أكثر من انقلاب وأقل من ثورة اجتماعية حتى الآن

حجم الخط
0

إذا لم تحدث الثورات العربية تحولا جذريا اجتماعيا في المجتمعات العربية، واقتصر أثرها فقط على تغيير الانظمة، حتى، وإن وضعت دساتير تحد من أبدية الحاكم وتنص على تدوال السلطة، حتى مع ذلك، لن تحدث الاثر المرجو والمؤمل منها كثورات شعبية لم يشهدها تاريخ الامة. عليها إذن إحداث تغييرات هيكلية في طريقة تناول المجتمع ونظرته الى أمور كثيرة، هو ما يمكن قياسه ومدى تأثيرها وهل هي فعلا، تحولات اجتماعية ناقلة للمجتمع أم عملية تدوير لتاريخه المغلق ومن هذه الامور وفي مقدمتها:

أولا: الموقف من الدين في السياسة والسياسة في الدين، الاستعمال الديني الكثيف في أمور السياسة وتقلباتها وتغير موازينها، لا يفيد المجتمعات ويؤذي الثورات الشعبية ويقسم المجتمعات كما نرى، الدين صوره مثالية ونقاء ما فوقه نقاء فهو مثال يسعى اليه المجتمع دائما، ولا يمكن لأحد ان يدعي ملكيته، بينما الامور الدنيوية السياسية نسبية وتحتمل الظروف والحاكم بشر يحتمل الخطأ والصواب ثم أن تحويل الخطب الدينية للاستخدام السياسي غير مبرر، والاحرى الاستعاضة عن ذلك بإنشاء المجتمعات المدنية أو مساعدتها على التبلور في تناول المجتمعات لمشاكلها، حيث الرأي مدني وليس ديني أو فتاوى فبالتالي يمكن للمجتمع أن يتطور من خلال التفاعل المدني المتساوي بعيدا عن القدسية الدينية التي هي فوق الجميع والتي يسعى الجميع كذلك للامتثال بها لا بمن يدعون ملكيتها.

ثانيا: تأميم السلطة والموقف منها، وإخراجها من دائرة الوعي العربي كزمن وليس كأفراد، فهي ليست زمنا هي فرد أو أفراد محاسبون وكسر احتكارها بالتالي ككتلة أو تجمع مهما كان شكله قبليا أو دينيا أو طائفيا وتحت أي دعوى كانت تاريخية أو اجتماعية أو غير ذلك.

ثالثا: الموقف من الثروة، فهي بالتالي ثروة وطن وليست ثروة نظام، ، الانقلابات العربية على كثرتها، غيرت في الواجهة ولم تحدث تغييرات إجتماعية ضرورية داخل الوجدان والشعور العربي بالنسبة لهذا الموضوع، فهللت الشعوب لها وكأنها صاحبة الثروة كونها ثورة أو إنقلابا على وضع سيئ، لتدرك لاحقا (اي الشعوب) أنها استبدلت سيئا بأسوأ وذلك لإغفالها لما يجب التنبه له أو لحسن نيتها في القادم الجديد ولم ‘تدرك أن المال السائب يعلم السرقة’ أو أن التنازل عن الحق في دنيا البشر يحول الاخر الى ملاك معصوم. رابعا: موقف المجتمع ونظرته لذاته، هل يستحق العيش بكرامة كحق أو يستحق الرعايه مع الكرامة، التي قد تتخلف حينا، وتختفي أحيانا أخرى. خامسا: الموقف من الحرية والقانون، بمعنى أن ينتقل الشعور بالحرية الى كونه الوجود ذاته والى مرحلة ما قبل إقامة النظام، أي أن النظام القادم عليه أن يبني نفسه على أساس من حرية الشعب في خياراته ومصيره، بمعنى أن يكون النظام ثمرة لهذه الحرية، كما أن يعي الشعب كذلك أن القانون فوق الافراد والمكانة الاجتماعية. بناء على هذين العاملين يجري تقييم الوضع والنظام لا أن يَجمُد في الذهن أن النظام وقانونه هما الثابتان بينما الشعب هو المتغير. إذا لم تستطع الثورات العربية الحالية تغيير الذهنية العربية وإدخال محتوى اجتماعي ضروري في بنيتها بحيث يتغير المجتمع من داخله ذهنيا وإدراكيا، وأن يستعبد السطوات أيا كان شكلها ورائحتها، من قريب أو من بعيد، وأن يدرك أن جميع المعطيات جاءت لتكرم الانسان ومدنيته وبشريته فهي بالتالي تابعة لوجوده، وليس وجوده امتدادا لها. أرى ثمة إدراكا ووعيا مقبلين بلا شك ولكن تبقى مسألة ديمومته وإتصاله بعيدا عن تأثيرات التاريخ، بل ربما أعتقد بضرورة قيام قطيعة مع الماضي السياسي العربي بعد هذه الثورات والتحولات، فهي فعلا الطريق الوحيد لوأد ‘الفتن’ ما ظهر منها وما بطن ولكنه امنية لن تتحقق وقنوات الطائفية تتكاثر كما الفطر والفتاوى تنهمر كعناقيد الغضب.

عبدالعزيز محمد الخاطر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية