في مشهد يعود بنا الى زمن الزعيم الـمـلـهـم يجلس الباجي قائد السبسي في كرسي واضـعـا ساقا على ساق وحوله الجماهير تهتف بحياتـه» الـلـه أحد الله أحد الباجي ما كيفو حد» أي ليس له مثيـل.
هذه الصورة لو حدثت قبل سنة واحدة في تونس، التي تفجرت فيها أول ثورة عربية، لقامت الدنيا ولم تقعد، لكن الكثير من وسائل الإعلام تنقل المشهد وكأنه عادي جدا، مسلطة الضوء على محبة الجماهير العريضة او الطويلة لمبعوث العناية الإلهية كما وصفه أحدهم .
هذا الذي بتنا نراه مجددا أو عدنا الى مشاهدته في بعض وسائل الاعلام التونسية يفرض علينا أن نتساءل:ما الذي يجعل الباجي يعامل هكذا من الإعلام ،في مقابل تهميش وحملات ضد المرشح الآخر محمد المنصف المرزوقي؟
قد نذهب الى الإجابة السهلة وهي أن الترويكا التي كانت تحكم لثلاث سنوات تعاقب على فشلها، لكن لماذا لم يعاقب الباجي على فشله هو أيضا وقد ترك الحكم عام 2011 ونسبة النمو تحت الصفر؟
الحديث عن هذا لا يعني الحكم ،كون الباجي قائد السبسي هو الأسوأ، و ان المرزوقي هو الافضل أو العكس، فهذا شأن آخر، لكن ما يعنينا هنا هو الحكم بكون الباجي مدعوما من اغلب وسائل الإعلام في مقابل حملة شرسة ضد المرزوقي.
قد نرجـع الأمـر لـكون الإعـلام او جـزء منـه يجد مصالحه مع حزب نداء تونس الذي يحيي الأسـاليب القديمة، اي استفـادة الجـميع من الكـعكة كل حسـب اتساع فمه وما يستطيع ان يقدمه لدعم النـظـام الجديد .
السؤال قد يطرح من زاوية نظر اخرى وهي :هل بتنا نعيش بدايات تحول من وضع ما بعد ثورة الى إعادة «رسكلة» النظام القديم وتنظيفه وإعادة تقديمه لكن بصورة اخرى غير التي كانت والتي لم تعد مقبولة، أي غلاف مزوق يظهر الديمقراطية والحريات، وباطن او مضمون هو في الحقيقة سيطرة القلة على اللعبة بالكامل.
ما يحصل اليوم في تونس هو عودة لسيطرة أصحاب النفوذ ورؤوس الاموال الذين لم يجدوا مصالحهم مع النظام الذي جاء ما بعد الثورة، وعندما نتحدث عن النافذين واصحاب الثروة نعني عودة سيطرة رأس المال وقلة من العائلات التي فقدت الكثير من مصالحها وسطوتها بعد الثورة.
أي أن «الرعاع» كما يرون صاروا يتدخلون في القرارات وصاروا في صدارة المشهد إعلاميا وسياسيا وهذا بالنسبة لهم أمـر مـرفـوض، « فالعين لا تعلو على الحاجب»ووظيفة الباجي قائد السبسي في هذه المرحلة الاولى ان يـكون الواجهة لإعادة ترتيب الوضع، أي ان الباجي ما هـو إلا وسيلة لتحقيق هذا الهدف وليس غاية في حد ذاتـه .
من هنا نجد النافذيـن يحركون «ماكيناتـهم «الجـبارة لدعمه في الظاهر ،لكــن الـحقيقي انهم يدعـمون انفسهم ويرتبون الأمور من جــديد، لكن ليـس من الممكن طرح او فرض سيناريو كما حــصل فــي مصر لذا كان الأسلوب مختلفا لكن الهدف واحــد.
تفعيل كل هذا يتطلب ارساء أرضية للبناء، وبالطبع لا يمكن ان يحصل الا عبر الديمقراطية التي فرضتها الثورة، لذا كان الخيار على تجييش الشارع مع الباجي قائد السبسي وطرحه في صورة الأب الحنون والمنقذ ورجل الوفاق والمرحلة.
في مقابل تكريس للمرزوقي او لصورته كما لو أنه فوضوي وأحيانا «مشكوك في مداركه العقلية» أي انها قمة العنف والتشويه وغسل الأدمغة .
محمد عبد المؤمن- :صحافي من تونس