ألاعيب الذاكرة والحقيقة والأوهام في مسرحية «اعترافات زوجية» في دمشق

زينة شهلا
حجم الخط
0

«إدخل إدخل، أهلاً وسهلاً بك في منزلك. لتكن الخطوة الأولى بقدمك اليمنى». تفتتح لينا بهذه الكلمات مسرحية «اعترافات زوجية» على خشبة مسرح القباني في دمشق وهي تمسك بيد زوجها جمال لتتولى توجيهه داخل تفاصيل منزلهما، ولتقود المشاهدين في رحلة داخل غياهب الذاكرة تمتد حوالي ساعة من الزمن.

خلال النصف الأول من العرض، تحاول لينا «الممثلة رنا جمول» إعادة الذاكرة لجمال «الممثل مالك محمد»، الذي تعرّض لحادث نسي على إثره كل تفاصيل حياته الماضية. تعيد تعريفه بأريكته المفضلة رغم اهترائها، ومصابيح المنزل المعطلة التي كان يرفض تبديلها، والمكتبة المليئة بالكتب، التي يعلوها غبار كان يمتنع في ما مضى عن إزالته.
بعد بضعة مشاهد، نتعرف إلى مهنة جمال الساحلي، فهو كاتب قصص بوليسية ومسلسلات تلفزيونية ومقالات نقدية، ورسام تشكيلي أيضاً. لا يبدو تذكّر كل ذلك سهلاً بالنسبة له، لكن لينا تستمر في محاولاتها، وتحكي له المزيد عن تفاصيل شخصيته المحببة إليها، فهو محب ومخلص، لا تعرف الغيرة لقلبه طريقاً، يستمتع بمرافقتها ساعات طويلة في شوارع ومقاهي ومحال المدينة، وشراء ما يراه ملائماً لها وجميلاً عليها من ملابس ومستحضرات تجميل. تفاصيل ترسم على محيا جمال بعض الاندهاش. «هل أنا حقاً هذا الشخص اللطيف؟ لماذا أشعر بأنه لا يشبهني؟ هل أنتِ متأكدة من أننا كنا زوجين سعيدين؟» ينهال عليها بالأسئلة في مشاهد متعاقبة تتخللها فواصل قصيرة تنخفض فيها الإضاءة ويستمع الجمهور لصوت آلة البيانو، ويشاهد الزوجين وهما يخلعان في كل مرة قطعة من ملابسهما وكأنها طبقة أخرى من الذكريات.

بعد بضعة مشاهد، نتعرف إلى مهنة جمال الساحلي، فهو كاتب قصص بوليسية ومسلسلات تلفزيونية ومقالات نقدية، ورسام تشكيلي أيضاً.

وفي خضم هذه الأسئلة والأحاديث، تراود لينا الشكوك بأن زوجها يكذب عليها، فهو لم يفقد الذاكرة على الإطلاق، وإنما يدّعي ذلك في محاولة منه للوصول لهدف لا تعرفه، وهنا يدخل المشاهد في مرحلة أخرى من العرض، مرحلة الاعترافات الصريحة بين الزوجين بدون أي مواربة، وأيضاً الاتهامات المتبادلة التي لا تنتهي إلا باستسلامهما التام.

فجمال فعلاً ما زال محتفظاً بذاكرته رغم تعرضه لضربة على الرأس قبل حوالي أسبوعين، وهو يستغرب تلك الشخصية التي حاولت زوجته إقناعه بها: «من هذا الذي كنت تعيشين معه كل تلك التفاصيل؟ لماذا تصرّين على إعادة نحتي وتشكيلي على هيئة الرجل الذي تريدين أن يكون زوجك، والذي يبدو بأنه مثالي ولا يشبهني على الإطلاق؟». وقد تقصّد الزوج الدخول في هذه اللعبة ليصل إلى تفصيل واحد يعجز عن تذكره: كيف وقعت الحادثة في تلك الليلة بعد عودته للمنزل متأخراً.
أما لينا، فكانت ترغب بتغيير تفاصيل حياتها المتعبة مع جمال، والتي وصفتها في إحدى عباراتها بأنها «جحيم تحبه ولا تقوى على الحياة من دونه»، فهو نرجسي لا يهتم سوى بنفسه وعمله وعلاقاته وشهرته، حتى أنه كان يهدي بعض كتبه لنفسه، ويمنع زوجته من ممارسة شغفها بالرسم بشكل علني. كما كانت تحاول إخفاء كل ما يتعلق بتلك الليلة التي كان من المفترض أن يحتفلا فيها بعيد زواجهما العشرين، لكن عودة جمال في الثانية صباحاً بعد سهرة مع أصدقائه وصديقاته، وتناول لينا كمية كبيرة من المشروبات الكحولية التي اعتادت عليها في الآونة الأخيرة، دفع بها لتوجيه ضربة لزوجها على رأسه، مطلقة العنان لغضبها وغيرتها وتعبها، ولينتهي بهما الأمر في المشفى. وبعد سلسلة الاتهامات والاعترافات التي يتداخل فيها الماضي والحاضر وحتى المستقبل، يعود الهدوء للخشبة. يقرر الزوجان ممارسة طقوس حياتهما المعتادة فيجلسان لمتابعة التلفزيون، وتتوصل لينا إلى نتيجة مفادها «أنتَ بتحب حالك، وأنا بحب حالك. نحنا الاثنين منحب الشخص نفسه، إذن متفقين»، في وصولها لليأس المطلق، والذي لا يصعب على المشاهد أن يلمح تعابيره واضحة على وجهها المنهك.

