أكره جيش بلادي.. واحبّ إسرائيل

حجم الخط
0

فــاروق وادي

هل تبيح لنا الديمقراطيّة الحقّة، التشكيك بنوايا وتوجهات جيشنا الوطني، والتشهير به، وبمخططاته، وأهدافه، ونقد ممارساته؟!. لقد تمّ طرح مثل هذا السؤال، بشكل أو بآخر، أثناء ثورة يناير المصريّة الأخيرة، وبعدها. فهل نزلت الدبابات والمدرعات شوارع القاهرة والاسكندريّة ومدناً مصريّة أخرى، بهدف حماية نظام بلغ، بفعل الضربات الشعبيّة، وضعاً حرجاً لا يُحسد عليه، أم إنها انتشرت لتحمي الشعب وثورته من احتمالات بطش النظام وتنكيله بالثائرين؟!

عندما تمّ تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلّحة، أعلن الجيش من خلاله، في بيانه الأوّل، إنحيازه إلى المطالب الشعبيّة. ثمّ تبعته بيانات أخرى، قام الناطق الرسمي في إحداها، بتقديم تحيّة إعزاز وإكبار (مع إشارة على الجبين) لشهداء الثورة، ما أجّج المشاعر الوطنيّة في الشّارع المصري، ورفع أسهم الجيش إلى درجاتها العليا. وقد سادت طُرفة بعد ذلك تقول: إن الجيش قرّر الانسحاب من الشوارع، لأنه لم يبق طفل في مصر لم يتسلّق دباباته، أو مواطن مصري لم يصافح أفراد الدبابة فرداً فرداً، ولم تبق عائلة فاتها الوقوف إلى جوار الدبابة لالتقاط صورة تذكاريّة مع الجيش، الذي يشكِّل مع الشعب.. ‘إيد واحدة’. فما الداعي بعد ذلك لبقائه في الشّارع؟! ثمّ شهدت حركة التغيير التي يقودها المجلس العسكريّ الأعلى (الذي لم يخذل الشعب يوم 11 فبراير/ شباط، وهو اليوم أعلن فيه الرئيس السابق تخليه عن سلطاته)، تباطؤاً في الحركة، أتاح للثورة المضادة أن تستثمره في إعادة لملمة قواها إلى حدّ ما، خاصّة مع بقاء مبارك، لشهرين لاحقين، يمارس رغد العيش وحبك المؤامرات من شرم الشيخ، مع زوجته وإبنيه، ما دفع المصريين إلى إطلاق تعبير ‘المجلس الأعلى للفساد’ على العصابة نفسها. ثمّ تصاعدت موجة نقد الجيش، في الصحافة والبرامج السياسيّة التلفزيونيّة الحواريّة التي يُطلق عليها المصريون تعبير ‘المَكْلَمَة’ (الترجمة المصرية للتعبير الإنجليزي Talk Show)، مع الحرص على توجيه النقد إلى المجلس العسكري الحاكم تحديداً، كونه يتولّى مهمّة سياسيّة ارتضاها لنفسه. ومن ارتضى لنفسه أداء مهمّة سياسيّة، فلن يكون بمنجى عن نقد القوى والفعاليات السياسيّة والإعلاميّة.. والشارع.

وكان يمكن لنا، أن نتفهُّم مسألة تجاوُز البعض في نقده، تلك الحدود التي تمّ التواضع عليها ضمنياً، دون اتفاق مكتوب، والقبول بنقد المؤسسة العسكريّة برمتها، طالما أن الناقد ظلّ ملتزماً بالحرص على الوطن وأمنه واستقراره وأسراره العسكريّة. والأهم، أن يكون سند النقد، أي مرجعيته البشريّة، بعيداً عن شبهات الارتباط، أو الافتتان، بالعدوّ!

ربما نكون قد وصلنا هنا، إلى الحديث عن محاكمة الشاب المصري ‘مايكل نبيل سند’ من قبل السلطة العسكريّة في مصر، والحكم عليه ثلاث سنوات، بتهمة الإساءة للقوات المسلحة، عبر مادة نشرها إلكترونياً تحت عنوان نقيض للهتاف الشعبي المتردِّد أثناء الثورة، حول اليد الواحدة للجيش والشعب، والتي تحوّلت لدى نبيل: ‘الجيش والشعب عمرهم ما كانوا إيد واحدة’. وقد أفضى إصدار الحكم، إلى تحريك مطالبات صدرت عن قوى ديمقراطيّة وحقوق إنسانيّة بإعادة المحاكمة مدنياً، وتخفيف الحكم ‘الظالم’ عن الشّاب. قبل المسارعة في إصدار رأي حول المسألة، أحيل القاريء إلى الموقع الذي حمل اسم هذا الشخص، أو المدوّنة التي لا تختلف في مادتها عن الموقع. فهو يُعرِّف اتجاهاته في الشؤون المختلفة بأنه: رأسمالى (لا نطالبه بأن يكون اشتراكياً)؛ مناصر للغرب (لا بأس. فليس من شروطنا للتضامن مناصرة الشخص للمعسكر الشرقي)؛ ملحد (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)؛ معادي للختان (ها نحن نقف على أرضيّة واحدة)؛ نسوي (أفضل من أن يكون ذكورياً).. ليبرالي.. علماني.. مادي.. واقعي.. مناصر للعولمة.. سلمي (لا بأس.. فليمارس حريته وكافة حقوقه الديمقراطيّة كما يشاء). أما أن يذوب شوقاً وهياماً بالكيان الإسرائيلي الغاصب، ويتبجّح بالاعتراف بأنه ‘مؤيد لإسرائيل’، فهنا نتوقف، لنقول بأن الديمقراطيّة التي نعتنقها لا يبلغ بها التطرُّف درجة الانحطاط في الدفاع عن حقّ مواطن عربي، بلغ به التهاوى السياسي، هذا الدرك المتدني من السقوط.

فالشّاب نبيل، الذي يُعلن دون لبس انتماءه إلى شباب ميدان التحرير، المطالبين بالحريّة، واعتقاله أثناء الأحداث من الميدان، يناقض نفسه بين نداء الحريّة الذي كان يردِّده مع شعبه طوال أيّام الثورة المجيدة، وبين كتلة الطين والعجين، التي وضعها في أذنيه حتى لا يسمع نداء التحرر الوطني الذي يطلقه شعب عربي شقيق، له حدود جغرافيّة مع مصر، وتجربة تاريخية مشتركة، وما زال يعيش تحت احتلال أصدقاء مايكل من العسكريين الإسرائيليين.

تحت عنوان ‘ليه أنا مؤيد لإسرائيل؟’، يرفع مايكل الشّاب صورة العلم الإسرائيلي بعد أن طرّز عليه موقفه I stand with Israel ، ويخوض باستفاضة في أسباب هذا التأييد، بلغة لا تخفي موقفه المفتون بكيان قائم، برأيه، على قيم الديمقراطية والحداثة، العمل والانتاج، التعليم والثقافة، وحقوق الإنسان.. إلى آخر أدوات التجميل المبتذلة والمستنفذة، التي ربما كفّ الإسرائيليون أنفسهم عن استخدامها، لأنها عجزت عن تغييب الوجه الاحتلالي القبيح، القامع، القائم على تشريد شعبٍ آخر، والاستيلاء على أرضه، وانتهاج سياسة تطهير عرقي، اعترفت بها الوثائق الصهيونيّة التاريخيّة ضدّ هذا الشعب.

ما كنتُ لأكتب ما كتبت، لولا شيوع تذمُّر حول ‘الظلم’ الذي يعانيه شاب من شباب ‘التحرير’ نتيجة صدور حكم عسكري ‘جائر’ بحقّه. ولولا الغصّة التي خلّفها في نفسي تصفُّح موقع مايكل نبيل سند ومدونته. فقد أثار اشمئزازي بحبه المتهالك لإسرائيل وهيامه بها. فهل يمكن أن نُصدِّق أن هناك من يكون قادراً على المزاوجة بين ترديد نداءات الحريّة مع الملايين في ميدان التحرير، وإطلاق آهات العشق لكيان مُعتدٍ غاصب؟!. أخيراً، فقد طرحت عليّ صديقة كاتبة السؤال حول إذا ما كنت أؤيد إعادة محاكمة مايكل نبيل سند. وقد أجبتها بأنني أؤيد حقيقةً ذلك، ومدنياً، ولكن بتهمة (ربما لم ينتبه إليها المشرِّع بعد)، وهي.. الخيانة الثقافيّة العظمى! [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية