خمسون سنة مرّت على صدور رواية ‘المدينة والكلاب’ لماريو برغاس يوسا:
غرناطة من محمّد محمّد الخطّابي: بمناسبة مرور نصف قرن على صدور’المدينة والكلاب’ أول رواية للكاتب البيرواني ماريو برغاس يوسا (حاصل على الجنسية الإسبانية كذلك) أقامت الأكاديمية الملكية الإسبانية، وجمعية أكايميات اللغة الإسبانية بتاريخ(20 يونيو(حزيران)2012 ) بمدريد حفلا تكريميّا لهذا الكاتب الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام2010. ولقد قرّرت هذه الجهات العلمية والأدبية واللغوية إصدار طبعة تذكارية خاصة من هذه الرواية التي شكّلت الانطلاقة الأولى لهذا الكاتب، وقد عهد للقيام بذلك لدارالنشرالإسبانية المرموقة (ألفاغوارا) ومن المنتظرأن تطرح الطبعة الجديدة في الأيام القليلة المقبلة في الأسواق الإسبانية وفي بعض بلدان أمريكا اللاتينية. وفي التقديم الذي يتصدّر هذه الطبعة التذكارية من هذه الرواية الذائعة الصيت نقرأ ما يلي: ‘إن ظهور هذه الرواية قد شكّل خطوة هامة في تجاوز إشكالية الهنود أو السكان الاصليّين في أمريكا اللاتينية، وكذا في البحث والتنقيب عن الجذور والقيم السابقة للوجود الإسباني في القارة الامريكية، ممّا جعلنا نتقدّم نحو توفيرأرضية يومية صلبة معاصرة، وتثبيت الحقيقة القائمة اليوم للمواطن الأمريكي المندمج والمتأقلم كليّة في وسطه ومجتمعه. وقد عالج الكاتب ذلك في قالب روائي إتّخذ أشكالا جديدة مبتكرة في كتابة الرواية في الأدب الإسباني إعتمدت على تقنيات روائية مجرّبة ‘. وجاء في هذا التقديم كذلك: ‘هذا التجديد في الشكل والمضمون جعل من الكاتب ماريو برغاس يوسا مرجعا أومؤشّرا أساسيا للرواية الإسبانوأمريكية المعاصرة’. وقد عهد إلى رئيس الاكاديمية البيروانية للّغة الإسبانية ‘ماركو مارتوس’ للقيام بعملية التنسيق لإنجاز هذه الطبعة الخاصة لهذه الرواية، حيث ركّز في نصوصه في هذا الخصوص على تتبّع واقتفاء المصادر الأدبية لبلديّه ماريو بارغاس يوسا.
هذا كما نجد في هذه الطبعة الأنيقة (التي قام بمراجعتها مؤلفها نفسه) بعض الدراسات التي كتبها لهذه الغاية صفوة من الأكادميين من مختلف الجنسيات مثل خوسيه ميغيل أوفييدو، وخبيير سيركاس، وكارلوس غارايار، وإفراين كريستال من البيرو، وفيكتور غارسيا دي لا كونشا، وداريّو فييّانويبا من إسبانيا، وجون كينغ من الولايات المتحدة الامريكية. كما أنجز الببليوغرافيا الخاصة بها الكاتب ميغيل أنخيل رودريغيس، وقام الباحثان كارلوس دومينغيس، وأغوستين بانيسو بإعداد معجم خاص بهذه الطبعة لشرح مفردات الرواية، وإعداد فهرس لها، وباب خاص بالأعلام. ترجمت الى 30 لغة رواية ‘مدينة الكلاب’ لماريو بارغاس يوسا ترجمت حتى الآن إلى ما ينيف عن ثلاثين لغة، وتدور أحداثها في المعهد العسكري ‘ليونسيو برادو’ حيث يتلقى المراهقون والشباب في هذا المعهد بموجب التنظيم الداخلي تكوينا مدرسيا ثانويا تحت تعليمات عسكرية صارمة. ويرى رئيس الاكاديمية البيروانية للغة الإسبانية ماركو مارتوس: ‘أنه من وجهة نظر لغوية فإنّ لغة ماريو برغاس يوسا قد أدركت شأوا او بعدا عالميا، إنه يقدّم بدون إنقطاع للعالم الأسلوب أو الطريقة البيروانية في التعامل مع اللغة الإسبانية، هذه الطريقة قد تجلّت بشكل واضح في هذه الرواية الأولى ليوسا أكثر من أيّ رواية أخرى ندّت عن قلمه، وقد أهّلهاهذا التفوّق في أن تعرف هذه الرواية في مختلف البقاع والأصقاع التي تتحدّث فيها لغتنا الإسبانية المشتركة’ . هذه الطبعة الجديدة الخاصة لرواية ‘المدينة والكلاب’ تدخل في مجموعة الأعمال الأدبية الكلاسيكية الكبرى التذكارية التي قامت بإصدارها ونشرها كل من الأكاديمية الملكية الاسبانية للّغة، وجمعية أكاديميات اللغة الإسبانية بما فيها أكاديميات بلدان أمريكا اللاتينية، وتندرج في هذه السلسلة كذلك أعمال سابقة لرواية ‘يوسا’ أمثال: ‘دون كيخوته دي لا مانشا’ لمغيل دي سيرفانتيس، ‘مائة سنة من العزلة’ لغابرييل غارسيا ماركيز، ‘الجهة الأكثر شفافية’ لكارلوس فوينتيس ‘(المتوفى أخيرا) فضلا عن أنطولوجيات الشاعر بابلو نيرودا، وغابرييلا ميسترال التشيليين.’المدينة والكلاب’ باكورة أعمالهباكورة أعمال يوسا ‘المدينة والكلاب’ لم تنشر كاملة في إسبانيا إلاّ بعد رحيل الجنرال فرانكو حيث كان قد تمّ حذف العديد من صفحاتها، كما أضرمت النيران في العديد من نسخها في البيرو، وهي رواية تقوم على محورين إثنين القهر السياسي (السلطوي) والجسدي، إنها إنفجار للأحاسيس الدفينة، والهواجس المكبوتة، والآلام المبرحة التي يعانيها الكائن البشري حيال نفسه وذاته وكيانه ووجدانه، والقسر أو القهر الديكتاتوري الذي يثقل كاهله وكلكله عليه، وتوقه الدائم للانعتاق والتحرّر نحو عالم مبدع طليق. قال ‘يوسا’ عن روايته ‘المدينة والكلاب’ ضمن إستجواب أجرته معه الكاتبة ‘كوليت مرشيليان’ : ‘أعتقد أن فترة الطفولة والمراهقة وكل ما يجري خلالها من تجارب قاسية أو صعبة هي فترة حاسمة في حياة كل إنسان، وخاصة في حياة الكاتب، لأن هذا الأخير هو في موقع قول أو كتابة أو استرجاع ما ترك أثره فيه، فتطلع عليه هذه التجارب من مرحلة المراهقة المؤثرة. أنا اكتشفت كل مشاكل البيرو السياسية والاجتماعية خلال إقامتي في تلك الأكاديمية العسكرية، وتأثرت بشدة حين لمست كم أن البيرو هو في مواقف محتدمة إن في الوضع الاقتصادي أو في ناحية العنف أو في ناحية الفروق الاجتماعية وكل المشكلات التي تنتج عنها من نزاعات وعذابات. لقد نقلت هذا العالم إلى روايتي الأولى، لكن الأمر تكرر بأساليب مختلفة في روايات لاحقة، وأيضاًً كانت لي تجارب أخرى في الحياة توزعت انطباعاتي عنها وأحاسيسي حيالها في كتب أخرى’. وعن سؤال حول هذه الرواية (التي مرّ عليها الآن نصف قرن) أن كيف يراها اليوم؟ وهل كان ليغيّر شيئا فيها؟ قال ‘برغاس يوسا’ لكوليت: ‘بصراحة أراها بعيدة جداًً وكأنها في حياة سابقة لي. ولكن لا، لا أحب أن أغيّر فيها. ربما إذا كتبتها اليوم ستكون مختلفة تماماًً لأنني أنا تغيرت واكتسبت خبرات كتابية وحياتية مختلفة، لكن الكتاب هو ابن لحظته وتاريخه وموقعه، وأحبه كما هو، هناك في تلك الحقبة، وأكثر ما أحب فيه كل المفاجآت التي حملها معه لي، فهو الكتاب الذي جعلني انتشر أكثر وخاصة بعد أن تمّت ترجمته إلى لغات عدة’. في مواجهة الريح والتيّارهذا الكاتب يكاد يصبح ظاهرة فريدة في آداب أمريكا اللاتينية، وإن لم يكن كذلك فإنه على الأقل ما زال يثير فضول النقاد والقرّاء والأوساط الادبية في كل مكان، فقد حقق لنفسه شهرة عالمية واسعة أوصلته إلى الحصول على جائزة نوبل في الآداب، كما حظي بتكريم العديد من المحافل الأدبية الأخرى، إنه رجل يعيش عصره مهووسا ومسكونا بالآداب. لقد زاول يوسا مختلف فنون القول، إشتغل بالصحافة والادب والنقد والدراسة، إنه كاتب يحتل مكانا مرموقا في آداب أمريكا اللاتينية، فهو إلى جانب كارلوس فوينتيس، وغابرييل غارسيا ماركيز، وقبلهما خورخي لويس بورخيس كوّن جانبا من ذلك ‘الجيل الكبير من الكتّاب المعاصرين’في أمريكا اللاتينية وهو الجيل الذي حمل الآداب في هذه المنطقة من العالم إلى أعلى المراتب وأرقى المستويات شهرة وتكريما وبعد صيت. كتابه الذي تحت عنوان ‘في مواجهة الريح والتيّار’ يلقي الضوء على جوانب هامّة من حياته وإبداعاته، إنه في هذا الكتاب يسمّي الأشياء بمسمّياتها، إنه يقول: ‘يتعلق الامر بنصوص تؤرّخ لظروف وملابسات ليست ذات أهمية أدبية، والتي لم يعاملها الزمن بإشفاق، إنه جملة من التناقضات والاخطاء والتكهّنات بعيدة عن أيّ تكبّر أو خيلاء أو ندم ممزوج ببعض الحزن والأسى، إنها إنطباعات وتسجيلات لبعض الآمال والتطلعات التي ذهبت أدراج الرياح وجرفها التيّار.
ضد هذه الرياح، وفي مواجهة هذه التيارات جذف ‘برغاس يوسا’ قاربه لمدّة نصف قرن من الزمان، أي منذ صدور روايته الأولى ‘المدينة والكلاب’ التي يحتفى بها هذه الايام في مدريد. ففي ‘مواجهة الريح والتيّار’ يطرح يوسا وجهات نظره بشأن العديد من القضايا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية في العالم، وبالخصوص في أمريكا اللاتينية. هذا كاتب يبثّ الحياة في الأشباح، إننا واجدون في هذا الكتاب إشارات، وملاحظات، وتراجم، ومقالات، ويوميات، وخطبا، وإستجوابات وتحقيقات، واستطلاعات تحدّد أفكاره وقناعاته المبكرة.
إلاّ أنه مع مرور الزمن وانسياب السنين صار ‘يوسا’ يغيّر من آرائه الأولى التي كانت تضعه في مصاف المفكرين والأدباء اليساريين الذين يدافعون عن العسفاء والكادحين، ويأخذ بيد المحرومين والمظلومين، إلاّ انّه بعد أن فشل في 10 حزيران/يونيو 1990 أمام ألبيرتو فوجيموري (من أصل ياباني) في الانتخابات الرئاسية في بلاده البيرو شدّ الرحال إلى أوربا وطفق يدغدغ المجتمعات المخملية والأوساط الماسية، كما بدأ يشقّ طريقه المحفوفة بغير قليل من الصعاب والمخاطر، والمنافسات الشرسة نحو المؤسّسة السويدية ليعانق أكبر تكريم أدبي في العالم بحصوله عام 2010 على جائزة نوبل في الآداب، بعد مرور28 سنة على حصول الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز على هذا التكريم وكانت بين الكاتبين خصومة مفتوحة مستحكمة، ولا غرو فالمعاصرة حجاب.
ينطلق يوسا ‘في مواجهة الريح والتيّار’ بمراجعة عميقة لصاحب رواية ‘الغريب’ الاديب الفرنسي الراحل ألبير كامو، وينتهي بعرض ضاف حول المجتمع المفتوح وخصومه.
وقد أثبتت بعض هذه المواضيع في الكتاب حسب مضامينها، ومن ثمّ يمكننا أن نتتبّع ونقتفي ونرصد تطوّر فكر وأدب ‘برغاس يوسا’ خاصة فيما يتعلق بمواضيع لها صلة بميادين الإشتراكية والثورة الكوبية، ونيكاراغوا الساندينية، ويتجلّى لنا في هذه الكتابات التزام الكاتب إزاء قضايا أمريكا اللاتينية، والحرية، والديمقراطية، والنموّ الاقتصادي، وأوربا والولايات المتحدة الامريكية وبلده البيرو. ولا شك أن العديد من المفاهيم والقناعات خلال نصف قرن قد تغيّرت بالنسبة لهذه المواضيع، ويتّضح لنا من خلال هذه الكتابات على سبيل المثال تاييده وإعجابه بالثورة الكوبية في عنفوانها كطرح وعلاج لمختلف المشاكل التي تتخبّط فيها معظم بلدان أمريكا اللاتينية، إلا أنه معروف عنه الآن أنّه لم يعد يؤمن بهذا الرأي، ويعلن صراحة معارضته واختلافه مع كوبا الكاستروية والراؤولية كذلك. كما يعكس هذه الكتاب إتجاه الكاتب النقدي المعروف عنه، وكيف صارت مواقفه تتغيّر وتتبدّل على امتداد الزمن حسب ما تمليه عليه ظروف الحياة ومستجدّاتها وما أكثرها عنده.
ذكريات ومعايشاتونجد في هذا الكتاب إستجوابات مع العديد من القطاعات الاجتماعية في مختلف هذه البلدان، كما أنه يعكس فترة خصبة من حياة الكاتب، وهي الفترة التي عاشها في أوربا في مرحلة شبابه وإختلاطه بالحياة الثقافية والفكرية فيها. ونجد بالتالي صدى وانعكاسا لتلك المعايشات مجسّمة في نقاشات حول مختلف المواضيع الأدبية والفلسفية في ذلك الوقت، فنجد على سبيل المثال عروضا حول ‘سارتر وكامو وسيمون دي بوفوار’. كما نجد العديد من الطرائف والحكايات والاحداث التي وقعت للكاتب في باريس، فضلا عن تعاليق أخرى مماثلة حول لندن ومدريد وواشنطن، كما أنّنا نجد كذلك في هذا المؤلّف معلومات كان قد طواها النسيان أو ربما هي مجهولة حول انطباعات يوسا بخصوص بعض الأدباء الفرنسيين وأعمالهم مثل ‘بؤساء فيكتور هوغو’، أو ذكرياته حول الشارع والمنزل الذي عاش فيه ‘كارل ماركس’ في لندن، بالإضافة إلى أحاديث ضافية عن أصدقائه في طور المراهقة والشباب. ‘في مواجهة الريح والتيّار’ يحفل بالذكريات والمعايشات حول مختلف المواضيع مكتوبة بأسلوب سهل وسلس، يميل إلى الدعابة وروح النكتة والسخرية والإنتقاد، إنه مرآة تعكس حقائق واقعية عن حياة هذا الكاتب الأمريكي اللاتيني بعيدا عن خياله المجنّح في قصصه ورواياته.
ماريو برغاس يوسا مستقر في الوقت الراهن بإسبانيا حيث منحت له الجنسية الإسبانية منذ ما ينيف عن عشرين سنة. كما تمّ انتخابه عضوا في أكاديمية اللغة الإسبانية، وفي إسبانيا ما فتئ يبدع في عالم الأدب، حيث يكتب الرواية بوجه خاص ومن أشهر رواياته التي أحيطت بهالة واسعة من الذيوع والانتشار، والتغطيات الإعلامية في العالم الناطق باللغة الإسبانية رواية ‘حفلة التيس’ ، وهي رواية تنتقد الأنظمة الدكتاتورية في أمريكا اللاتينية.
كما أنه يدلي بدلوه بين الفينة والأخرى في العديد من القضايا السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي تعرفها إسبانيا وأوربا وأمريكا في الوقت الراهن، أنظر في هذا الصدد مراسلتنا ‘للقدس العربي’ بعنوان ‘ماريو بارغاس يوسا والغاضبون الإسبان’ (العدد7136الجمعة 25 أيار (مايو) 2012). ولد يوسا عام 1936 في البيرو، وهو إلى جانب نوبل حاصل كذلك على العديد من الجوائز الأدبية الاخرى في مختلف أنحاء العالم منها جائزة سيرفانتيس في الآداب الإسبانية 1994. من مؤلفاته الأخرى: حرب نهاية العالم، إمتداح الخالة، من قتل بالومينو موليرو، الفردوس على الناصية الأخرى، البيت الأخضر، حديث في الكاتدرائية، وسواها من الأعمال الوفيرة. وقد ترجمت بعض قصصه ورواياته إلى اللغة العربية.
قال ماريو بارغاس يوسا ذات يوم: ‘أنا تلميذ سارتر الذي يعتبر الكلمات أفعالا، ويؤمن بأنّ الأدب يغيّر الحياة، غريب عصرنا حيث اليمين ليس على اليمين، واليسار ليس في اليسار، والوسط لم يعد في الوسط..’ . وما فتئ ‘يوسا’ ينتقل بين هذه الجهات الثلاث منذ نصف قرن ونيّف كطائر السنونو مترنّحا متأرجحا بين هذا وذلك وذاك…