حكم البابا
من حق الله علي عباده البشر أن يصلوا أكثر من ركعتي شكر له لسببين تلفزيونيين: أولهما لأنه أراد أن يشمل برحمته الواسعة كل عباده فلم يجعل اللغة العربية وسيلتهم الوحيدة للتفاهم، وخلق لكل شعب في العالم لغته الخاصة، لعلمه المسبق وهو خالق الغيب، بأن العرب سيكتشفون البث التلفزيوني الفضائي في وقت من الأوقات، وسيقومون بإنشاء المحطات الفضائية، وبذلك قصر إساءات الفضائيات العربية علي العرب وحدهم، ونجّي باقي شعوب الأرض من أذاها، أما السبب الثاني فيتمثل في كونه دبّر الأسباب التي منعت العرب حتي الآن من إنشاء فضائية ناطقة بإحدي اللغات الحية تنقل وجهات نظرهم المختلفة والمتناقضة والمتصارعة، وقضت حكمته بأن تبقي الشرشحة الاعلامية العربية مقتصرة علي من يفهمون العربية! فلو كانت اللغة العربية هي لغة شعوب الأرض واستطاعوا أن يفهموا ماتبثه الفضائيات العربية المختلفة والمتناقضة والمتصارعة، أو لو كان العرب قد نجحوا في إطلاق فضائية عربية بأية لغة غير لغتهم، يقولون فيها ما يقولونه في فضائياتهم الوطنية المختلفة والمتناقضة والمتصارعة، لما استطعنا علي الأقل أن نشاهد أيدي ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي وهي ترتفع مجمعة علي تأييد قراره القاضي بوقف العدوان الاسرائيلي علي لبنان، ولكنا شاهدنا المندوب الأرجنتيني مثلاً يرفع صوته في القاعة احتجاجاً علي هذا القرار الظالم الذي يمنع دولة اعتدي عليها من قبل مغامرين، من استخدام حقها في الدفاع عن نفسها، وعندما سيستغرب باقي أعضاء مجلس الأمن موقف المندوب الأرجنتيني، ويذكرونه بمعركة الأرجنتين مع بريطانيا حول جزر الفوكلاند، سيتدخل المندوب الصيني ويخبرهم بأن زميله الأرجنتيني مشترك في قناة art الرياضية السعودية وأهم المباريات التي يحرص علي رؤيتها هي تلك التي يكون فيها الفريق السعودي أحد طرفيها، لأنه لن يرهق أعصابه بانتظار نتيجتها، أما أهم برنامج يحب مشاهدته فهو كلام نواعم علي قناة الـ mbc السعودية لأنه يقدم صورة للمرأة العربية مناقضة كلياً لواقعها في السعودية، وأهم نشرة أخبار يفضل متابعتها هي آخر ساعة علي قناة العربية السعودية لأنها لا بد وأن تحتوي علي خبر عن انتهاكات حقوق الانسان في أي دولة من دول العالم باستثناء السعودية التي يتم تجاهلها لأحد سببين، فإما أنها جنة الديمقراطية الوحيدة في العالم، ومواطنوها يتمتعون بكامل حقوقهم الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان، أو أنها ليست دولة من دول هذا العالم، ونصف وقته يقضيه بمشاهدة الفيديو كليب الذي تقدمه قناة روتانا السعودية ليس إعجاباً بأصوات مطربيها، ولكن اهتماماً بحركات وألبسة مطرباتها وراقصاتها، التي تناقض كلياً الصورة المتزمتة التي تبذل السعودية جهدها لتقديمها عن نفسها باعتبارها دولة تلتزم الشريعة الاسلامية، ولا تطبق من تعاليمها إلا الرجم وقطع الأيدي والأرجل بخلاف، ويتابع المندوب الصيني مشيراً إلي زميله الأرجنتيني: ولهذا فهواه سعودي، ومواقفه السياسية متناقضه دائماً، لأنها متأثرة بمواقف السعودية غير المفهومة من حرب اسرائيل علي لبنان.
ولن يكون المندوب الأرجنتيني هو الوحيد الذي سيرفض التصويت علي القرار، بل ستضرب وزيرة خارجية اليونان علي سبيل المثال بيدها علي طاولة مجلس الأمن، وتقول معترضة: أنتم منحازون لاسرائيل، ومجلس الأمن هذا ألعوبة بيد الدول الاستعمارية الكبري وعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ولأن حزب الله انتصر علي اسرائيل لأول مرة في تاريخ الحروب العربية الاسرائيلية، ولأن المقاومة هي الحل الوحيد الذي يكفل للعرب استعادة حقوقهم المغتصبة، وتحرير أراضيهم المحتلة، تسارعون لإصدار قرار بوقف الحرب لتحموا هذا الكيان الهجين الذي زرع في قلب الوطن العربي، وعندما سيفغر باقي مندوبي الدول الأعضاء في دول مجلس الأمن أفواههم دهشة من كلام الوزيرة اليونانية، سيهمس أحد أعضاء الوفد اليوناني في أذن كوفي عنان، مبرراً كلام وزيرته بأنها كانت قبل دخولها إلي قاعة مجلس الأمن مباشرة تتابع حلقة من برنامج نوافذ علي الفضائية السورية، وقد سمعت مداخلة لمواطن من مدينة إدلب السورية تنطق بنفس المفردات تقريباً ويبدو أنها تأثرت بها.
ولربما كان للمندوب الغاني رأي مستوحي من مشاهدته للفضائية الموريتانية، أو تأثر المندوب الفرنسي بالأفكار الخضراء للفضائية الليبية، أو اعتمد مندوب روسيا الخطاب السياسي للفضائية السودانية، أو ألهمت الفضائية القطرية المندوب البريطاني موقفاً مختلفاً، وكان العرب سيخسرون بالتأكيد الاجماع الذي لقيه القرار الدولي بوقف العدوان الاسرائيلي علي لبنان، ولهذا أري أن علي العرب أولاً الصلاة لله شكراً ليس فقط علي رحمته بهم قبل غيرهم، بتدبيره للأسباب التي أعاقت حتي الآن إنشاء فضائية عربية ناطقة بإحدي اللغات الحية تنقل وجهات نظرهم المختلفة والمتناقضة والمتصارعة، وليس فقط علي حكمته في تعدد لغات الشعوب، وعدم جعله للغة العربية لغة العالم الوحيدة، بل أيضاً علي كون اللغة العربية صعبة التعلم والتعليم، بما فيها من نحو وصرف وإعراب، وطباق وجناس، وبديع ومحسنات لفظية ـ لا تستخدم هذه الأخيرة منها إلاّ في مدح الحكام العرب ـ وغني مفردات أتاحت للعرب عبر تاريخهم تحويل هزائمهم إلي انتصارات، وأعطتهم هامشاً كبيراً لعدم تحديد مواقفهم حتي في أكثر أوقاتهم حرجاً ودقة.
وإلا لو كانت شعوب الأرض تفهم العربية، أو لو وجدت قناة عربية ناطقة باحدي اللغات الحية توزع ساعات بثها بين الأنظمة العربية بالتساوي، أو حسب مستوي التمويل، لخسرنا أي تعاطف عالمي مع أكثر قضايانا عدالة، ولا نشغل العالم بمحاولة فهم سباق الجري السعودي القطري للوصول إلي الهدف الأمريكي، وتفسير الخلاف العائلي بين الكنة اللبنانية والحماية السورية، وشرح مفردات المونودراما الليبية الخضراء المستمرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، واستيعاب البحث في مدارس الاخراج المسرحي الذي تجريه مصر منذ عدة سنوات لاختيار أكثر الطرق مناسبة للتوريث، وإعراب التغريبة اليمنية الكوميدية الرئاسية، ولظنت شعوب الأرض وهي تشاهد مصطفي بكري يصرخ، والرئيس عمر البشير يحمل عصاه، وفيصل القاسم يحاول التهدئة، أنها أمام مشاجرة جماعية وشغب خرج عن حدود السيطرة، أو أن الشعب العربي شعب ضعيف السمع ولذلك يصدر كل هذا الصراخ من شاشات تلفزيوناته.
كاتب من سورية[email protected]