إسطنبول- “القدس العربي”: تحول أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، مجدداً إلى هدف مشترك لانتقادات الحكومة والمعارضة التركية على حد سواء؛ بسبب الاتهامات المتزايدة له بـ”الإهمال والفشل في حل أزمات إسطنبول”، وهو ما يدفع للاعتقاد على نطاق واسع بتراجع حظوظ رئيس البلدية الشاب والطامح، إلى إعادة سيناريو تجربة رجب طيب أردوغان في الوصول إلى الرئاسة التركية من خلال بلدية إسطنبول، أكبر محافظات البلاد.
ويواجه إمام أوغلو اتهامات جدية بـ”اللامبالاة” وعدم الاهتمام بحل مشاكل بلدية إسطنبول الكبرى، وعدم القدرة على مواجهة وإدارة الأزمات التي تمر بها المحافظة، والتركيز على قضاء العطل السياحية خارجها، في الوقت التي كانت تواجه أزمات مختلفة، وهو ما تكرر في أكثر من مناسبة، ودفع حتى كبرى وسائل الإعلام المقربة من المعارضة الداعمة لإمام أوغلو إلى توجيه انتقادات لاذعة له.
ومنذ توليه رئاسة بلدية إسطنبول قبل ثلاث سنوات، قدّم أكرم إمام أوغلو نفسه إلى الشارع التركي على أنه المرشح المقبل للمعارضة التركية لمواجهة أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقررة في يونيو/ حزيران من العام المقبل. ورغم نفيه المتكرر، إلا أن كافة خطواته السياسية وتحركاته الداخلية والخارجية كشفت بوضوح عن اندفاعه الكبير جداً نحو المنافسة على الرئاسة، والتركيز على خطط بناء تحالفات سياسية وتقديم خطاب سياسي، بدلاً من التركيز على مهامه الأساسية كرئيس بلدية.
إلا أن الأزمات المتلاحقة التي عاشتها بلدية إسطنبول في فترة رئاسته، وما رافقها من عدم رضى شعبي عن أدائه الخدمي، إلى جانب التنافس والخلافات الداخلية التي شهدها حزب الشعب الجمهوري الذي ينتمي إليه، و”تحالف الأمة” الذي يضم أحزابا أخرى داعمة له، حول مرشح التحالف للانتخابات الرئاسية، كلها تدفع للاعتقاد أن حظوظ إمام أوغلو بدخول الانتخابات الرئاسية المقبلة تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي أول أيام عيد الأضحى، شهدت إسطنبول أمطاراً غزيرة، ما أدى إلى حدوث سيول في العديد من الأحياء، حيث غمرة المياه مئات الشقق السكنية، ما خلّف أزمة إنسانية لمئات الأسر. وبينما تحركت مؤسسات الدولة وعلى رأسها ولاية إسطنبول، والوالي علي ييرلي كايا، الذي انتقل إلى الأحياء المتضررة، اكتفى إمام أوغلو بالتغريد عبر تويتر، وهو ما فجّر موجة غضب واسعة ضد إمام أوغلو، وأطلقت تساؤلات واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول ما إن كان رئيس البلدية بالفعل في إسطنبول أم خارجها.
وعقّب مذيع قناة فوكس نيوز باللغة التركية على ما يجري بالقول: “كان يتوجب أن تكون على رأس عملك، ولكنك غير موجود، لم أصدق أنه خارج إسطنبول، ولكن بعدما بحثنا، اكتشفنا أنه يقضي عطلة مع عائلته خارج إسطنبول، تماماً كما جرى في الأحداث السابقة، عندما كانت هناك كارثة سيول سابقة، كان يقضي عطلته في بودروم، ذهب سابقاً لتفقد ضحايا الزلزال ومن هناك قضى عطلته في التزلج على الثلوج، عندما كانت إسطنبول تكافح أزمة الثلوج، ذهب للاجتماع مع سفراء أجانب، يتوجب علينا سؤال إمام أوغلو هذا السؤال: إذا لم تكن بجانب سكان إسطنبول في هذه الأوقات، متى ستكون بجانبهم؟”.
كما عقب مذيع قناة “خبر تورك” المقربة من المعارضة أيضاً على ما يجري بالقول: “سليمان صويلو (وزير الداخلية) كان يزور الجيش في جبال هكاري، ووالي إسطنبول كان في منطقة السيول يتفقد المواطنين، لكن إمام أوغلو كان خارج إسطنبول، عشنا مواقف مشابهة في السنوات الثلاث الماضية، إمام أوغلو مُصرّ على أن يكون خارج المدينة في هذه الظروف، التقدير يعود لسكان إسطنبول”.
طوال السنوات الماضية، سعى إمام أوغلو إلى القيام بحملة انتخابية مبكرة لتقديم نفسه كمرشح أول لمنافسة أردوغان استناداً إلى فوزه برئاسة بلدية إسطنبول الأهم في البلاد، ونجاحه في تحقيق فارق كبير على مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم، ليكون أول سياسي يعيد المعارضة للبلدية لأول مرة منذ نحو ثلاثة عقود.
وفي هذا الإطار، بدأ إمام أوغلو في إطلاق تصريحات مختلفة حول الملفات السياسية العامة للبلاد ومستقبلها، وتنظيم تجمعات خطابية مكثفة، ولقاءات مع قادة الأحزاب السياسية، فُهمت على أنها “حملة انتخابية مبكرة للرئاسة”. كما بدأ بالمشاركة في محافل دولية مختلفة، والتقاء سفراء ومسؤولين دوليين، وبحث الملفات السياسية المتعلقة بمستقبل البلاد، وهو ما جلب له الكثير من الانتقادات من أوساط الحزب الحاكم، قبل أن تبدأ الانتقادات تنهال على إمام أوغلو من أوساط المعارضة ومؤيدي حزبه.
وفي عيد الفطر الماضي، قام إمام أوغلو بجولة في مدن البحر الأسود ذات الأغلبية المحافظة والداعم التقليدي لحزب العدالة والتنمية، واستهلها من مدينة ريزة مسقط رأس أردوغان، مقيماً تجمعات شعبية في أكثر من محافظة، وقدم وعوداً انتخابية بشكل غير مباشر، في جولة فُهم أنها جاءت بهدف إيصال رسالة أنه قادر على حشد أصوات الناخبين حتى من “معقل أردوغان” لتعزيز فرص ترشيحه للانتخابات الرئاسية.
وخلال جولته، استخدم إمام أوغلو حافلة كبيرة كتب عليها بخط كبير اسمه، ومجهزة لإلقاء الخطابات الجماهيرية من على سطحها، وهي الحافلة المعروف تقليدياً في تركيا أنها مخصصة لزعماء الأحزاب السياسية، وتستخدم في الحملات الانتخابية، وهو ما اعتُبر بمثابة “إعلان واضح” من إمام أوغلو بفرض نفسه كمشرح للانتخابات الرئاسية على الحزب و”تلويح” بالترشح بشكل مستقل أو عن حزب آخر لو لم يختره حزبه لهذه المهمة، الأمر الذي فتح الباب لأول مرة أمام انتقادات علنية من شخصيات مؤيدة للحزب، لإمام أوغلو كانت من الداعمين له تقليدياً.
وأعقب هذه الجولة انتقادات مختلفة لإمام أوغلو من أوساط المعارضة نفسها التي هاجمها إمام أوغلو، قبل أن يعود ليعتذر عن مصطلحات “مسيئة” استخدمها في أزمة كانت الأكبر في مسيرته، واعتبرها كثيرون أنها أنهت حظوظه بالحصول على ترشيح حزب الشعب الجمهوري للرئاسة التركية، وأدت إلى تراجع قوته الشعبية، ما سيمنعه من المناورة بالترشح من خلال حزب آخر أو بشكل مستقل أيضاً.