لم نسمع على مدار العقود الماضية خطاباً واعداً أو متوعداً عربياً كان أم اعجمياً، قومياً أم دينياً إلا وكانت القدس الأقرب من حيث الشعار والمشاعر.
وعدها الخطباء بالجحافل والمراجل والمناجل فأقروا السيوف والأنوف والألوف. صناديق تتالت وخطب تعالت ومشاعر توالت. أناشيد صيغت وأشعارٌ خطت وقصائد نسجت. الكل أحكم التغني بدرة المسلمين والمسيحيين وأشبع المقدسيين بالوعود والعهود وفجرٍ قادمٍ مولود.
ولو أن البشرية استحدثت بنكاً للوعود وذهب المقدسيين لصرفها لحصلوا مقابلها على تريليونات الدولارات ونقوداً تغالب مال قارون. ويأتيك البعض لينشد: يا قدس إنّا قادمون.. يا قدس قد طاب المنون!!
كلامٌ في كلام ووعودٌ في وعود لا تغني ولا تسمن من جوع. المدينة نهبت بشكلٍ كامل وأحيطت بحزامٍ استيطاني وينتظرها حزام الـ’أي ون’ والمزيد من الحفريات اسفل المسجد الأقصى وقبة الصخرة، بينما بدأت عمليات مصادرة البيوت في البلدة القديمة بإحكام السيطرة على كامل تلك البلدة ولتكمل المشاريع الدينية والحضرية المزعومة السيطرة على المواقع المقدسة في سلوان ومأمن الله وغيرها الكثير!
القدس العاصمة الأبعد من حيث الفعل، الكل يعدها بالقدوم ولا يصل، تموت وتتبخر في كل يوم بصورة تنهي المدينة شيئاً فشيئاً، حتى أن الطرفة التي ارتبطت بمسمار جحا وقدرته على أن يكون الحجة وراء الاستيلاء على أملاك الناس استبدلت بمسمار شلومو، الذي يشق طريقه عبر الأحياء والشوارع والمنازل العربية بصورة تتكرر اليوم في رأس العمود وشارع صلاح الدين وأبواب القدس العربية. القدس تنتهي في كل لحظة بينما تستمر المزاودات والعنتريات والشعارات والخطابات. القدس تندحر وراء التقاعس والأرقام الفلكية التي تعلنها القمم والصناديق.
مهزلة توجـــــتها تسيفي ليفـــــني مــــؤخراً بطمأنة زمــلائها السياسيين بالادعاء بأن الزعماء العرب قد أبلغـــوها بأنهم غير معنيين بالقدس. صدقت ليفني أم لم تصدق فإن الفعل التراكمي لا يبشر بخير وتبقى معه القدس العاصمة الأبعد في العالم!
كاتب فلسطيني