أقصي درجات استنطاق الأزرق واشتغال دؤوب علي سطح اللوحة ورموزها
محمد نصرالله في معرضه الجديد بدار المشرقأقصي درجات استنطاق الأزرق واشتغال دؤوب علي سطح اللوحة ورموزهاعمان ـ القدس العربي : يستضيف غاليري المشرق بعمان خلال شهري آذار (مارس) الجاري ونيسان (إبريل) المقبل المعرض الجديد للفنان الأردني محمد نصرالله، وفيه يواصل تعميق تجربته التشكيلية وترسيخ ملامحها التي عرفها متابعوه من قبل، ففي آفاق زرقاء عنوان معرضه يركز نصرالله علي الولوج إلي عالم اللون الأزرق واستنطاقه عبر التركيز علي دلالتي السماء (الأفق) والبحر، ومن الواضح إفراده لمساحات شاسعة لهذا اللون ليأخذ حقه، وقد سبق له في معارض سابقة ان ركز علي الوان أخري منها الترابية، والبنية في أناشيد التراب ، وإذا كان قد حقق خصوصية كبيرة في قلة المفردات التي تحويها اللوحة، والاشتغال علي المشهدية البصرية الفوتوغرافية الطابع والسينمائية أيضا، فإنه اليوم قد حقق الغاية القصوي من اللون الأزرق. ثمة إضافة هنا لاستخدام اللون الحشيشي للأرض، وهناك توظيف موفق للون الأبيض، ومن الواضح ظهور مفردة الليمونة البيضاء علي عكس المتوقع، وتوظيف بعض أجزائها لتبدو بدلالات أنثوية نهد امرأة ، الجانب الآخر هو تلك الخطوط السوداء التي تظهر علي السطح الشاسع للأفق الأزرق أو فوق البحر أو قربه مثل ملامح لامرأة، أو دراجة هوائية مصنوعة من الأسلاك وهذه قادمة كما يبدو لي من ذكريات الطفولة، وهناك إشارات لأسماك وكراسٍ سريالية الطابع، وكل ذلك عبر الاشتغال الدؤوب علي تهشير السطح، والتكشيط الدقيق له.ربما يحتاج نصرالله في معارض قادمة ان يصدمنا بألوان جديدة غير معتادة للمتلقي، فمن الطبيعي ان يكون التراب بنيا والسماء زرقاء والأعشاب خضراء، ولكن من غير المتوقع أن نري سماء صفراء أو زهرية أو حشيشا أحمر أو بحرا أسود مثلا أو ذهبيا، إن الاشتغال علي الألوان الجديدة جزء من التغيير أما الاشتغال علي السطح فهذا أمر أيضا يحتاج إلي مراجعة للتجريب علي مواد أخري، أما الأفكار فهي متوفرة عند نصرالله وهو يلتقط بذكاء الرموز الحياتية ويوظفها باقتدار:يقول الفنان البروفيسور تودور فاردجيف من الأكاديمية الوطنية للفنون في صوفيا ببلغاريا عن تجربة نصرالله الجديدة: أتيحت لي موخراً فرصة لقاء الفنان الأردني محمد نصرالله والاطلاع علي تجربته الأخيرة التي يعيد فيها تشكيل مفردات عالمه الخاص بعيداً عن السردية مثل السماء والأرض، الهواء والماء… أو العشب بصورة بعيدة عن التشخيص، ففيها أشكال تجريدية (الإنسان وأدوات الحياة) مثل السمكة والليمونة، وهذان العنصران يشكلان رمزين لازما الإنسان منذ القدم، حيث استطاع الفنان أن ينفخ فيهما (روحاً) جديدة، والليمونة بالنسبة للفنان ليست فاكهة فحسب وإنما هي رمز للإنسان، للمرأة، للأم اما السمكة فهي جزء من فلسفته للحياة وهي مع الخبز الرمز الكلاسيكي لغذاء الإنسان منذ القدم ولحركته إلي الأمام، وتشكل الرموز في لوحاته حضوراً هادئاً في التكوين وهذا جاء نتيجة للبحث والتجريب المستمر. نصرالله في معرضه هذا اعاد انتاج فلسفته للحياة وللفن عبر تكوينات متوازنة بتقنية خاصة من ابداعه، تلك التقنية تلفت الانتباه إلي الدرجة اللونية التي يصوغ فيها الفنان طاقته الإبداعية حيث عكست درجات الأزرق للسماء والبحر انعكاس روح الفنان الحرة وحساسيته التي عكست نضوجاً ورغبة جامحة للكمال في معالجة الخط واللون والشكل. لقد شعرت بسعادة غامرة وأنا أشاهد اعمال هذا الفنان المعاصر الذي استطاع بروحه وتأثيره البصري أن يجتاز حدود وطنه ليصبح جزءاً من الثقافة البصرية، كما استطاع نصرالله نتيجة للبحث والتجريب المستمر أن يجتاز طريقاً مليئاً بالأشواك ليصل إلي أسلوبه المميز والخاص، الذي عكس من خلاله روحاً غير هادئة باحثة عن آفاق جديدة في ابداعه . تقول السيرة الذاتية لنصرالله إنه من مواليد 1963، وقد درس الفن في معهد الفنون الجميلة بعمان، وحاز علي دبلوم فنون من المركز الثقافي الاسباني، وهو عضو في رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، وسبق أن أقام عشرات المعارض الشخصية منها:1989 معرض أناشيد التراب ـ 1 ـ المركز الثقافي الفرنسي، 1990معرض أناشيد التراب ـ 2 ـ المركز الثقافي الملكي، 1992معرض طيور وفزاعات ـ المركز الثقافي الملكي، 1993معرض فضاء آخر ـ العرض الأول ـ رواق البلقاء للفنون ـ الفحيص 2001 معرض عودة التراب ـ غاليري 4 جدران، 2005معرض رؤي جديدة ـ غاليري 4 جدران، 2006معرض أجنحة ومدارات ـ دارة الفنون إضافة إلي عشرات المعارض الجماعية، والمشاركة في بيناليات عربية ودولية، وقد ساهم في إنجاز عدد من الملصقات حول الانتفاضة وعدد آخر من الملصقات لمنظمة العفو الدولية وحقوق الإنسان وصمم العديد من أغلفة الكتب الأدبية والفكرية.هنا شهادة للفنان حول معرضه الجديد.تجربتي مع الأزرقهذا الأزرق… يخترق عالمي دائماً بألوانه واشكاله كلما اتسع الفضاء بآفاقه وتلمَّستُ بحرية الأشياءَ… يبدأ من النهاية أو ينتهي في البداية بانتهاء لوحتي…الصورة الأولي التي في ذاكرتي أيام الطفولة والشقاوة… أتذكرها عندما كنت أسكن في مخيم الوحدات، صورة بركة الماء الموجودة في حارتنا والتي كنت من خلالها كل يوم، أتأمل بعيون متلهفة علّني أمسك علي صفحتها السماء الزرقاء ووجه البحر الأزرق، وكل تلك الأشياء التي كانت تتحرك علي سطحها وتبعث في داخلي التأمل. وهذا ما جعلني أستعيدها ثانية مرة بعد أخري لأصوغها من جديد باحثا ومستكشفا آفاق اللون الأزرق الذي يمتد بعيداً بلا نهاية ليلون خلايا ذاكرتي، وليكون العتبة التي أقف عليها اليوم متأملاً معناه.أذكر أيضاً واقعة أخري حينما كنت أقذف تلك البالونات في البركة، البالونات التي كانت تشبه إلي حد كبير (الليمونة). وهذا التأمل تحول في لوحاتي إلي كائن حي له تداعياته الجمالية الأخري، وأضاف إليها طعماً خاصاً، لتبعث الكتلة والحركة والخطوط وهي محلّقة في اجوائها السماوية التي تتجول في ذاكرتي، مانحة إياي الحرية في تأسيس المشهد وبعثه من جديد.كل تلك الأشياء هي التي قادتني إلي معرفة اللون الأزرق فالأزرق لون السماء ولون البحر الذي أنتمي إليه في رحم هذا الفضاء البصري. وهو سر عميق أحاول التعبير عنه من خلال هذه التقنية، لأنني أحاول التعبير عنه بالروح وأنا أنقل الأحاسيس والطبيعي من خلال البعد الذاتي والتأملي والإنساني.ولهذا كان عليّ أن اتعامل مع هذه التجربة بعد ان أحسست أنها اعادتني إلي الذاكرة لأصوغ تلك الصور قريبا من الاتجاه الرمزي بكل ظواهره لاكتشاف المعني والايحاء به. لطالما أحسست أيضاً بقوة هذا الأزرق. أذكر مقولة افلاطون الشهيرة التي تذهب إلي ان كل المحسوسات ما هي في الواقع الا رموزاً وصوراً لحقائق في عالم المُثل وهنا أشير إلي انني قد استخدمت اللون الأزرق من قبل في مراحلي السابقة ولكن كان اقرب باتجاهه إلي الحلم والواقع لنقل ألم هذا العالم الذي أنتمي إليه، لأعيد تشكيله وصياغته وتكثيفه بهذا المعني وتحرير جماله كحالة شعرية.وفي تجربتي (آفاق زرقاء) شعرت ان اللون الأزرق أيضاً قد صار مرجعي الأساسي الذي يقودني نحو مقياس رؤية ابداعية أخري بشكل اللوحة التي تثير إحساساً بالحركة عبر التكوين الفني البصري. ولا أريد استخدام حريتها الشكلية للتطاول علي تسييس خطوطها ورموزها لأنها تبقي في ذاكرتي خزاناً للأحاسيس بكل كائناتها الجمالية التي تخلق حالات روحية بعيدة كل البعد عن المباشرة، سواء كان ذلك علي مستوي الرؤية أو اللاوعي في لوحاتي، خاصة أنني أصبحت أميل نحو الاختزال الآن في الشكل والخط واللون. إنها رموز من الأشياء المحيطة بي لكنني أجد فيها ذاتي من حيث البحث والتجريب، لكي أتوصل إلي لغة موسيقية خاصة بلوحتي أيضاً، وبالمنجز الذي أعمل عليه.هذه واقعة اللون الأزرق الذي أصبح يسيطر بشكل كبير علي فضاء لوحاتي وهو الذي يحرضني ليؤثث بنيتة التكوينية ويثير بخطوطه وألوانه المتعرجة وعناصره المتحركة الفضاء البصري، لخلق معانٍ جديدة كامنة في روح هذه اللوحات.QTS0