عملت عكاش على تعديل المشاكل المطروحة بين الزوجين لتتلاءم وتناسب الواقع السوري، «فاختزلتُ منها واستعضتُ عنها بما يشبهنا ويشبه تركيبة مجتمعنا».

نص مترجم للاحتفال بيوم الثقافة

مسرحية «اعترافات زوجية» التي اختتمت آخر عروضها يوم الجمعة، هي مقاربة سورية لنص المسرحي والمخرج الفرنسي إيريك إيمانويل شميت، من إخراج مأمون خطيب ودراماتورجيا آنا عكاش وموسيقى إياد جناوي وسينوغرافيا نزار البلال وريم الشمالي.
في حوار مع «القدس العربي»، يوضح مخرج العرض مأمون خطيب بأن اختياره لهذا النص المترجم جاء رغبة منه بالاحتفال بيوم الثقافة الذي تحييه وزارة الثقافة السورية في شهر ديسمبر/كانون الأول وذلك بنص عالمي، لكن في الوقت ذاته بصيغة مكثفة تناسب المجتمع السوري وبلغة مسرحية محكمة وقريبة للجمهور في الوقت ذاته، وهو ما تم بالتعاون مع الدراماتورج آنا عكاش. ويمثل النص وفق حديث خطيب «شرحاً مباشراً لما يحدث داخل الأسرة السورية اليوم، وتوضيحاً لأسس وطبيعة العلاقة الزوجية، وحفراً داخل عوالم الأزواج. إنه أشبه بسيرة حياة يومية مجسّدة بتفاصيل حياة زوجية». ورغم أن اختيار مسرحية «اعترافات زوجية» يأتي في إطار رغبة المخرج بالابتعاد عن سياق الحرب السورية، التي عالجها في العديد من أعماله السابقة، إلا أن للحرب أثرها الذي لا يمكن إنكاره على العلاقات الأسرية داخل المجتمع السوري، وهو ما تجسّد ضمن المسرحية بعمق المشاكل الزوجية وآثارها، «فالضغط الذي يولّد هذا العنف ليس نتيجة ضغوطات الحياة الزوجية فقط وإنما بسبب كل ما تعيشه البلاد وما مرّ به السوريون خلال السنوات الفائتة»، يضيف خطيب الذي يعمل في مجال الإخراج المسرحي منذ أكثر من عشرين عاماً.
وعن دراماتورجيا العرض تحدثت الكاتبة والمخرجة آنا عكاش لـ»القدس العربي»، حيث أشارت إلى العديد من التغييرات التي أدخلتها على النص أثناء إعداده: «بنية النص المترجم دائرية حيث يتكون من مجموعة من الأحداث على شكل دوائر متتالية تسمح في بعض الأحيان بالتنبؤ بالحدث المقبل. كي أعمل على الحفاظ على عنصر المفاجأة وأيضاً أختزل مدة العرض من ساعتين إلى حوالي الساعة، اختصرت تلك الدوائر بدائرة واحدة».
إضافة لذلك، عملت عكاش على تعديل المشاكل المطروحة بين الزوجين لتتلاءم وتناسب الواقع السوري، «فاختزلتُ منها واستعضتُ عنها بما يشبهنا ويشبه تركيبة مجتمعنا». جهد بدا واضحاً في مختلف مفاصل المسرحية وحواراتها، التي شعر المتابعون بأنها جزء من يومياتهم وحياتهم. إثر انتهاء العرض، وعلى باب غرفة فريق العمل في كواليس المسرح، كان بعض الحضور يرغبون بسؤال المخرج والدراماتورج: «هذه فعلاً يوميات زوجية تشبه حياتنا في سوريا إلى حد كبير، فكيف لنا ألا نقع في فخ تلك الألاعيب التي رأيناها على الخشبة بين لينا وجمال؟»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية