القاهرة-“القدس العربي”:لا يزال ملف أقباط مصر من الملفات الشائكة، التي تحمل قدراً كبيراً من المعاناة، فما بين عمليات القتل والتهجير أو الحشد الإجباري للتهليل والتسبيح بحمد السلطة السياسية، يعيش الأقباط في ظل دولة لا تؤمن بتطبيق القانون، وتنشغل السلطة الدينية في معاركها، سواء داخلياً أو خارجياً، وما الأقباط في جميع الأحوال إلا كبش فداء للقصور السياسي والأمني. قضايا كثيرة ينوء بها الملف القبطي المصري، هذه بعض من ملامحه.
في خدمة النظام
يبدو أن جميع المؤسسات في مصر تمارس العمل السياسي، حتى وإن لم يكن من اختصاصها، وعلى رأسها الأزهر والكنيسة، حيث إن النظام يوظفهما لخدمة مصالحه، هذا التوظيف الذي بلغ حداً غير مسبوق للكنيسة المصرية، التي لا تمتلك إلا شجب بعض التصرفات أو الدعاية والتهليل للنظام السياسي، على وعد دائم بتنفيذ مطالبها، وما يراه النظام ويفعله من تخبّط نجده في موقفه من الادعاء بمحاولة فصل الدين عن السياسة، والمتمثل في العبارة الجوفاء “تجديد الخطاب الديني” مقابل الاعتماد على تأييد الأقباط له حتى يجمّل وجهه خاصة أمام الغرب.
من العنف إلى التهجير والعكس
رغم مرور عدة أعوام على حكم السيسي إلا أن أحوال الأقباط تصاب بحالة من التدهور المستمر الذي صار غير معروف النهاية بعد وصول العنف ضدهم إلى مراحل غير مسبوقة، حتى صار ما كانوا يخشون وقوعه من تعرض لمصير الأقليات الأخرى نفسه، التي كانت في سوريا والعراق أمر واقع، ومروا بكل تفاصليه من تدمير للكنائس لقتل وذبح وحرق للأشخاص ونهب للممتلكات وصولاً إلى مرحلة التهجير القسري والنزوح الجماعي. وفي النهاية لن يحصل الأقباط تحت حكم السيسي إلا على المزيد من الخسائر المستمرة والمزيد من التخلي عنهم وتركهم فريسة في براثن الإرهاب حتى يبرر شرعية استمراره أمام العالم كمحارب للإرهاب على غير الحقيقة. أما قيادات الكنيسة فترى في ما يقدمه السيسي للأقباط مكسبا لم يكن في حسبانهم، فالرجل يمثل أكثر الرؤساء الذين حكموا مصر زيارة لكاتدرائيتهم، بل كان مشاركا في احتفالاتهم في أعياد القيامة طوال عدة سنوات، ويكفي أنه الرئيس الوحيد الذي زار المرقسية خمس مرات خلال ثلاث سنوات، لكسر جمود العلاقة بين الرئيس والكنيسة والتي كانت تخضع لحسابات معقدة خلال حكم السادات ومبارك ثم محمد مرسي، حتى وصفه الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة، وعضو المجمع المقدس بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بأنه الأفضل بين الرؤساء المصريين لحسن تعامله مع الأقباط ورأس الكنيسة، وتهنئه للمسيحيين وتعزيته في شهدائهم وهو ما يمثل لفتة جميلة لم تحدث من الرؤساء في العهود السابقة. ويظن البعض أن تهجير أقباط العريش إلى الإسماعيلية وغيرها من مدن القناة عمل طيب، لأنه يحمي أرواحهم من تهديد التكفيريين. وخطورة مثل هذا العمل هي بداية التهجير الداخلي لسكان سيناء حتى يتم تفريغها لمشاريع أخرى مجاورة. وفي الوقت نفسه يتم فيه الحديث عن تعمير سيناء وتنميتها بحيث تضم خمسة ملايين مواطن من الوادي المزدحم بالسكان!
