أقـفـاص وطائر نادر

حجم الخط
0

أقـفـاص وطائر نادر

أقـفـاص وطائر نادر في أحد الأيام الربيعية، كنت جالسا في إحدي الحدائق العمومية طلبا للاسترخاء والتأمل، بعدما اشتريت قفصا جديدا بدل الذي عمر لسنوات طويلة، حتي شاخ وبدأ يصيبه الاهتراء وتنخر ديدان السوس خشبه والصدأ أسلاكه. حط بالقرب مني طائر غريب الشكل، لم أر مثله من قبل، ولم يكن في إمكاني أن أعرف فصيلته. قلت في نفسي: إنه طائر نادر، ولا يعيش في بلادنا، لا شك أنه طائر مهاجر. فكرت أن أنقض عليه لكنه حط من تلقاء نفسه بالقرب مني، ثم انتقل إلي ركبتي. مددت يدي بتردد واحتراس لكي ألمس ريشه الناعم، فانتفض انتفاضة خفيفة، ولكنه لم يطر. أمسكت به وأودعته القفص ولما هممت بالمغادرة اعترض طريقي شابان:ـ هذا طائرنا وأفلت منا، كنا نفتش عنه.ـ ماذا ؟ طائركما؟ وما دليلكما؟ـ قلنا لك طائرنا وكفي.قلت لهما: ـ هدا طائر طليق. ربما فار من أحدهم، وبما أنني وجدته الأول، فانا أحق بامتلاكه.أفحم منطقي مزاعمهما، ولكنهما أرادا أن يكونا عنيدين:ـ منذ دقائق ونحن نترصده ونطارده، ورأيناك عندما دخلت الحديقة. ليس طائرك.قلت في نفسي: أنا مستعد لأتنازل عنه لو طلبا ذلك بكل لياقة وأدب. لا أريد خصاما ولا جدالا مع أحد، ولكنهما سلكا معي الطريقة الخطأ.. وأنا منهمك في حواري الداخلي، لم ألاحظ أن بعض الناس تجمهروا حولنا، وأصبحنا محط أنظارهم. ولم أدر لماذا أجمعوا علي أن الطائر طائرهما. اختلقا هذا السيناريو المحبوك لكي أظهر أنا بمظهر اللص، ويفوزا بالطائر. أكيد أصدقاؤهما، أو معارفهما ناصروهما لكي يفوزا بالطائر، وأصبح أنا في ورطة لا أحسد عليها. نطق أحدهم وقال: ـ لنعلم الشرطة، ما أدرانا أنه لص مبحوث عنه وفار من العدالة؟ خفت.. أول حركة مني وأية محاولة للمقاومة ستجعلهم يتهورون وينهالون علي بالضرب.. داهمتني احتمالات رهيبة: سوف أتهم بجرائم وسرقات لم أقترفها. الحكم سيكون قاسيا وعلي مستوي الحدث. حدث إلقاء القبض علي لص دوخ العدالة لوقت طويل.. صاح أحد الشرطيين:ـ ما الأمر؟ ما هذه الجلبة؟ـ ضبطناه في الحديقة يسرق قفصنا (الله. أصبح الآن قفصهما) وبداخله طائرنا (في خضم الجمهرة والارتباك، لم أدر كيف نزعوا من يدي القفص) وينكر ذلك، لكن معنا شهود يشهدون علي ما نقول.. قطعت ادعاءه:ـ ليس طائره. لقد وجدته علي كرسي الحديقة، فاعترضا سبيلي. أما القفص، فهو قفصي. اشتريته قبل حتي أن أدخل الحديقة. وإذا شئت، تحقق من بائع الأقفاص الذي اشتريته منه…ـ انتظروا هناك (وأشار إلي مقاعد خشبية متهرئة) حتي يأتي الضابط، ويباشر التحقيق.أخذت القفص وغادرت مركز الشرطة بعد أن تواعدنا علي اللقاء. عندما وصلت إلي الحديقة، وأنا في طريقي إلي المنزل، أفرجت عن الطائر وتركت القفص في المكان الذي كنت جالسا فيه. فرحتان عذبتان تعتريانني ولا تسعانني: انتهاء المشكل علي خير، ولقائي بصديق عمري، بعد أن فرقتنا الدنيا طويلا. هرعت كالممسوس إلي البيت. عندما وصلت، صعدت بسرعة السلالم المؤدية إلي السطح. جذبت أنفاسا عميقة ووزعت النظرات علي الجهات الأربع. اتجهت نحو القفص، مزقت أسلاكه، وأخرجت منه الطائر بكل رفق العالم، ثم مكنته من حـريته. نجيب كعواشـي ـ المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية