الحكومة والنواب يصفقون أثناء إلقاء رئيس الوزراء الإسباني خطابًا يعلن فيه اعتراف بلاده بفلسطين كدولة، في 22 مايو 2024- ا ف ب
الرباط: اعتبر خبير مغربي في العلاقات الدولية أن إعلان النرويج وإيرلندا وإسبانيا، الأربعاء، الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين، اعتباراً من 28 مايو/أيار الجاري، يرتبط في الأساس بمصالح هذه الدول وتحالفاتها المستقبلية، أكثر من كونه قرارًا “إنسانيًا وسياسيًا” منها.
وتوقع الخبير أن تلتحق دولٌ أخرى مثل بلجيكا بهذه الدول وتعترف بفلسطين، لكن حذر من أن الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا ستعمل على التصدي لعدم توسع موجة الاعتراف بفلسطين دوليًا.
ولدى إعلان الاعتراف بدولة فلسطين، قالت النرويج إن قرارها “يتماشى مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة”، وعدّت “قيام دولتين إسرائيلية وفلسطينية تعيشان جنبًا إلى جنب في سلام وأمن البديل الوحيد الذي يقدم حلاً سياسيًا للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء”.
أكاديمي: الاعتراف بدولة فلسطين يأتي بسبب التحولات الجيوسياسية (التي فرضتها حرب غزة)، والجانب الإنساني للخطوة هو أمر ثانوي
بينما قالت إيرلندا إن قرارها ينبع من إيمانها بـ”الحرية والعدالة كمبادئ أساسية للقانون الدولي”، وإن “السلام الدائم لا يمكن ضمانه إلا على أساس الإرادة الحرة لشعب حر”.
واعتبرت قرارها “بيان دعم لا لبس فيه لحل الدولتين، وهو الطريق الوحيد الموثوق لتحقيق السلام والأمن لإسرائيل وفلسطين وشعبيهما”.
أما إسبانيا فقالت إنها اتخذت قرارها بعدما أيقنت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “لا يعمل من أجل السلام” و”يرفض الاستماع إلى المجتمع الدولي” في هذا الصدد، “بينما يواصل قصف البنية التحتية المدنية (في غزة) ومنع المساعدات التي تشتد الحاجة إليها (في القطاع)”.
لكن أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة محمد بنعبد الله المغربية، خالد يايموت، استبعد أن تكون المبررات التي ساقتها الدول الثلاث لخطوة الاعتراف بدولة فلسطين السبب الرئيسي لقرارها.
وقال يايموت إن خطوة هذه الدول تأتي “بسبب التحولات الجيوسياسية (التي فرضتها حرب غزة)، ودفاعاً عن مصالحها”.
واعتبر أن “الجانب الإنساني والسياسي” للخطوة هو أمر “ثانوي” بالنسبة للدول الثلاث.
وأوضح يايموت أن الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاءهما يوظفون الفرصة التي منحتها لهم الحرب على غزة في مخطط لـ “تشكيل هندسة جديدة لشرق المتوسط وغربه، والهيمنة على شمال إفريقيا”؛ بغرض “صناعة دائرة واسعة تهدف إلى تأمين مصالحها”.
واعتبر أن المصالح الإستراتيجية المستقبلية للعديد من الدول الأوروبية باتت “مهددة” في ظل هذا المخطط، ما لم “تُغير من طبيعة تحالفاتها وشراكاتها الإستراتيجية”.
وبحسب الأكاديمي المغربي، فإن الدول الثلاث (النرويج وإيرلندا وإسبانيا) “تتمتع بمواقع جغرافية ستكون عرضة للتأثر بالتحالفات الجاري تشكيلها حاليًا”.
ومفصلاً وجهة نظره بالنسبة لأيرلندا، قال يايموت إن “الانتماء الأنجلوسكسوني لهذه الدولة لا يؤهلها للعب دور كبير (على الساحة الدولية) مستقبلاً إذا لم تنخرط في كتلة إقليمية، لها شراكات بعيدة عن بريطانيا بشكل معين؛ ما يمكنها من تبادل المصالح مع الأخيرة”.
وبالنسبة للنرويج، قال الأكاديمي المغربي إن “التحولات الجيوسياسية لبحر النرويج تمنح أهمية إستراتيجية لهذه المنطقة” دوليًا، خاصة أنه “يشكل مستقبل التجارة العالمية المارة من القطب الشمالي”.
وبخصوص مالطا وسلوفينيا التي كانت من المتوقع أن تعترف أيضاً بدولة فلسطين، بحسب تصريحات سابقة لمسؤولين في البلدين، اعتبر يايموت أن “مالطا تبحث أيضًا عن دور (في الساحة الدولية) في ظل تمتّعها بموقع مهم جدًا على مستوى البحر الأبيض المتوسط”.
كما تعمل سلوفينيا على “استغلال هذه التحولات لخلق شراكات تؤهلها لأن تلعب دورًا كبيرًا على مستوى وسط أوروبا”، وفق يايموت.
“على النحو ذاته يأتي الموقف الإسباني مرتبطاً بالتغييرات الجيوسياسية التي تحدث الآن، وهي التغييرات التي سرعتها الحرب على غزة”.
واعتبر يايموت أن “مصالح إسبانيا المستقبلية أصبحت مهددة من التيار الدولي الأنجلوسكسوني بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا”.
وأوضح أن خطوة إسبانيا “تأتي في إطار تقوية موقفها التفاوضي في أي هندسة للاقتصاد العالمي بعد حرب غزة؛ لذلك تتحرك سياستها الخارجية في اتجاهات متعددة”.
ولفت إلى أن “أحد هذه الاتجاهات يتمثل في معاكسة الولايات المتحدة وبريطانيا بخصوص القضية الفلسطينية، وهذه المعاكسة ستؤدي حتماً إلى جلب واشنطن ولندن إلى طاولة التفاوض مع مدريد، بحكم أن الأخيرة مشرفة على مضيق جبل طارق، وهو معبَر مهم جداً للتجارة العالمية، بالإضافة إلى موقعها الجيوسياسي الهام بالمنطقة”.
وبخلاف الموقف المبني على مصالح هذه الدول في اعترافها بدولة فلسطين، كما شرح يايموت، يقول الأكاديمي المغربي إن “الجانب الفرعي في هذا الموقف، هو ما يركز عليه الإعلام، وهو الجانب الإنساني والسياسي”.
يايموت: التحولات الجيوسياسية لبحر النرويج تمنح أهمية إستراتيجية لهذه المنطقة” دوليًا، خاصة أنه يشكل مستقبل التجارة العالمية المارة من القطب الشمالي
واعتبر يايموت أن الجانب الإنساني والسياسي للقرار الإسباني مثلاً هو أمر “ثانوي”؛ حيث “يؤدي فقط إلى تقوية الجبهة الداخلية لدى التيارات السياسية الإسبانية، التي تتنافس حول مساندة القضية الفلسطينية حاليًا”.
وتوقع يايموت أن تلتحق دولٌ أخرى، مثل بلجيكا، بالنرويج وإيرلندا وإسبانيا وتعترف بفلسطين.
ورأى أن “تأثير اعتراف الدول الأوروبية بفلسطين سيكون بطيئاً، ما لم تتحول هذه الدول إلى كتلة مؤثرة المستوى الدولي”.
وبحسب الأكاديمي المغربي، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا ستعمل على التصدي لهذه الموجة بهدف عدم توسّع الاعتراف بفلسطين دوليًا.
وبخصوص دور فرنسا في هذه التحولات، اعتبر يايموت أن باريس “ستعمل من تحت الطاولة على تفكيك هذه الحركية، حتى ولو ظهرت فرنسا بشكل علني على أنها مؤيدة لهذه التحولات، خاصة أنها تريد أن تحقق التوازن مع الكتلة الأنجلوسكسونية المكونة أساساً من واشنطن ولندن”.
من جانبه، رأى الحقوقي المغربي عزيز هناوي أن اعتراف النرويج وإيرلندا وإسبانيا بدولة فلسطين “يدخل في إطار مخرجات عملية “طوفان الأقصى”، وما ترتب عليها من حرب إبادة جماعية (إسرائيلية في غزة)”، لكنه اعتبره “قرارًا متأخرًا” من الدول الغربية.
وأضاف هناوي أن “هذا الاعتراف إيجابي من الناحية الرمزية، وهو جزء مما أحدثه “طوفان الأقصى” على المستوى الدولي”.
و”طوفان الأقصى” هو تسمية أطلقتها فصائل فلسطينية على الهجوم الذي شنته ضد قواعد عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط غزة، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وعملية التصدي للعدوان الإسرائيلي على القطاع الذي تبعها.
وأشار هناوي إلى أن “خطوة اعتراف هذه الدول بمثابة صحوة ضمير إيجابية، لكن سقف عدالة القضية الفلسطينية يفوق هذا الاعتراف، في ظل معاناة الشعب الفلسطيني لمدة طويلة جراء الدعم الغربي لإسرائيل”.
وتابع: “آثار طوفان الأقصى جعلت العواصم الدولية تصطدم بشعوبها وجامعاتها ونخبها؛ ما جعلها مضطرة إلى التزحزح قليلاً والعمل على الاعتراف بدولة فلسطين”.
ومنذ 18 أبريل/ نيسان الماضي، بدأ في جامعات أمريكية حراكٌ طلابي غير مسبوق متضامن مع غزة بمواجهة الحرب الإسرائيلية، ثم اتسع لاحقاً إلى جامعات في أوروبا ودول أخرى حول العالم.
لكن هناوي شدد على ما يحدث “على الأرض”، في إشارة إلى الحرب على غزة وتصدي الفصائل لها، هو “الذي سيحدد مستقبل القضية الفلسطينية، خاصة أن القضية تعرضت لظلم كبير من المجتمع الدولي، وهو أحد أسباب “طوفان الأقصى”، فضلاً عن 76 عاماً من ظلم العدوان الإسرائيلي (منذ الإعلان عن قيام “دولة إسرائيل” عام 1948)”.
يايموت: أحد الاتجاهات يتمثل في معاكسة الولايات المتحدة وبريطانيا بخصوص القضية الفلسطينية، وهذه المعاكسة ستؤدي حتماً إلى جلب واشنطن ولندن إلى طاولة التفاوض مع مدريد
ورأى هناوي أن “المواثيق الدولية ظلمت كثيراً القضية الفلسطينية، والعواصم الدولية تنكرت لفلسطين، فيما عملت على احتضان إسرائيل ودعمها”.
وانتقد الحقوقي المغربي استعمال واشنطن لسلطة النقض “الفيتو” ضد الاعتراف بدولة فلسطين.
وكانت الولايات المتحدة استخدمت سلطة النقض “الفيتو” في مجلس الأمن، في أبريل الماضي، ضد مشروع قرار جزائري يوصي الجمعية العامة بقبول دولة فلسطين عضواً في الأمم المتحدة.
واعتبر هناوي أن “صمود الشعب الفلسطيني سيتغلب على ظلم المواثيق الدولية والدعم الغربي المستمر لإسرائيل”.
وبحسبه، فإن “هذا الاعتراف المرتقب بفلسطين، سيكون مؤطرًا من طرف هذه الدول بالحفاظ على أمن إسرائيل”.
وتشن إسرائيل للشهر الثامن على التوالي، حرباً على قطاع غزة خلّفت أكثر من 115 ألف شهيد وجريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، ونحو 10 آلاف مفقود وسط دمار هائل ومجاعة أودت بحياة أطفال ومسنين.
وتواصل إسرائيل الحرب متجاهلة قراراً من مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار فوراً، وأوامر من “محكمة العدل الدولية” باتخاذ تدابير فورية لمنع وقوع أعمال “إبادة جماعية”، وتحسين الوضع الإنساني بغزة.
(الأناضول)