في عُرف مَن؟
من المؤكد أن تنظيم “داعش” لم يكن الأول في إجبار المسيحيين في مصر على النزوح القسري، بل سبقه إلى ذلك جلسات الصلح العرفي التي كانت تجري عقب كل فتنة طائفية، وينتج عنها في الأغلب الحكم بتهجير الأقباط وذلك برعاية قوات الأمن التي تعرف بأمر الجلسات وتبلغ بالأحكام، هذا إذا لم يحضر ممثل لها الجلسة. وفي دراسة تحت عنوان “في عُرف مَن؟” رصدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الجلسات العرفية ودورها في انتهاك الحقوق الأساسية للطرف الأضعف في الخصومة، وكذلك دورها في النزاعات الطائفية ودور الأمن في تكريس الجلسات العرفية كبديل قبلي للنظام القضائي. ورصدت الدراسة أحكام الجلسات العرفية في 45 حالة اعتداء طائفي وكان حكم التهجير هو الأغلب. وقالت المبادرة المصرية في دراستها إن ضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن القيام بوظيفتها في حماية السلم الاجتماعي وحياة وممتلكات المواطنين يؤدي إلى لجوء قطاع من المواطنين إلى هذه الجلسات كأسلوب لحل النزاعات وتسوية الخلافات، خوفًا من تفاقمها وتداعياتها، خصوصًا في ظل مظاهر وأشكال التوتر الطائفي والديني المنتشرة في عديد من محافظات الجمهورية. وأضافت المبادرة، أن الأجهزة الأمنية لعبت أدواراً مختلفة، بداية من المشاركة الشرفية، ومروراً بعقد الجلسات بمقار أقسام الشرطة أو مديريات الأمن، انتهاءً بالرعاية الكاملة والمشاركة في صنع قرارات الجلسات. وفي بعض الجلسات صدرت قرارات مخالفة للقانون، تتضمن انتهاكات واضحة لحقوق الطرف الأضعف. فهناك أوجه للتشابه بين التهجير القسري لأسر العريش وبين التهجير الناتج عن الجلسات العرفية، أهمها هو عدم وجود بيئة آمنة للأقباط، ولكن الاختلاف يكمن في مصدر الخطر ودرجته، فالأول كان نوع الخطر استهداف الأقباط من قبل الجماعات الإرهابية وتعدد حالات القتل في فترة قصيرة، بينما في حالات الفتنة الطائفية والجلسات العرفية فالبيئة غير الآمنة متمثلة في العنف المجتمعي. (من تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية المعنون، من التهجير إلى العزلة).
واجب وطني
رغم تصريحات البابا تواضروس الذي أكد من خلالها مراراً أن “الدين والسياسة عندما يختلطان يتسببان في فساد أي نظام دولة، لذا لضمان نجاح أي دولة عليها فصل الدين عن السياسة”، إلا أن تناسي هذه التصريحات منذ أولى زيارات السيسي الخارجية وإرسال رجال من أساقفة المجمع المقدس لتوعية أقباط المهجر بأهمية الحشد للرئيس ومهاجمة جماعة الإخوان في عظتهم على أحد المنابر في الولايات المتحدة، وهو ما يتنافى مع تصريح البابا معللاُ ذلك بقوله إنه “دور الكنيسة الوطني”. ويبدو أن مؤسسة الرئاسة تعتمد اعتماداً كلياً على الكنيسة في الحشد لها خارجياً لاستقبال السيسي في شتى زياراته الخارجية والاعتماد على خطابات المكلفين من البابا بالحشد أمام مقر لقاءاته المختلفة، والكنيسة بهذا الشكل تحوّل نفسها إلى حزب سياسي، بشأن ما أعلنته الكنيسة رسميًا عن قيامها بكل ما في إمكانها لإنجاح هذه الزيارة. فما يحدث يعد جرماً في حق الأقباط، حيث تتعامل الدولة مع الكنيسة على طريقة (هات وخد) فإصدار قانون بناء الكنائس على سبيل المثال، لا بد وأن يكون في مقابله شيء آخر.
أزهى العصور القبطية
“البابا زارني فى أسيوط وكلمني عن الزيارة، وقال لي تعالى أعمل شغلك … اللي بيحب أهله في مصر يستقبل معنا الرئيس عبد الفتاح السيسي. وقد جئت متحدثاً باسم البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية، وليس تطوعا من جهتي. والبابا تواضروس أكد أكثر من مرة، خلال زيارته للولايات المتحدة، ضرورة استقبال الرئيس السيسي. ومن يحب أهله في مصر فليشارك معنا. الأتوبيسات ببلاش وهنجبلكم حاجه سقعة وسندوتشات. إحنا هانطلع نستقبل الرئيس 3 مرات، أيام الجمعة والأحد والثلاثاء. عاوزين أتوبيسين بكرة بس كفاية، أتوبيسين مع شوية لافتات كده، وربنا يبارك فيهم، ولما يتصور الأتوبيسين هايظهروا كأنهم 10 أتوبيسات. وعشان خاطر ربنا وعشان خاطر الكنيسة اطلعوا استقبلوا السيسي”. (الأنبا يؤانس أسقف أسيوط. كنيسة مار جرجس في جيرسي سيتي يوم الأربعاء 19 أيلول/سبتمبر 2018). يؤانس الذي يرى وصرّح أكثر من مرّة بأن الكنيسة الآن تعيش أزهى عصورها.
ورغم محاولات يؤانس المستميتة، إلا أن عدد الأقباط الذين استجابوا لدعوة الكنيسة جاء في حدود مئة شخص، رغم أن عدد الأساقفة والقسس الذين دعوهم للخروج يزيد عن رقم مئة، أي أن كل قسيس أو أسقف نجح في التأثير على قبطي واحد فقط. كما يُلاحظ أن الكنيسة لجأت إلى الهيئة القبطية الأمريكية للتدخل السريع لإنقاذ الموقف وحشد أتباعها الذين لا يتجاوز عددهم 200 من العاملين فيها، أو من الأسر المهاجرة وتخضع لرقابة الحكومة الأمريكية في تقدم طلب اللجوء، وقد وعدتهم الهيئة بمساعدتهم لدى الإدارة الأمريكية مقابل الحشد للرئيس. وفي النهاية أرسلوا البابا بنفسه بعد فشل أساقفته في الحشد، مؤكدا أن السيسي يمثل لهم الأفضل من بين كل الذين حكموا مصر. ودعا أقباط المهجر بألا ينصتوا لما يقال حول الوضع في مصر، مبرراً ذلك بأن المصريين ليس لديهم نفس الوعي الموجود لدى الذين يعيشون هنا في أمريكا، فهم لا يقدرون من وجهة نظره ما يحققه السيسي من إنجازات. ولكن الأقباط رغم احترامهم لدوره الروحي، لقنوه درسا في عدم الخلط بين الدين والسياسة. هكذا كتب الباحث والناشط الحقوقي مجدي خليل على صفحته في فيسبوك.
ورغم أن تواضروس أكد أن زيارته ليست مرتبطة بزيارة زعيمه السيسي، وأنها مقررة من أكثر من عام، إلا أن النداءات التي وجهها لحسن الترحيب بالسيسي والتي وصلت لحد الحشد الكنسي له، يشير إلى أن العلاقة الخاصة بين السيسي وتواضروس، تسير على عكس العلاقات السابقة بين الكنسية ورأسها، وبين النظام الحاكم في مصر. وكما يرى المحللون فإن السيسي بات أكثر اعتماداً على الأقباط وتحديدا الكنيسة في دعم وجوده والترويج لسياساته التي أصبحت محل انتقادات واسعة في الغرب. كما يرون في أفعال تواضروس إضرارا بالوطن ككل وليس بالأقباط فقط، خاصة وأنه يرمي الكنيسة في أحضان نظام السيسي الذي لم يعد محل قبول من معظم طوائف الشعب. كذلك فهو بهذا التصرف يزيد من فكرة ترسيخ الطائفية الدينية وهو ما يخالف الدستور.
رسالة مفتوحة للنظام والكنائس والمجتمع المدني
“منذ خطاب 3 تموز/يوليو 2013، استحسن النظام الزج بالكنائس في المعادلة السياسية كممثلين ــ وحيدين ــ عن عموم المسيحيين، وتجلى ذلك في تشكيل لجنة الخمسين لتعديل دستور 2012، حيث ظهرت الكنائس الثلاث كممثلين عن عموم مسيحيي مصر، وأنتج دستورا يضم مواد تعزز من سطوة المؤسسات الدينية، من خلال المادة الثالثة في أهم الملفات الشائكة وهو الأحوال الشخصية. لذا نرفض أن تتصدر الكنائس المصرية الحشد والتعبئة لمظاهرات سواء داعمة أو مناهضة للرئيس، وهو أمر يمثل خروجاً عن القواعد الديمقراطية وإقحام للدين في السياسة. لم تختلف سياسات النظام الحالي في التعاطي مع أحداث العنف الطائفي عن سابقيه، حيث ظلت منازل ومتاجر المسيحيين عرضة لهجمات المتطرفين، وظلت أزمات بناء الكنائس حاضرة وبقوة، كما استمرت سياسات إفلات مرتكبي تلك الجرائم من العقاب واللجوء إلى جلسات الصلح العرفية بدلاً من إعمال القانون. ونحمل النظام والكنائس تبعات ذلك على بسطاء المواطنين المسيحيين الأقباط؛ فلم يعد من الخفي ما يعانيه المواطنون المسيحيون من أزمات جراء دخول الكنائس كطرف في المعادلة السياسية، حتى لا يتحمل المواطنون المسيحيون خاصة في الصعيد، تبعات المواقف السياسية التي تتخذها قيادات الكنيسة. ونناشد الكنائس المصرية بضرورة الابتعاد عن السياسية والاكتفاء بالدور الروحي والديني المنوط بها. ونؤكد أنه لا يمكن الوصول لحلول حقيقية لتلك الأزمة إلا بمشاركة مجتمعية متكاملة وبوضع هموم ومشكلات المسيحيين من تهميش وتمييز وعنف طائفي، على قائمة أولويات الأحزاب والمنظمات والنقابات”. (من بيان ناشطين وباحثين وشباب مصريين).