناصر طالبان تتوافق لحد كبير مع تطلعات إيران في أمننة الأمور، أي صناعة أجواء بوليسية في أفغانستان تخدم مصالح طالبان ومصالح حكومة ولي الفقيه في طهران.
وتعرف إيران جيدًا أن لا نفوذ لها عقائديا على طالبان كما لدى باكستان من هيمنة على قبائل البشتون والسيطرة العقائدية، ولكن لا شك أن إيران مرتاحة إلى حد كبير بخروج أمريكا من أفغانستان، وكذلك عودة طالبان تساعد طهران في حلحلة المشاكل المائية فيما يتعلق بفتح مسار أنهار هريرود وهيرمند، وهما يدخلان من أرض أفغانستان إلى حدود إيران ويسقيان المدن الإيرانية في جنوب شرق البلاد، حيث تعاني إيران شحة المياه في مدنها الشرقية المطلة على حدود أفغانستان، خاصة بعد ما بنى الأفغان «سد كمال خان» على نهر هيرمند، وقال في وقتها أشرف غني الرئيس الهارب: الماء قبالة النفط وعلى إيران أن أرادت الماء أن تقدم لنا نفط مجانًا.

دولة هشة

ولكن لسد فراغ سيطرتها العقائدية على طالبان سمحت طهران لأحد زعماء أهل السنة والجماعة في إيران، المولوي عبد الحميد خطيب الجمعة لدى أهل السنة في مدينة زاهدان جنوب شرقي إيران، والذي إقليمه يعاني معاناة شديدة من شحة المياه، أن يهنأ حركة طالبان الأفغانستانية على «انتصارها الكبير» واصفًا إعلان «العفو العام» من قبل مسؤولي الحركة ووقوفهم على أبواب كابول ومنع إراقة الدماء في أفغانستان بأنه «جدير بالثناء».
إلى هذا أصبح من الواضح أن أحد الأسباب الرئيسية لدعم إيران لطالبان هو حاجة إيران لتدفق المياه عبر الحدود. والسبب الهام الآخر هو أن إيران تريد أن تجعل من أفغانستان دولة هشة أكثر مما كانت عليه في عهد أشرف غني حيث هشاشة الدولة الأفغانية تسمح لتمددها وسيطرتها على أرض أفغانستان وتمكين مواليها ومقارعة تركيا والدول السنية الأخرى هناك، بموازاة أمننة الأمور في هذا البلد.
وبما أن لدى إيران حضور في منطقة هلمند، وخاصة هلمند الأعلى، حيث تعيش قبائل عليزايي ونورزايي وغيرها، يعني هذا أن لديها السيطرة على سلسلة من قنوات السدود التي بنتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي، أي السيطرة على نهر هيرمند الذي يصب من أفغانستان نحو منطقة سيستان وبلوشستان في إيران ويسقي حوالي مليون شخص.
ويؤكد ضابط بريطاني كان مقيما في المنطقة ذاتها يدعى مايك مارتن في حديث مع نشرة «فورين بوليسي» أن دعم إيران للجماعات المسلحة داخل أفغانستان يختلف من المال إلى الأسلحة وتزويد طرق المخدرات، وأنه على مدار العقد الماضي على الأقل، كانت المياه مصلحة وطنية حيوية للحكومة الإيرانية. وبينما يزيد التوتر في أفغانستان عن أربعين عامًا، يؤكد مارتين حول خروج أمريكا من أفغانستان، أن الأمن القومي أولوية أمريكية وإلى ذلك غادرت الولايات المتحدة أفغانستان للتركيز على قضايا أخرى، مثل الصين على وجه الخصوص. ولقد توصلت الولايات المتحدة إلى استنتاج مفاده أنه لا ينبغي تخصيص المزيد من الموارد العسكرية والمالية لأفغانستان، حيث لم تعد أولوية للولايات المتحدة.
ويكمل مارتين أن أفغانستان أصبحت مركز القوة لدول مختلفة، وينهي حديثه أن هذه التوترات والحروب ستستمر خلال السنوات الثماني المقبلة على الأقل.
إن سير الأحداث في أفغانستان خلال العقود الخمسة الماضية ووضع البلد خلال هذه الأيام يؤكد أن البلاد ستبقى ساحة صراع واسعة، قد تحقق إيران منها مصالح أمنية، يستحيل تحقيقها في ظل تواجد حكومة وطنية رشيدة في كابول.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية