أفقرُ من ذرّة رملٍ

«مملكتي هي البستان مشتركا
هي الخبزُ الموزّعُ في المناقير»
كان الرسّامون الصينيون معتادين على الفاقة، وإذا ربح أحدهم المال من بيع لوحة أو هديّة من ملك، فإنه لا يرتاح له بال حتى يوزّع نقوده على أصدقائه ويبذّرها سريعا، ثم يعود إلى حالة الفقر التي تطمئن إليها نفسه. هو نوع من التّقشّف الذي يجمع روح الفنّ إلى جوهر الدين، فيوصف الأول بصفات الثاني، ويقال عن الشاعر إنه عاش منقطعا إلى عمله مثل راهب، وإنه كان عفيف اللّسان واليد مثل قدّيس، وكان رجال الدين المسيحيون يسيرون في الماضي على خطى السيّد المسيح، فلا يمتلكون شيئا من حاجات المعيشة يكون خاصّتهم. وللفنانين عموما رؤية تكاد تكون مشابهة، فهم لا يحبّذون جمع المال في سبيل الثّراء، وهو وسيلتهم للعيش الكفاف لا غير، كي يكونوا أقرب إلى عامّة الناس الفقراء – يدعوها جورج أورويل، عامة الناس العظيمة – وقد احتجّ بيكاسو عندما كان ينهمر عليه المال من بيع لوحاته ووصفه صحافيّ بأنه صار أحد أثرياء عصره، اعترض الفنان قائلا، إنه ليس ذا غنى، إنما هو فقير بنقود كثيرة.
كان سعدي يوسف يسير وحيدا في أحد ضواحي لندن ليلةَ عيد الميلاد، واستوقفته امرأة. سألته إن كان غريبا، وهل لديه صديقة أو ولد يقضي اللّيلة معه، ويجيبها الشاعر بالنفي. قالت له:
– كُنْ عندي لتعرفَ أن مائدةَ الفقيرةِ خيرُ ما في الكونِ.
ويتردّد موضوع الفقر في قصائد الشّاعر في مختلف مراحل عمره، كأن هوىً منه أصاب وجدانه فصار يرى كمال المرء في قلّة ماله، وهذا الحال يعطيه قوة فريدة وألقا فريدا. الفقير هو َمثَل سعدي يوسف الأعلى، «الدنيا معلّقة بشفرة عشبة» ولا يحلّ هذه الشفرة غير الفقير. وكان الأمر ابتدأ بنشأة الشاعر الأولى، ثم اتّصل بانتمائه السياسي، فهو يصلّي ويقدّم «نذور الفقر والتنظيم» والصلاة والنذور تجعلان الأمر مقدّسا وفوق أرضيّ، لكن القداسة هنا خاصّة بالشعر ولا يستنّها أحد ولا يضحّي في سبيلها غير الشّاعر. إن متراس الفقير هو الفقرُ، يعطيه القوّة والقدرة على أن يعيش طلْقا خفيفَ الرّوح، وغنيّا وجميلا، ومُعجِزا: «ها هي ذي نبتة الصبّار. خشنة. شائكة. عنيدة. قطعة صخر في هيئة نبات. تتحمّل الصّهد والزّمهرير، ويسقط عليها الغبار والرّمل» يقول سعدي في مقال له، واصفا نفسه دون أن يصرّح بذلك، وتعيش هذه النبتة على الماء النَّزْر، بضع قطرات تكفيها عاما كاملا، لكنها تصنع، متمهلّةً، فعلها الخارق: «فجأة، وفي اللاّتصديق، كأن المرء يشهد بدء الخليقة، تندفع من بين الأشواك والخشونة زهرة بوقيّة في رقّة «الدانتيل» وفي صفاء لون لن يجده أحد في زهرة أخرى».
يقول ابن الرومي:
«وما الفقرُ عيباً ما تَجمَّلَ أهلُهُ … ولم يسألوا إلا مُداواةَ دائِهِ»
وكان سعدي يتجمّل بأدوات الفقير وحاجاته وثيابه، فهو يرتدي بدلة العامل زرقاء اللون في البيت، ويرقد في سريره وهي عليه، وينام مطمئنا سعيدا، بل إن حبّه للعامل يبلغ حدّ الغزل:
«لكأنّ وجهكِ في يدي سحابةٌ أولى
بياضُ منازل العمّال في سفح الجزائر…»
نشأ سعدي يوسف في عائلة فقيرة تسكن قرية تقع على ضفاف شطّ العرب، يعمل أفرادها في موسم جني التّمر في البساتين، وتسحقها الفاقة في بقية فصول السنة. تعرّف على الماركسية في الخمسينيات، وكان الشاعر بدر شاكر السيّاب هو الواسطة في انتمائه إلى الحزب الشيوعي العراقي، وأثّر هذا الفكر على طريقته في العيش وفي نظرته إلى الوجود، والأهمّ من ذلك هو الدّمغة التي طبعت شعره منذ ذلك الوقت.

هل ظلّ سعدي يوسف أمينا لفقره، فكرا وسلوكا وحركة؟ الجواب هو نعم كبيرة، والدّليل هو هذا الحبّ الأعمى لحالة الزّهد التي بقيت ملازمة له، رغم تغيّر الظّروف والمكان والزّمان.

يقول الشّاعر في حديث خاصّ إلى يوسف الصائغ منشور في كتابه «الشّعر الحرّ في العراق»: «صرتُ مؤمنا بالماركسية لحد التعصّب، وصرتُ مؤمنا بأني أستطيع أن ألتقط العنصر الحيّ في مجموعة ظواهر معقدة ومتضاربة، فأبرزه وأقدّمه… ولو بشكل لمحة». حبُّ الفقر والفقراء وعالمهم هو موضوع جماليّ إذن، وعقائديّ، وحياتي.
«أحبُّ موائدَ الفقراءِ
أمشي إلى أحيائهم، وأكونُ حُرّاً
ومنتشياً مع الفقراءِ…»
أكثر من 90٪ من العراقيين كانوا يعيشون في النصف الأول من القرن الماضي في الريف، وأكثر من 90٪ من هؤلاء كانوا يقاسون الجوع الذي لا يرحم، فهم يشدّون الحبال على بطونهم لأنه لا يوجد لديهم من طعام غير التّراب يأكلونه، وفي الشّتاء يحلّ ما يسمّى بـ»جوع الزّرزور» حيث تتجمّد بسبب البرد في لياليه الطّويلة السواقي ويشيب العشب، والنهر يصير أكثر من عدوّ، وعندما يسقط المطر يبتلّ الطّفل الشّاعر وعائلته بالمطر المتنزّل من سقف الكوخ، فإذا صحا الطفل من نومه لا يجد طعاما غير الطّين يستفّه، أو نواة ممصوصة، أو لا هذا ولا ذاك:
«أجوعُ حتى أعلكَ الأغصان \ حتى أعلك المطّاط \ حتى أعلك الثّوب الوحيد»
وأيّ شيء يُصنعُ من المطاط في الريف في ذلك الزمان؟ إن في هذه الحياة المريرة صورة واضحة وحقيقية للزمن الذي حكم فيه الملوك العراق الحديث، عندما كانت الحدود تنزل قاطعة ولها حدّ السيف بين أهل الريف المبتلين بالجوع والسقم والحياة الخشنة، والأغنياء من أهل المدينة المحصنين من البؤس والفاقة وضيق الحال:
«لفظتنا مدينة الأغنياء: \ الجربُ المحضُ نحنُ \ نحنُ الخراب…».
هل ظلّ سعدي يوسف أمينا لفقره، فكرا وسلوكا وحركة؟ الجواب هو نعم كبيرة، والدّليل هو هذا الحبّ الأعمى لحالة الزّهد التي بقيت ملازمة له، رغم تغيّر الظّروف والمكان والزّمان. تُغلقُ في وجه الفقير أبواب، وتُسدّ أمام وجهه وجوه: «كنتُ في باريس مفلسا تقريبا، متشردا فعلا، ولم أكن أعرف أين أبيت اللّيل، والفنادق، حتى رخيصها غال». وصل الشّاعر مدينة باريس وقد تجاوز الخمسينَ، وكان «أفقر من ذرّة رمل». ربما وجد المأوى الرّخيص، وأحيانا يقضي اللّيل كله في الشّارع: «أنامُ في جناحَي غرابٍ \ والسّعالي ضجيعتي \ ومن دميَ المسفوحِ لونُ الحوائطِ». وعندما ابتسم له الحظّ، سكن غرفة لا تتجاوز مساحتها مترين مربّعين، كتب فيها قصيدة «المسامير» الشهيرة: «سُلّمي مائةٌ أستريحُ بها في اللّهاث \ ومن بعدُ لي أربعونُ ستُبلغُني غرفةً في السّماء». وسوف تشهد غرفة المسامير والسماء هذه بداية جديدة في شعره، فقد طبعت أوروبا روحه برقّة انتقلت مباشرة إلى حروفه، واختلف ديوان «قصائد باريس، شجر إيثاكا» عن جميع ما كتبه في الماضي، وكلام النقد هذا يحتاج إلى مقال مستقلّ، ونعود إلى موضوع الفقر والنّصَب والشّظف الذي قاساه الشاعر:
«امرأة إسبانية متوحدة في الخمسين، تسكن في حجرة كبيرة رطبة ذات نافذة واحدة. «لويزيت» تغسل المناشف والفوط والصّدريات العائدة إلى محلّ الحلاقة الذي تملكه مدام «بيجوس» وتغسل كذلك كلب المدام القزم ذا اللّون البنّي. وكل يوم، في الساعة الثانية عشرة دائما، حين تأتي مدام بيجوس بالخبز، تفتح لويزيت باب حجرتها، وتنتظر بعينين قلقتين. كلّ يوم تمدّ مدام بيجوس يدها برغيف واحد شديد الإنضاج إلى لويزيت المنتظرة عند الباب».
هو مشهد من قصة «ذوو القبضات العالية» للشّاعر من مجموعته القصصية الوحيدة «نافذة في المنزل المغربي» ويمكننا القول إن سعدي يوسف قضى عمره وهو يتعلّم من كلّ تفصيل في حياة «لويزيت» ما يبدأ به القصيدة، وما ينتهي.
أخيرا، أنقل لكم ما أعدّه أقرب شِعر قاله الشّاعر إلى نفسي، وأحفظه عن ظهر قلب، وأعيده من وقت إلى آخر، بمناسبة وغير مناسبة، وكأنّه صار لازمة غنائيّة تجمع بين المنشد وجمهور المغنّين المنشدين:
«لي المنظر السّريّ/ لي ما تتركُ الشّفتان/ لي العظمُ الذي علكتهُ أنياب الكلابِ/ ولي الخرافة: أن ألامسَ ما تناءى/ أن يكون اللصّ جاري/ أن تكون سجارتي عيدا/ وأن أرِثَ المياهَ طليقةً من ألفِ جسرٍ…».
يعلن الشاعر هنا عن نسيانه كلّ ما مرّ به من إملاق وفقر وعوز، طالما كانت آلهة الشّعر تقف إلى جنبه، فهو يمدّ يده في أيّ وقت يشاء، ويمسك بالحقِ:
«لي الأصابع/ والمنابعُ في لهاثِ الجذرِ/…/…/…/ لي البيت العجيب»
يتنفّس الشّاعر في هذا البيت، الذي ربما كان مصطبة عامة، أو رصيفا، أو غرفة المسامير التي تبتعد عن الأرض بسلّم من مئة وأربعين درجة، يتفرّس الشّاعر في نوافذ بيته العجيب في الأفق المفتوح، ويمسك بجوهر الحياة الحقيقي، وهو الصّدق والنّزاهة، وأن يعيش المرء بضمير ناصع. حملت هذه القصيدة عنوانا صارما وصادما ودقيقا، وليس فيه غير مفردة واحدة هي «حقيقة».

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية