بعد أن قطعت حرب الخليج الأولى والثانية، السبل بهم، وأحالت مدافع وقنابل الحربين الأمريكيتين على بلادهم، بيوتهم ومصادر أرزاقهم، بل وحتى مدارس أبنائهم، إلى ركام، وجد الكثير من العراقيين أنفسهم في حالة رعب وضياع، وخاصة أن كلا الحربين قد خطفت أرواح أبنائهم أو آبائهم، الأمر الذي جعلهم في مواجهة الرعب المطبق والمحيق، ما اضطرهم للخروج من العراق للبحث عن ملجأ آمن، يحفظ للعوائل ما تبقى من حيوات أبنائها، وأيضا عن مصادر بديلة للرزق، بعد أن دمرت تينك الحربين أغلب البنى الاقتصادية والمعيشية للعراق.
وبحكم الجوار الجغرافي لتركيا، فرت أعداد كبيرة من العوائل العراقية إلى هذا البلد بحثا عن الأمان، وطبعا بموارد مالية شبه معدومة، الأمر الذي دفع تلك العوائل لطلب المساعدة من مفوضية اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، التي افتتحت لنفسها مقرا في عاصمة الجمهورية التركية أنقرة، من أجل تسوية أوضاع إقامتها بشكل قانوني، وأيضا من أجل الحصول على مساعدات مادية، تقيم بها أودها، والتي كانت الأمم المتحدة قد قامت باقتطاع مبالغها من عائدات النفط العراقي من أجل دعم اللاجئين العراقيين، منذ مطلع التسعينيات، عقب حرب الخليج الأولى، والذين توزعوا في دول الجوار العراقي، تركيا وسوريا والأردن.
فكيف يعيش هؤلاء اللاجئون اليوم في تركيا، وخاصة بعد أن تزايدت أعدادهم، عقب حرب احتلال العراق، وعقب الحرب الطائفية، في أعوام 2006 و2007 و2008 والتي ضاعفت أعدادهم بشكل كبير ولا فت للنظر بوجوده على الأراضي التركية؟
أزمة تتوالد
الدكتور عمر سعيد، دكتوراه في القانون الجنائي، وهو أحد اللاجئين المقيمين في مدينة جرم وسط تركيا يقول: إن مشكلة اللاجئين العراقيين في تركيا، هي فعلا أزمة متوالدة، بسبب تواصل تدفق اللاجئين إلى الأراضي التركية، ومن مختلف الجنسيات، وليس فقط العراقيين، وضعف إداء المفوضية وتراجعه، عما كان عليه في السنوات الأولى لدخول اللاجئين العراقيين إلى تركيا. معروف تماما، ومن تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء، الذي طبقته الأمم المتحدة في العراق، في سنوات الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق، عقب حرب الخليج الأولى، أن الأمم المتحدة بدأت باقتطاع أموال ضخمة من عائدات النفط من أجل دعم اللاجئين، ومساعدتهم على العيش في دول اللجوء التي استضافتهم، إلا أن هذا الدعم لم يكن بالمستوى المطلوب، وبما يؤمن حياة كريمة للاجئ العراقي، حيث إنه اقتصر على سلة غذائية بسيطة، لا تكفي أكثر من عشرة أيام في الشهر، مع مبلغ مالي رمزي، لا تتعدى قيمته مئة دولار، وأؤكد لك هنا، أن هذا الدعم كان يقتصر توزيعه على العوائل المنجبة فقط، ولا يشمل اللاجئين العزاب أو غير المتزوجين.
أما زينب علي فعرضت وجها آخر لمعاناة اللاجئين العراقيين، فقالت: إضافة إلى ضعف وهزال ما تقدمه المفوضية لنا من دعم، وخاصة بالنسبة للعوائل الكبيرة والتي أمضت سنوات طويلة في انتظار الترحيل إلى دول التوطين في أوروبا وكندا وأمريكا، فإننا نتحمل أعباء مضافة، من مثل تقييد حركة اللاجئ على الأراضي التركية، حيث أن مفوضية اللاجئين، وبالاتفاق مع الحكومة التركية، تفرض علينا الإقامة في مدينة محددة، بموجب كارت الإقامة “الكملك” الذي يجب أن نستخرجه من دائرة الهجرة “الأمنيات” مقابل ما يزيد على مئة دولار، والذي بموجبه يتحتم علينا البقاء في تلك المدينة، لأنهم يطالبوننا بالحضور إلى الأمنيات كل اسبوع للبصم وتأكيد عدم خروجنا من المدينة أو الانتقال منها، علما أنه لا يحق للاجئ السفر إلى مدينة أخرى من دون الحصول على إذن تحريري رسمي من الأمنيات، وعلينا الالتزام بمدته والعودة إلى المدينة قبل نفاد مدته، وكأننا في معسكر اعتقال فعلا أو نعاني نوعا من الإقامة الجبرية.
غياب إداء المفوضية
من المعروف أن مكتب مفوضية اللاجئين السامية، والذي افتتح في أنقرة، منذ مطلع التسعينيات، كان الغرض منه، بالدرجة الأولى، إعادة توطين طالبي اللجوء، إلى دول بديلة، وخاصة بالنسبة للعوائل التي لم يعد في مقدورها العودة إلى البلد الأم الذي نزحت منه، وقد استمر عمل مكتب المفوضية في الشأن حتى منتصف عام 2014 ولكنه توقف عن تحقيق هذا، مكتفيا بتزويد اللاجئين بكتاب رسمي موجه إلى الحكومة التركية، من أجل منحهم كارت الإقامة “الكملك” الذي يكون بمثابة شهادة إقامة رسمية للاجئ ويحميه من ملاحقة السلطات التركية. وفي هذا الخصوص يقول علي حسين، وهو مقيم في مدينة سامسون التركية “ها قد مضت على وجودي أنا وعائلتي خمس سنوات كاملة ولم تكلف نفسها مفوضية اللاجئين حتى الاتصال بي، فماذا أفعل أنا هنا؟ أنا لم آت إلى هنا للسياحة والتنزه، بل جئت طالبا إعادة توطيني في أحد البلاد الأوروبية، بعد أن صار من المستحيل عليّ العودة إلى العراق، بسبب قتل أحد أولادي بصورة غامضة وتهديدي بقتلي وقتل ولدي الآخر. إقامة خمس سنوات هنا استنفدت كل مدخراتي، كإيجارات للشقق وعلاجات في المستشفيات وللمعيشة، وخاصة أن تركيا قد عانت مؤخرا انخفاضا كبيرا في قيمة عملتها، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات. فلماذا تخلت المفوضية عنا يا ترى؟ ولم لا تفكر بزيادة دعمنا المادي، ونحن نعرف أن الأموال التي تتصرف بها هي مقتطعة من أموال النفط العراقي؟”.
واستكمالا لحديث علي حسين، أضافت جارته ندى.م متسائلة: لماذا تخلت مفوضية اللاجئين عنا وعن إداء واجبها تجاهنا؟ ليس من المعقول أن تصنع أمريكا وأوروبا الأزمات لبلداننا وتهجرنا منها ثم تتركنا لمصير مجهول هنا حيث الأفق مغلق تماما أمامي وأمام أولادي الصغار، فأنا لا أستطيع ادخالهم إلى المدارس الخاصة لتعليمهم، بسبب ارتفاع كلف الأقساط، وها هي مفوضية اللاجئين تركننا هنا لسنوات طويلة ولا تبحث لنا عن بلد توطين جديد يمكن أن يوفر لنا الرعاية الاجتماعية والتعليم لأولادي القصر. ألا تفكر المفوضية بأنها هكذا تحرم أولادنا من التعليم وهو أبسط حقوقهم؟
إعادة تفعيل المفوضية
من خلال استطلاع “القدس العربي” لآراء اللاجئين هنا، وأعدادهم الآن في تزايد مستمر، بسبب الوضع السياسي والأمني المضطربين في العراق، أجمع غالبية العراقيين على المطالبة بإعادة تفعيل دور مفوضية اللاجئين وإعادته إلى عمله السابق، لأنه في رأيهم، ومنذ عام 2014 قد تحول إلى مؤسسة معطلة أو خاملة، تستقبل طالب اللجوء بفتور، من أجل منحه ورقة القبول للعيش على الأراضي التركية لا أكثر، أو كما قال اللاجئ العراقي محمد مردان تمنحنا صك التخدر والبطالة المفتوحة، وفيما بعد كارت النوم المفتوح “الكملك” لسنوات طويلة، من دون أن تفكر أن تمنحنا الغطاء الدافئ لهذا النوم الطويل والمرهق، الذي يبدد أحلامنا بالخلاص والاستقرار، بدل حلم التوطين في بلد مستقر وآمن، يوفر لنا مستقبلا جديدا وأفقا مضاء لأولادنا، بعد أن عز عليهم على أرض وطننا المستباح، هذا الحلم الذي جئنا إلى هنا من أجل تحقيقه، لا من أجل النوم الأبدي ولوكه في اليقظة أكثر مما في النوم.