لقد تحولت «إيباك» Aipacداخل الكونغرس الأمريكي إلى آلة إرهاب ضد كل من يحاول أن يقول كلمة حق لإيقاف الإبادة الجماعية في غزة، وكل من تسول له نفسه التجرؤ على ذلك، يكون كمن يوقع وثيقة انتحاره السياسي، إلى درجة أن النائب الأمريكي الديمقراطي مارك بوكان وصف الإيباك بالسرطان. فعن أي غرب ديمقراطي نتحدث؟
ميلاد النموذج:
ليس أدل على هزيمة جيش من الجيوش أن يباشر المعركة، وهو يسدد على غير الأهداف التي تعادله في القوة والعتاد، وإن كانت المقاومة الفلسطينية في غزة غير متكافئة لا في العدد ولا العدة التي يمتلكها العدو الصهيوني الغاصب، إلا أنها هي التي كان عليه مواجهتها، لا أن يختفي خلف جبنه ولا إنسانيته ويجعل من المباني والمدنيين العزل والصحافيين الشرفاء والأطفال الأبرياء هدفه.
أصبحت المقاومة في الميدان وفي الوعي وفي الذاكرة الإنسانية والعالمية بطلا من أبطال الإنسانية، رغما عن كل ما تدعيه عصابات الكيان الغاصب، التي لم يعد أمامها من شيء تقدر عليه سوى محاربة أشباح في وهمها العسكري، محاولة أن تثبت نصرا وهميا على المقاومة، ففي الوقت الذي كان المواطن المجاهد «غزاوي» يفجر «الميركافا» من المسافة صفر، كان الجندي الجبان الصهيوني يخوض معركة مع الجدران في مدرسة للأنوروا، حتى اطلق على ذلك أحد الإعلاميين معركة «ذات الحيطان» وكان آخر في مدرسة أخرى يصارع كتب الأطفال على رفوف كانت ستشهد عليه وعلى نظامه المجرم بالحقارة التاريخية واللاإنسانية المستمرة، لعنة على الصهاينة إلى يوم الدين.
تضيف عصابات الكيان الصهيوني الغاصب إلى سجلها الإجرامي واللاأخلاقي استهداف الصحافيين المحميين في الحروب بمقتضى المعاهدات والقانون الدولي، لكن أن لهذه الشرذمة الضالة والمجرمة، أن تحفظ عهدا أو ذمة في إنسان. لقد سددوا على وائل الدحدوح ومصوره سامر أبو دقة، أصيب الأول في ذراعه وفي جنبه، لكن لم يكن على لسانه وهو يدافع الألم سوى السؤال عن زميله الذي كان ينزف مرميا على الأرض تحت القصف، في تلك المدرسة التي صارت ملجأ للنازحين الغزاويين، لم تستطع قوات الإنقاذ إجلاءه من منطقة الخطر، فمكث فيها إلى أن استشهد، ومضى إلى ربه حاملا ظلم الصهاينة المجرمين والمطبعين المشاركين في الإجرام، وصمت العرب وأنظمة العالم أجمع.
ليس بأيدينا شيء نقدمه لإخوتنا في غزة وفي فلسطين الجريحة، سوى الدعاء لهم بالثبات والنصر وهم الأعلون، لأن القضية الأولى في صدورنا ليست «حالة» من حالات المواجهة العادية، تلك التي ربما تتقادم مع الزمن، إنها قضية مقدسة تتمثل في حضور متجدد في عقولنا ووجداننا، تتطلب منا في سبيل ديمومتها إلى أن تتحرر الأرض والإنسان وكل غالٍ ونفيس، وكذلك كانت في التاريخ منذ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إلى صلاح الدين الأيوبي، رحمه الله، إلى كل المجاهدين والمناضلين من أجل القضية في الداخل الفلسطيني وفي خارجه.
عن أي غرب نتحدث؟
عن أي غرب نتحدث؟ أهو غرب الأنوار، أم الحداثة، أم الديمقراطية، أم الحرية، العدالة أم المساواة، أم الاستعمار واستعباد الشعوب وانتهاك حرماتها والوقوف مع الظالم، عن أي غرب نتحدث؟ لقد أماط الهجوم البربري على غزة اللثام عن الوجه الحقيقي للغرب الاستعماري، حاضن وراعي الكيان الصهيوني الغاصب، إذ ما فتئ يساعده ويشجعه على «الإبادة الجماعية» التي يمارسها على أهالينا في غزة، للحفاظ على هذا الكيان الوظيفي الطفيلي، الذي يرعى مصالح الغرب الانتهازي، المسيطر والمستحوذ على مقدرات الشعوب. آن لنا، نحن المستضعفين أمام عنجهية الغرب، أن نعرف ونعي معنى أن يكون الغرب المهيمن هو «العالم» ونحن «بقية العالم» ليس لنا سوى خدمة هذا السيد، وفق رؤية نتشوية، حيث «السوبرمان» هو المسيطر والعارف والسائد، وغيره خِراف تساق إلى حتفها فداء له، تمد عنقها ليمتص دمها.
إن تجربة غزة تكشف بعمق عن هذا الغرب الذي جعل أمريكا تعلن منذ اليوم الأول لطوفان الأقصى، تحولها إلى يهودية/صهيونية ضمن دائرة الحضارة اليهودية المسيحية، على لسان وزير خارجيتها بلينكن، الذي أكد حضوره إلى الكيان الصهيوني كيهودي، لكن ما يمكن أن نستخلصه بوعي التاريخ أن «الاستعمار تلميذ غبي» كما قال الجنرال جياب.
الغرب يلعب دور «مصاص الدماء» VAMPIRE الذي لا يريد الحياة سوى له، ولا تهمه حياة الآخرين في شيء، لأن رؤيته قائمة على الجدل المستمر للسيد والعبد، فكلما حاول العبد أن يكتسب تجربة الحياة كسيد، إلا وينكشف مخطط الإبادة الذي ليس للغرب برنامج سواه كعنصر تأديب لمن يريد الخروج عن قانون الغاب الذي يديره «رامبو» القوي، حيث لا سلوك سوى التدخل لإنقاذ الرجل الأبيض المهيمن، و»جيري» الفأر الذكي، حيث لا مكان للحديث عن شرانية «جيري» مقابل خيرية «توم» الغبي، كما يشرح ذلك عبد الوهاب المسيري، فالمركزية الغربية لا تقارن بالخير والشر، وإنما بقوي ذكي بالضرورة وغبي ضعيف عليه أن يكون في الخدمة.
إن تجربة غزة تكشف بعمق عن هذا الغرب الذي جعل أمريكا تعلن منذ اليوم الأول لطوفان الأقصى، تحولها إلى يهودية/صهيونية ضمن دائرة الحضارة اليهودية المسيحية، على لسان وزير خارجيتها بلينكن، الذي أكد حضوره إلى الكيان الصهيوني كيهودي، لكن ما يمكن أن نستخلصه بوعي التاريخ أن «الاستعمار تلميذ غبي» كما قال الجنرال جياب، لأنه يعلم يقينا أن المظلوم إنما يدافع عن كيانه أرضا وشرفا وحرية، ويقدم في سبيل ذلك حياته، والظالم يدافع عن حياته للحفاظ على مكتسبات نهبه للشعوب المظلومة، تلك حكاية غزة التي سطرتها يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين واجه الضعيف عنجهية القوي بإرادته متحديا أسطورة «الميركافا» التي لا تقهر.
