إسطنبول ـ «القدس العربي»: ستلقي خسارة الحزب العدالة الحاكم لإسطنبول ،حال تأكدت، بظلالها ثقيلة على تاريخ حزب العدالة ورزعيمه اردوغان شخصيا، الرجل الذي بنى مجد حزبه انطلاقا من إسطنبول، مذ كان رئيسا لبلديتها عام 1994.
وسواء أقرّت لجنة الانتخابات بالنتائج الحالية التي تشير لتقدم مرشح المعارضة الاتاتوركي، او لا، فإن مجرد وصول تحالف المعارضة لنسبة تساوي الحزب الحاكم في إسطنبول هو أمر يحدث للمرة الاولى في العاصمة الاقتصادية للبلاد منذ نحو ثلاثة عقود، فكيف تمكنت المعارضة من بلوغ نسبة 48٪من الكتلة الانتخابية في إسطنبول ؟
لعل النظر لنتائج الاستحقاقات الانتخابية السابقة، ومقارنتها مع الحالية يمنحنا الإجابة، فمن بين كل نتائج الاحزاب التي تزيد وتنقص كل انتخابات، سنجد حزباً واحداً اختفت حصته تماماً من الانتخابات الحالية، وهو حزب الشعوب الكردي، الذي كان يحصل ما بين 5٪الى 12٪من أصوات الناخبين في إسطنبول في كل انتخابات، لكنها المرة الاولى التي لم يحصل فيها حزب الشعوب الكردي، حتى على نصف بالمائة من أصوات الناخبين، فأين ذهبت أصوات كتلته الانتخابية الحاسمة؟ لقد ذهبت في أغلبيتها الساحقة للمعارضة التركية، كردة فعل من الاكراد (محافظين وقوميين) على تحالف حزب العدالة مع الحزب القومي في إسطنبول، الذي يبغضه الأكراد بشدة.
الكتلة الكردية المتأرجحة، في إسطنبول وتركيا عموماً، درجت على منح نسبة من أصواتها لحزب العدالة، وهي نسبة تمثل الثلث وتصل للنصف من بين أكراد إسطنبول الذين يقدرون بنحو 10٪من سكان المدينة، نسبة الثلث إلى النصف هذه، من أصوات الأكراد، كانت تشكل الجزء الكردي المحافظ ذو الميول الإسلامية من الكتلة الانتخابية الكردية، وكانوا يدعمون حزب العدالة في كثير من المحافظات ومنها إسطنبول، نظراً لاشتراكهم في الميول الاسلامية، اما الجزء الثاني من الاكراد فهم قوميون يساريون في الغالب يناصبون حزب العدالة عداء شديداً، وهم الكتلة الصلبة لحزب الشعوب الكردي.
ورغم أن حزب العدالة حقق نتائج طيبة في المحافظات ذات الأغلبية الكردية جنوب شرق البلاد، ومنها فوزه المفاجىء في محافظة شرناق، إلا أنه ظل الحزب الثاني في المحافظات الكردية بعد حزب الشعوب الكردي، الذي حصل على ثمان محافظات ذات حضور كردي كثيف، كديار بكر، المعقل الأشهر للأكراد في تركيا، كما أنه فاز بمحافظتين لا يشكل فيهما الأكراد أغلبية مطلقة، وهما ماردين، وسرت، ويرجع هذا التأرجح غالباً، إلى أن حزب العدالة لم يتحالف مع الحزب القومي في المحافظات ذات الأغلبية الكردية، ولكنه قاد مشروعه الانتخابي في إسطنبول بالتحالف مع القوميين الاتراك، فخسر أصوات أندادهم الكرد، محافظين وقوميين، كما أن بعض المراقبين يعزون النفور الكردي في إسطنبول من حزب العدالة، للسياسات والخطاب القومي الذي انتهجه اردوغان ضد الأكراد في سوريا والعراق، والحرب التي شنها في عفرين وما نتج عنها من توترات مع الأكراد، مما أثار حفيظة نسبة غير قليلة من الكتلة الكردية المحافظة التي كانت تؤيده.
واذا اتينا للغة الأرقام، سنجد أن حزب الشعوب الكردي، حصل في إسطنبول عام 2014 على نحو 5٪ أي أقل من نصف مليون صوت، وفي عام 2015على 10٪ مقترباً من المليون صوت، وفي عام 2018 حصل على كامل كتلته الانتخابية بواقع 12٪، محققاً أرقاما تصل لربع الكتلة الانتخابية في بعض البلديات بإسطنبول، كاسنيورت، وادلار المعروفة عند السياح بجزر الأميرات.
وفي تلك الاستحقاقات الانتخابية الثلاث، لم تتجاوز أرقام حزبي التكتل المعارض الحالي لحزبي الجمهوري والقومي، حاجز ال 43٪كما حصل عام 2014، وكانت تتراوح بين 34 و 38٪في انتخابات 2015 و 2018، مع الملاحظ أن أرقام عام 2018 قد تكون الأدق، لان الحزب الجيد القومي حينها كان قد انشق عن حزبه القومي الأم، وحصل على 8.5٪ من الأصوات في إسطنبول بينما حصل الحزب الجمهوري على نحو 26 ٪ونصف من إسطنبول، اي ما يصل لنحو 35٪للحزبين مجتمعين، وهما يشكلان اليوم التحالف المعارض، الذي حصل على 48٪في الانتخابات الاخيرة بإسطنبول.
ونجد أن حزب العدالة حقق في انتخابات عام 2018، مع شريكه، اليوم، في التحالف الحزب القومي، نحو 50٪من الأصوات، أي ما يقترب من نتيجته في هذه الانتخابات التي حصل فيها على نحو 48٪، أي أنهما حافظا على كتلتهما الانتخابية الصلبة التقليدية التي تتراوح ما بين 48٪الى 50٪ في إسطنبول منذ سنوات.
وفي تلك الانتخابات الأخيرة، عام 2018، حقق حزب الشعوب الكردي، كامل كتلته الانتخابية بنتيجة تقترب من 13٪من أصوات إسطنبول، ولو بحثنا عن الفرق بين ما حققه تحالف المعارضة اليوم (المكون من حزب الجيد القومي والحزب الجمهوري) الفائز بإسطنبول بنسبة تفوق الـ48٪اليوم، وبين ما حققه نفس هذين الحزبين عام 2018 بنتيجة (35 ٪ مجتمعين عام 2018، لوجدنا أنه حصل على زيادة بواقع 13٪من الأصوات، وهي نفس الكتلة الانتخابية التي فاز بها حزب الشعوب عام 2018 ومن ثم حصل تقريباً على صفر بالمائة من الأصوات في إسطنبول في هذه الانتخابات لاول مرة، اذ ذهبت كامل كتلته الانتخابية التي وصلت 13٪من إسطنبول عام 2018، لدعم تحالف المعارضة هذا العام، فرفعت نتيجة حزبي التحالف المعارض من 35٪من إسطنبول عام 2018 إلى 48٪عام 2019، فحقق التحالف المعارض الفوز بإسطنبول لأول مرة بأصوات الأكراد الساخطين على تحالف حزب العدالة مع الحزب القومي في إسطنبول.