أفكار متقاطعة في متاهة من المرايا!

هذا النص هو أقرب إلى نصوص صغيرة، قد لا تكون صالحة للنشر وقد تحتاج إلى تكملة، لكنها تشبه الأفكار المتداخلة في رأسي، فكرة تقود إلى أخرى، وكلمة تنهي مقطعاً لتبدأ بآخر، هذا النص هو أشبه بمتاهة داخلية من المرايا.

مرايا

يقال إن ارتكاب المعاصي أكثر صعوبة، إذا وضعت مرآة في مواجهة الشخص، فنحن لا نخاف فقط من نظرة الآخرين، بل أكثر ما يخيفنا هو نظرتنا إلى أنفسنا.
فامنحني عينيك كي أتمرى وأتدرب على قبول عثراتي ونواقصي، فالحب وحده يجملنا ويعيد تشكيلنا، ولا تنسى أن تجعلني أكثر رشاقة وأقل هشاشة، واعطني بضع سنتيمترات أخرى كي أنظر إلى العالم من علٍ، ولا تجعلني أشبه أشجار الغابة، فأنا أخاف التكرار. ولا ترسم وجهي خالياً من العيوب، فالنساء الكاملات يعشقهن رجال بلا خيال، فاكمل نقصي بك، ودع روحي تتجلى في توأمها.

شعاب الروح

الجانب الخفي فينا، الذي نعجز عن شرحه، نسميه تجاوزاً الروح.. وهي مساحة مبهمة في دواخلنا، تأخذ شكل بيت أحياناً، أبوابه للغرباء، أما النوافذ فأكثر حناناً، وهي مشرعة دائماً على الصداقة والحب. وعندما يهطل الحزن مطراً في داخلنا، يسمونه دمعاً، وما هو إلا الروح في أعلى تجلياتها.

دموع عمو أحمد

البكاء يذكرني دائماً بعمو أحمد، هو ليس عمي لكنني اعتدت على مناداته بعمي.
لم يكن انتماؤه إلى العائلة بحكم الدم، بل بحكم العشرة والحب، وهو من نوعية الأشخاص الذين يقدمون خدماتهم للآخرين، ثم ينزوون في الركن، يراقبون بصمت ووفاء نجاحات الآخرين، كالكومبارس الذي قد ننسى وجوده أحياناً، لكن لا يكتمل المشهد إلا به. صحيح أن عمله لم يكن يدر عليه أرباحاً مادية، لكنه كان يتقن الأعمال الصغيرة التي تدر على القلب أرباحاً كثيرة، فقد يقود السيارة إلى صيدلية نائية كي يشتري أدوية القلب لجدتي، قد ينتظر ساعات طويلة لاستصدار إذن زيارة والدي في المعتقل، ليعود وينتظرنا في الخارج حتى انتهاء الزيارة، ينتقي بعناية شديدة الفاكهة والخضار للبيت، وكل مرة عندما يكسر البطيخ الأحمر، يردد عبارته الشهيرة:
حظي أسود في كل شيء، إلا في البطيخ فهو أبيض. لكن حظي معه كان أبيض دائماً، وكان بيننا سر خاص، فقد رأيت يوماً دموعه.
يومها اصطحبني إلى المدرسة في أول يوم دراسي، حينها بكيت ككل الأطفال، لكن بعد أن مضى أهالي الطلاب جميعهم، لم يغادر عمو أحمد، ولمحت من وراء النافذة دموعه. عرفت أنه كان يبكي عني ومن أجلي، وكنت أزداد بكاءً لشدة بكائه. صحيح إنني لم أقل له يوماً إنني رأيته يبكي، بكاءً لا يشبه بكاء الأطفال، لكننا فهمنا معاً معنى بكاء رجال يمتلكون قلوباً من الماس.

مثلث الرجال

المنحنيات أنثوية، وبيوتنا الشرقية دائرية، أفكارنا حلزونية، لكن الرجل بالنسبة لي مثلث، أضلاعه هي ذكاء، شجاعة وكرم. المثلث ربما لأنه خيمة حنونة في فضاء رحب، أما الأشكال الرباعية، ومهما انحنت برقة أضلاعها، تبقى زواياها حادة، وتحيل إلى زنزانة ضيقة مهما اتسعت.

السجن

السجن هو ساعات الانتظار الطويلة، طناجر الطعام المطبوخ بملح الشوق ليوم الزيارة، الكتب المكدسة عند الضابط للتفتيش، والوردة اليابسة المهربة بين صفحاتها. السجن هو أبي وباب أسود حديدي، وطفلة تخبط الباب بأقدامها ويديها، ويمر الزمن وهي هناك منسية أمام الباب ولا تكبر. السجن هو صرير الأقفال، ولا أبواب تفتح كي يخرج من الجحيم من تجرأ يوماً على الحلم.

الحلم

عتمة الصالة السينمائية لا تشبه عتمة غرف النوم، ولسنا نياماً ما دامت عيوننا مفتوحة، وما زلنا أحياء ما دمنا مبصرين. ومع ذلك الأفلام هي استعارة للأحلام، بعضها بنهايات سعيدة وبعضها كابوسية، أما أحلام اليقظة الأجمل فهي تلك الأفلام التي تجعلك لا تقوى على مغادرة الصالة، وكأنك بين الصحو والحلم، والموسيقى ما زالت تعزف في رأسك، وأنت تراقص البطل رقصة الحياة الأخيرة.

فلسفة الرقص

المجانين يرقصون لكن العقلاء لا يسمعون موسيقى جنونهم الداخلية، فالرقص حياة، ووحدهم الموتى لا يقدرون على الرقص. كتب الفيلسوف الألماني نيتشة: اليوم الذي لا نرقص فيه هو يوم ضائع، وكل حقيقة لا ترافقها ابتسامة هي باطلة.
ولعل الرقصة التي لا ترافقها ابتسامة هي رقصة زائفة أيضاً، فالرقص يمنح السعادة، وألف باء الرقص أن ترقص عضلات الوجه عندما تسري الموسيقى في الدم إلى النبع، حيث القلب. بالنسبة لي الرقص هو تفكيك للذات وامتلاء بكل أسباب الحياة، ولا أحتاج أكثر من موسيقى ومرآة تمنح المكان اتساعاً كاذباً، كي أشعر بأنني أمتلك العالم، والقلب صاف ولا ضغائن أحملها لأحد، فالرقص يحررني من كل الطاقة السلبية، وتصبح روحي خفيفة حد التحليق.
كتب نيتشة في مديح الرقص: من يريد الطيران عليه أن يتعلم الوقوف ثم المشي، ثم الجري والتسلق، وأخيراً الرقص. فالطيران وحده لا يكفي للتحليق.

الحب

الوقوع في الرقص هو تحليق، لكن الوقوع في الحب هو سقوط حر، ورغم كل الفراشات التي تطير داخل العاشق فلن يستطيع النجاة. قد تكون السماء للرقص، فالرقص صلاة، لكن الأزرق الكبير منذور للحب، فهو كالحب يجتاحنا بأمواجه، ويسبر أعماقنا، وبين الأزرقين مازال قلبي طافياً. الرقص أعطاني جناحي فراشة، لكن الحب علمني أن أسبح كسمكة في بحر هائج، وأتنفس تحت الماء ولا أغرق، فأنا اثق بالبحر منذ خطفني طفلة وأعادني حية، لم ينتبه حينها أحد إلى الدوار الذي أصابني، فقد خدعهم دوار البحر ولم ينتبهوا إلى دوار الحب. وفي النهاية كما أورثني الرقص ركبتين مجروحتين، أورثني الحب قلباً مكسوراً.

نهاية الحب

عندما يصمت اللسان ويتوقف الإلهام، وتصبح لمسة اليد باردة لا تحيي ولا تميت، عندها يضيق بساط الريح ولا يعود يتسع لعاشقين.عندها ينتهي الحب ويتساقط الورق الملون الذي يلف به العاشق إحساسه بالوحدة، فيرى فجأة عقدة حاجب المعشوق، تجاعيد عينه، والشعرة النابتة في غير مكانها، ولن يحصل في النهاية على الهدية المغلفة، بل سيسقط قلبه في بئر سحيق. ولن تكون التفاتة الوداع الأخيرة سوى قياس للمسافة اللازمة كي يمحى الظل وتبقى الذكرى، ولا تعود الحكاية بحاجة إلى نقطة النهاية، فكل النهايات قاسية وكل وداع هو موت صغير.

