كان لأفلاطون نظرته الخاصة حول القانون، حيث بنظره يجب أن يحاكي المثال في عالم الميتافيزيقى للوصول إلى القانون المثالي. وذكر في كتابه ‘الجمهورية’ أن القوانين يجب أن لا تدون لأن التدوين يتسم بالثبات والجمود ويقيد عقل الفيلسوف، وأصر على هذه الفكرة في مؤلفه ‘السياسي’، لكن في أواخر حياته وفي كتابه ‘القوانين’ تراجع عن فكرته وطالب بتدوين القواعد القانونية. كان التغيير بفكر افلاطون مرده، أن كلامه في البداية كان يُعنى بالمعرفة النظرية البحتة واكتشف بالتطبيق العملي والواقعي أن أفكاره لن تجدي عملياً، لذلك عدل عن فكرته وطالب بالتدوين.
يمكننا قياس ذلك على الصراع المسلح في سوريا، بعد أكثر من سنتين ونصف من القتال المسلح الذي اتصف بالعبثية وعدم التنظيم وانحراف واضح عن الهدف، وبعد الدمار الكبير للمدن وأعداد الشهداء الضخمة، ناهيك عن النزوح واللجوء، وما حصل مؤخراً في حمص من انسحاب المقاتلين المحاصَرين، وسيطرة النظام على المدينة القديمة، وما يحدث في الرقة من أقامة إمارة على أيدي الجهاديين، وما يحدث في درعا من محاكمات من قبل تنظيم القاعدة للسوريين المقاتلين والذين كانوا في يوم من الأيام على وفاق ووئام، وغيرها من الامثلة الكثيرة.
ألا يستطيع العقل السوري التيّقن بأن هذا الصراع المسلح غير ناجع وغير منتج وإنما مدمر، ويقلص احتمالية انتصار ثورتهم، ناهيك عن خسارة الرأي العام بتوصيفه لمقاتلي المعارضة بأبشع الصفات البشرية وغير البشرية، وتفوق النظام بهذه اللعبة العسكرية. وبعد هذا كله يستمر البعض على الرأي بأن إسقاط النظام لن يتم إلا بالقتال والسلاح الذي هو أصلا لا يملكه. ألا يساعد المثال السالف ذكره على التأكيد، إذا كان التطبيق غير ممكن فإن التراجع عنه وإيجاد طريقة أخرى هو نجاح بحد ذاته، ماذا يريد العقل السوري المعارض الذي يؤمن بالصراع المسلح أن يحدث حتى يتأكد بأنه صراع عبثي لا يفيد بل يضر.
على الجميع إعادة حساباتهم والتفكير بعقل لا بالعاطفة والغرائز لأن بعد ثلاث سنوات لا مجال للسوريين إلا أن يعملوا على التفكير العقلاني الذي ينجيهم من التهلكة التي أُغرِقوا بها، والعمل بأدواتهم لا انتظار الغيث غير الممطر .
محمد زيكار