المواجهة.. فتية الطوفان واليهودي التائه:
فعلا يؤمن اليهودي المتصهين الذي أوثق الحبل السياسي بالحبل الديني، لإخراج مسرحية الدولة اليهودية من غيابات الوهم، يؤمن بأنه هو «شعب الله المختار» وغيره «غويم» أي في مرتبة الحيوان الذي عليه أن يسوي ظهره ليركبه من باركه الرب بالاختيار، وهذه الدونية التي يرى بها اليهودي غيره تنكشف عندما يرى نفسه في مرآة الواقع، إذ لكل إنسان انتماء، ولأن اليهودي تأسس تاريخيا عند حدود «الشتات» فشتات «المكان» أنتج في وعيه شتات «الهوية» لأن خطاب الوطن حينما تتردد نبضاته داخل الوعي الجمعي لأمة ما، إنما يشكل ذلك وجدان استمرارها في الوجود، فالمسلم الأمريكي أو الجزائري أو الموريتاني أو البلجيكي، يشعر بانتمائه الديني، لكن داخل بوتقة ينتمي إليها كما تنتمي إليه، فالرابط الديني لا ينازع الرابط الجغرافي في كيان المسلم أين ما كان وجوده، بينما ذات الرابط الديني ينازع الرابط الجغرافي في كيان «اليهودي التائه» لأنه وليد الشتات، والسرديات العقائدية التوراتية، لدى بعض المتدينين ومنهم «ناتوري كارتا» لا تؤمن بتاتا بالدولة اليهودية لأنهم يعتقدون أن لحظة ميلاد هذا التجمع السياسي هي ذات اللحظة التي تشهد نهاية اليهودي، وهذا ما لا يتحمله العقل الصهيوني، الذي يحمل في أعماقه كل الشر الفاوستي بشيطانياته متعددة الأوجه. هل بقي شك في لا إنسانية هؤلاء الصهاينة، وأقصد أوربييهم وأمريكييهم ومطبعيهم من الأعراب، الذين يرون أمامهم شعبا يباد بطريقة وحشية وجهنمية ولا يحرك ذلك شيئا من الإحساس فيهم، الذي يشعره أي إنسان؟ هذا القلق الذي تحدثه فراغات الجغرافيا في وعي اليهودي التائه، طور له تعويضا مماثلا، فالكثرة لا تعني التميز بينما القلة تعنيه، وقد تتبع مالك بن نبي، رحمه الله، في كتابه «المسألة اليهودية» وهو الجزء الثاني من كتاب «وجهة العالم الإسلامي» وتقريبا أنهاه في عام 1952 ولم ينشر إلا في عام 2012، ظاهرة اليهود في التاريخ العالمي منذ الدياسبورا، أي من الناحية التاريخية، فوجد أن اليهودي لا يمكن أن يتأسس كجذر في مجتمعات تتحصن بهويتها العريقة في التاريخ، كالفراعنة والبابليين والمسلمين بعد ذلك، لقد ازدهرت الثقافة اليهودية في ظل دولة الإسلام، لكن ذلك لم يؤثر في المسلمين لأن جدار الحصانة العقدية قوي بما يكفي لمنع هذه الجرثومة بأن تتوغل وتنشئ لها كيانا داخل الكيان الأم، فاتجه اليهود إلى الأمم الناشئة المنبتة الجذر في التاريخ، كأمريكا التي كانت تجمع عصاة ومجرمي أوروبا التي كانت تتخلص منهم في تلك الأراضي المستكشفة عن طريق الإبادة، إبادة الهنود الحمر السكان الأصليين، هناك وجد العقل الضال جادته وأنشأ مخططه الشامل لتدمير العالم، ظنا منه أن الأمر قد استتب له، إلى أن هزه زلزال السابع من أكتوبر الذي وضع الاستراتيجية الغربية برمتها، خصوصا الأمريكية أمام هشاشة وضعها، ليس في مواجهة جيش عرمرم مدجج، لكن أمام «فتية» آمنوا بربهم، محاصرين، لكنهم يملكون عقلا جبارا خلخل نقاط ارتكاز الحضارة الغربية من جديد، وربما يعيد ترتيب إحداثياتها بالنسبة لمنطق القوة الذي شكلته صواريخ «الياسين» وخطط «المسافة صفر» والتحول من «طفل الحجارة» إلى «فتى الطوفان».
كاتب جزائري