الموت الرحيم

الفلسفة لنفهم الموت، الدين لنتقبل الموت، والحب لنقاوم الموت. أنا أتمنى أن أموت محاطة بالحب ولا شيء سواه، ويد حنونة تسندني، وأنا أغادر بسلام هذا العالم إلى عالم أرحب. ولا رغبة لي مطلقاً في خوض معارك خاسرة مع الشيخوخة، فوجهي يتبع وجه عمتي، والخط أسفل عيني اليسرى يصل إلى عينها اليمنى، ويكفي أحياناً أن أقلب فنجانها لأعرف حظي. ولا سبيل لمقاومة الجاذبية الأرضية التي ستجذب وجوهنا نحوها في النهاية، إلا بالإبقاء على جاذبية الروح وصفاء الذهن. وهكذا، كل ما أحلم به هو أن أصبح امرأة مسنة لا تنسى أن تضع أحمر الشفاه الوردي عند الصباح، وهي تنسق الورود في غرفة المعيشة، والأحفاد يلعبون حول البحرة، والصحون مليئة بالماء للطيور التي باتت تؤنس شيخوختها.
وأتمنى ألا يمنعني قصر النظر من قراءة الكتب المؤجلة، التي ما زالت تعبق برائحة الورق، ولعل كل شيء سيغدو رقمياً حينها، بما فيه استقبال الأصدقاء الحقيقيين الموزعين في أرجاء العالم. وربما سيحاكي استقبالي رقمياً كل تفاصيل استقبال جدتي وأمي في الخميس الأول من كل شهر، لكنه سيبدو أشبه بكذبة ولن يزيد سوى الإحساس بالوحدة.

أمي

هي دفتر الطبخ، الذي سجلت فيه كل وصفاتها وأسرارها عندما تزوجت قبل ربع قرن، وما زلت أخطئ متعمدة في المعايير، كي أفتحه من جديد وأستعيد رائحتها.
هي مفتاح بيتها، الذي أنساه دائماً عندما أسافر، وكأنني سأعود بعد قليل، متجاوزة القارات والمحيطات التي باتت تفصلنا. وأمي أيضاً هي مكحلة النحاس التي ورثتها عنها، وكانت أشبه ببطاقة المرور إلى عالم الأنوثة، وأحملها معي في كل مكان، وعليّ دائماً أن أشرح لمفتشي الحقائب في المطارات أنها ليست سلاحاً قاتلاً، لكن حسام اللحظ قاتل في غمده، وما زال الغبار الأسود يتكدس في عيني ولا يصدأ. ودائماً في المسافة الفاصلة بيني وبين ابنتي، أجد أمي في قلقها وعباراتها التي أستعيدها مع ابنتي، وكأننا معها في تبادل للأدوار عبر الزمن.

الزمن

أنا المرأة التي تمتلك ساعات بعدد أيام الأسبوع، وبألوان قوس قزح، لكنها دائماً متأخرة. وكأن الحياة المتسارعة لا تنتظر بطئي الحركة، المصابين بهشاشة المشاعر. الوقت من ذهب، وأنا لا أمتلك ما أشتريه به.

خارج حيز الزمن

خارج حيز الزمن أعيش في عالم صاخب بالأسئلة والغياب. تساعدني الموسيقى كثيراً في تجاوز الوحدة، وكأنها حجتي كي لا أسمع صوتي الداخلي. لكنني سأختار المشهد المقبل صامتاً، حيث لا موسيقى في الخلفية ولا شاشة هاتف جوال تنتحل وجهي واسمي، وسأحاول التوقف حتى عن الكتابة، فلست قادرة دائماً على قراءة خطي، فسوء الفهم قد يبدأ بكلمة يقولها الآخر لك، لكنه أحياناً يبدأ بكلمة تقولها أنت لنفسك. ولست أرى أيضاً بعيني المجردة، فبيني وبين العالم نظارة تخدعني أحياناً بغباشة زجاجها، فأنظفها متناسية غباشة العالم من حولي، وأتساءل هل هو قصر النظر أو سعة التجربة، ما يجعلاني الآن أرى اسمي طويلاً رغم حروفه الثلاثة؟ أم هي حروف الأبجدية الكثيرة التي تتهجى بين الألف والياء.
اسمي الذي سيحرس غيابي يوماً ما على رخام أبيض، اسمي المتروك وحيداً في أسفل هذه الورقة.

كاتبة من سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية