أكتب إليكم من درجة ميل خطرة!

حجم الخط
0

أكتب إليكم من درجة ميل خطرة!

عزت القمحاويأكتب إليكم من درجة ميل خطرة!لو أن مؤرخاً محايداً دوَّن بأمانة شديدة أحداث الأسبوع الفائت مصرياً فسوف يزيح قراء المستقبل نصه من حقل التاريخ إلي حقل الأدب الخيالي؛ فليس هناك من تعريف للعجائبية في الأدب أوفي من هذا الذي حدث!غرقت العبّارة السلام وغرق معها ألف مواطن، فقاد شيخ الأزهر مظاهرة للتنديد بالرسوم المسيئة للرسول الكريم، وزار الرئيس المنتخب القومي وأصدر توجيهاته للاعبين بضرورة الفوز لإسعاد المصريين، لكن محافظ الشرقية استبق المنتخب وتولي بنفسه المهمة التي كلف بها الرئيس نحو عشرين رجلاً هم تعداد الفريق بمدربه بالبدلاء. وقد زار الرئيس محافظة الشرقية وافتتح مستشفي وشاهد مشروعات أخري، فليس كل ما يجري في مصر هو غرق في البحار واحتراق في القطارات والمسارح، أليس كذلك؟! هناك مشروعات تفتتح وأخري يتابع الرئيس انتظامها. وبهذه المناسبة ألقي المحافظ كلمة ترحيبية بالرئيس الذي تفخر المنوفية بأنها أنجبته لكن الشرقية تفخر أكثر بأنه درّس فيها الطيران سبع سنوات فسأله الرئيس و انت منين ؟ فأجابه: اللي تأمر بيه سيادتك !كان الرد لأيام متتالية حديث المصريين، وتقريباً استطاع بفكاهته أن يوازن الكمد الذي أصاب المصريين من جراء حادث العبارة.والكمد لمن لايعلم ليس حزناً خالصاً؛ بل خلطة من الحزن والقهر لا يعرفها سوي المصريين والأسري في أيدي جيش معاد لا يحترم قواعد الحرب. ولذلك فإن البهجة التي أدخلها المحافظ أو كاد إلي قلوب المصريين لم تصمد في وجه الكمد.وسرعان ما وقعت الملاســــنة العنيفة بين مدرب الفريق القومي ولاعب يعترض علي قــــــرار المدرب بتغييره. وهو حادث يلتقي برمزيته مع فكاهة جواب المحافظ وكمد حادث العبّارة.حادث العبّارة ليس الأول في البحرين الأبيض والأحمر اللذين يطوقان مصر من جهتين وكان من المفترض أن يضيف البحران مصدراً جديداً للثروة لو كانت لدي النظام وقراصنة القطاع الخاص رغبة في استثمار أسماكهما، ولكن البحرين تحولا بقدرة الفساد القدير إلي مصيدتين للبشر، حيث اعتاد الفساد أن يطعم أسماكهما من لحم المصريين. أسماك البحر المتوسط تكاد تكون متخصصة في لحم الشباب الهارب من ذل البطالة في رحلة الذهاب إلي أوروبا عبر الشواطئ الليبية علي متن زوارق مطاطية يشحنون فيها بأعداد تفوق حمولاتها، بينما يختص البحر الأحمر بلحم العائدين من قصص كفاح بالسعودية تصلح كل منها ملحمة في الصبر، وبدلاً من أن يعودوا إلي أبنائهم بهداياهم الفقيرة ُيلقي بهم هدية مجانية لأسماك القرش اعتاد أن يقدمها مستثمر واحد يكاد يحتكر الحركة في هذا البحر لأسباب يعلمها الفساد العليم.في كل مرة يتم التغاضي عن حادث القتل، رهاناً علي النسيان، حيث تأتي كارثة برية لتغطي علي الكارثة البحرية. وربما غطي غرق جديد علي الغرق القديم، فالعبّارة الغارقة ليست الأولي لهذا المالك وما أعلن من أنبائها حتي الآن فيه إجماع علي أنها خرجت من ميناء ضبا السعودي مائلة عشر درجات فخمس عشرة، فعشرين درجة حتي غرقت تماماً، وأن أفراداً من الطاقم والركاب توسلوا للقبطان أن يعود فرفض، وعند الغرق اختص نفسه بأول قارب نجاة، وأن قبطاناً آخر من الشركة ذاتها مر بموقع الحادث وتلقي أوامر بالاستمرار في طريقه، وأن العباّرة الغارقة مشتراة من شركة إيطالية بعد انتهاء عمرها الافتراضي وأنه قد تم إضافة أدوار عشوائية علي طريقة عمارات الموت علي البر!وقعت العبّارة أسيرة قبطان لايشبه قباطنة البحر، ولا يعرف أخلاق القيادة في البحر، لكنه يشبه بالتأكيد نوعاً من قباطنة البر الذين يفرون عند الغرق. والربان نفسه أسير شركة لا تشبه الشركات في شيء، لأن الفساد اختص مالكها بإحدي صفات الله، فالله وحده يميت دون معقب علي حكمه، وهذا البشر الملياردير حاز هذه الصفة في حوادث سابقة لبواخره، أشـــهرها العبّارة سالم إكسبريس عام 1992 التي صنعت للأسماك وليمة من أكثر من ستمائة جسد بشري، وهذه المرة بلغ الكرم حد الألف جسد، ليفخر المصريون بأن لديهم أكبر حادث بحري في التاريخ، منذ تيتانك التي غرقت بسبب الطقس السيئ وليس لانعدام الصلاحية.شرك الفساد بالله في حادث العبّارة لم يستحق مظاهرة من شيخ الأزهر الذي أدي واجبه ضد الرسام الدانماركي ورسومه التي مضت عليها عدة أشهر.واللاعب الذي يري الفوضي تعم قطاعات العمل وجد أن من حقه مناقشة مدربه، ومنازعته حقه في القيادة، بل التطاول عليه علناً.والمحافظ الذي يتمتع بسلطات رئيس الجمهورية وكان قاضياً يحكم بـــين الناس لعقود عدة، خاف أن يعلن مسقط رأسه فقد لايعجب الرئيس فأجابه اللي تأمر بيه سيادك وهو يعلم أنه لن يستطيع تنفيذ أمر الرئيس، إذا ما أمره بأن يولد في مكان آخر غير الذي ولد فيه حقيقة، لأن هذا يتخطي قدرات البشر؛ بل إن أحداً من المؤمنين لا يطلب من الله أمراً من أمور الماضي!هي إذاً حكاية وطن بكامله، تختصره أمثولة العبّارة والقبطان. والميل مرعب، لكنني أترك للقراء تحديد درجته، وكلي أمل في أن يستمع القبطان إلي صيحات الفزع. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية