في الفترة الممتدة بين 14/04/2023 و 02/07/2023 وتحت عنوان «ألبرتو جياكوميتي وسلفادور دالي: حدائق الحلم» يعيد متحف الفن في زيوريخ تقديم عرض ثانِ، قُدِّمَ أولاً في معهد جياكوميتي- باريس مطلع العام الحالي.
في زيورخ يُسلَّطُ متحفها الضوء من جديد على تجربةً غنية ابتكر من خلالها جياكوميتي طريقةً جديدة لتَصَوُّر الفن، طريقةً نظرت إلى العمل الفني ككائن، عندما علَّقَ جياكوميتي الرغبة الجنسية وكأنه يثبِّتها في الفضاء، مبتعداً بتجاربه الفنية عن الأفكار التقليدية، فيما يقدم السريالي الكتالوني سلفادور دالي أعماله الفنية التي صدمت المُشاهد بمواضيعها وتشكيلاتها، يضاف إلى ذلك طُرُقه الغريبة في تعليقاته وكتاباته التي وصلت حدود اللامعقول والاضطراب النفسي.
ابتداءً من عام 1929 تلاقحت أفكار الصديقين جياكوميتي ودالي، لإبداع طرق جديدة في تصميم «حدائق الحلم» التي نسفت تصورات ومخططات تصميم الحدائق، من خلال ربطها بتحليل نفسي للرغبة الجنسية، متأثرَيْن بحدث مفصلي وقع في «سينما لوبانتيون» تحت تأثير الأشعة تحت الحمراء، عندما تم عرض الفيلم القصير «كلب أندلسي» لأول مرة في يونيو/ حزيران 1929، الذي أخرجه ومَثَّلَ فيه المخرج التشيلي لويس بونويل، وتم تنظيمه في منزل الفيكونت شارل وزوجته ماري لور دو نواييه في باريس. وقتها اقتصر الحضور على المدعوين فقط لأنه استهدف جمهوراً من الفنانين والمثقفين، وكان تنظيم قائمة الحضور من اختيار كل من الكاتب الفرنسي ميشيل ليريس والباحث الأنثروبولوجي الفرنسي جورج هنري ريفيير، بينما كان من بين المتفرجين الفنان السويسري ألبرتو جياكوميتي، الذي جلس مع الزوجين ليريس، والشاعر السريالي روبرت ديسنوس وجورج باتاي الفيلسوف والمفكر الفرنسي المهتم بشؤون الأدب والأنثروبولوجيا وتاريخ الفن، بالإضافة إلى السرياليين سلفادور دالي وغالا إيلوار والفنان السويسري جان إيف تينغالي وبول إيلوار وأندريه بريتون. بعد عرض الفيلم، انقسم الحضور بين من أغراهم تنظيم القسوة السادية، ومن اختلطت لديهم مشاعر النفور، الكراهية، الشهوة والفوضى السياسية التي أثارها مرةً أخرى لويس بونويل وسلفادور دالي، بعد حضور معرض سريالي مرتبط بالفيلم، الأمر الذي أدى إلى حظر الفيلم ومصادرته.
تأثرت المجموعة السريالية بعمق بسبب تلك الفضيحة وتبِعات الثرثرة التي أُثيرت حوله، ما جعلهم يعزلون مجموعتهم بالفيلا العائدة للفيكونت شارل وزوجته جنوب فرنسا ليستمر الجميع في تكريس الوقت لاهتماماتهم الحداثية وليتابعوا نشاطات الفنانين الواعدين.
سنة 1932 اشترى الفيكونت وزوجته لغزا الرغبة وهما: لوحة الرسام سلفادور دالي «لعبة لوغوبريوس» ومنحوتة جياكوميتي «رأس يُحَدّق» كاعتراف – لم يسبقهما إليه أحد – بمواهب كل من دالي وجياكوميتي، علاوةً على ذلك، قام كل من شارل وماري لور بتأسيس «مجموعة عشاق أبراج الفن» بعد أن اقترحا تقديم الدعم المالي لدالي، من خلال مَنْحِه بدلاً سنوياً مقابل بعض من أعماله الفنية، الأمر الذي تزامن مع شراء الكثير من الأثاث الذي تناسب مع الرؤى الفنية السريالية للمباني التي يمتلكها الزوجان دو نواييه.

في مذكراته يتحدث دالي عن تلك الفترة: «ذات مساء وأثناء تناولي العشاء في نواييه، شعرتُ برهبة شديدة من منزل الفيكونت، بعد استغراقي برؤية لوحتي «لعبة لوغوبريوس» عندما رأيتُها متدلّيةً من سكة تعليق الصور بين أعمال الفنان الألماني لوكاس كراناش والهولندي/الإسباني أنطون واتو» بعد ذلك بوقتٍ قصير قرر الفيكونت إكمال سلسلة الأعمال الفنية التي زينت فيلا دو نواييه بمظهر مختلف تماماً، فاستعان بالنحات السويسري ألبرتو جياكوميتي الذي بدأ على الفور بالعمل اعتباراً من العام ذاته، مدوناً الكثير من التفاصيل في دفاتر ملاحظاته، حيث عمل على عدة تراكيب في الوقت نفسه: عمل نحتي بطول (أكثر من مترين) مجموعات من اثنين، أو ثلاثة أشكال منمنمة، بالإضافة إلى مجموعة من عدة أشكال أخرى مجردة، بينما اختار الفيكونت الفنانَ أندريه ماسون – الذي زار الفيلا في (هيير) في مارس/ آذار 1930- المكانَ المناسب لوضع المنحوتات، ما لبث بعدها الفيكونت أن أرسل بعض الصور لموقع عمل جياكوميتي، الذي كان يقضي عطلته الصيفية في منزل الأسرة – قرية بورغونوفو- سويسرا، حيث شكل نموذج الجص لثلاث شخصيات في حقل يقع في قرية مالوجا – أوبر إنغادين – كانتون غراوبندن السويسري، حيث تظهر إحدى الوثائق الفرنسية المشارِكة في معرض زيوريخ، رسالةً من جياكوميتي إلى عائلته جاء فيها: (اليوم وفي الساعة الثانية بعد الظهر ، ذهبتُ إلى منزل الفيكونت دو نواييه وكنتُ سعيداً بالاحترام الذي أحاطني به ، لقد وضع منحوتتي «رأسٌ يُحَدّق» في مكان جميل بالقرب من لوحة بيكاسو ولا شيءَ آخرُ أقلَّ من ذلك).
سنة 1932 وبعد إنجاز منحوتات جياكوميتي الثلاث، نُشِرَتْ صورها في مجلة «مينوتور» المجلة ذات التوجه السريالي التي أسسها ألبرت سكيرا وإي تيرياد في باريس، نُشِرتْ عدة مقالات فيها عن الجوانب الباطنية وغير العادية للأدب وتاريخ الفن المتصل بدراسات التحليل النفسي، والجوانب الفنية للأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا، فتشرت المجلة أيضاً نسخاً عالية الجودة لثلاث شخصيات تخرج من الأرض تمثل بأحجامها وسماتها، امرأةً، رجلاً وطفلاً، وقتها قام جياكوميتي بتصميم نموذج من الجبس على شكل مربع يوضع على العشب في مدخل منزل الفيكونت وزوجته في باريس، وعلى الرغم من أن الزوجين دو نواييه فُتِنا بغموض النماذج، وصورها الظلية، إلا أنهما اختارا أخيراً الحفاظ على الشكل المركزي للمجموعة فقط. في أغسطس/ آب 1933 وبمساعدة مهمة من شقيق ألبرتو، النحات دييغو جياكوميتي، قام ألبرتو جياكوميتي بعدة زيارات إلى «فيلا هيير» التي تعود ملكيتها للزوجين دو نواييه، للنحت هناك ووضع اللمسات الأخيرة لعمل ضخم لحجر قادم من بورغندي أحد أعظم المراكز الأوروبية للفنون والعلوم والمنطقة التاريخية التي كانت ذات يوم موطناً لدوقات بورغندي، في الفترة الممتدة من أوائل القرن الحادي عشر حتى أواخر القرن الخامس عشر. بدوره وعلى طريقته الخاصة رسم سلفادور دالي العديد من اللوحات المرتبطة بالرغبة الجنسية وقدمها للفيكونت شارل وزوجته، لاسيما تركيبه الرمزي «فردة حذاء وكأس حليب» الذي أنجزه دالي مستخدماً خيطاً، فردة حذاء نسائي جلدي ملونةً بالأحمر، ورقاً ومواد أخرى سنة 1931 وعمله الزيتي المهم «ثلاث شابات سرياليات يمسكن بأيديهن جلود الأوركسترا» الذي أنجزه دالي سنة 1936 بالإضافة إلى لوحته الشهيرة «الزرافة المحترقة» الذي نفَّذه بألوان زيتية على خشب سنة 1937.
يركز متحف زيورخ أيضاً على حدث مهم، لا بد من الإشارة إليه هنا، وهو توديع عمل جياكوميتي «الكرة المعلقة» الذي سيتم إتلافه أصولاً نهاية العام الحالي وذلك بسبب تفاعل المادتين الرئيسيتين في تصميمه وهما المعدن والجبس، الأمر الذي أدى إلى تشقق الجبس من الزاوية اليمنى لقاعدة العمل، وبالتالي عدم صلاحيته للعرض، مع ذلك سيبقى عمل «الكرة المعلقة» بسكيتشاته ووثائقه المدهشة مُعلَّقاً بالذاكرة أيضاً. العمل المنجز سنة 1930 وتعود ملكيته لمتحف الفن في بازل اعتباراً من سنة 1965، عبارة عن كرة خشبية مُعَلَّقة مع أخدود أنثى بواسطة وتر كمنجة رفيع، لتحريك حلم من يشاهدها، يولد شعوراً بالتفاعل غريزياً مع تلك اللمسة التي تبدأ بانزلاق الكرة في تجويف الهلال، لكنه يسمح بذلك جزئياً فقط ودون لمس قاعدة المنحوتة. بالنسبة لجياكوميتي كان النحت قائماً على الرغبة في الأفعال النابعة من اللاوعي والتخيلات الجنسية، لذلك فهي «غير مرئية» لأنه يقترب بشكل يختلف فيه كل شخص عن الآخر بتخيلات غريزية.
كما يعرض المتحف وثيقتين مهمتين أولهما رسالة من أندريه بريتون إلى ألبرتو جياكوميتي مؤرخة في الثاني من فبراير/ شباط 1934 يحذره فيها من الوقوع في فخ الواقعية، خصوصاً بعد علمه بتعاون سلفادور دالي مريده المخلص مع ألبرتو جياكوميتي. أما الوثيقة الثانية فهي قرار بفصل ألبرتو جياكوميتي عن الحركة السريالية كتبَ بخط اليد، ووقع عليه أندريه بريتون بتاريخ الرابع عشر من فبراير 1935.على الرغم من تعاون دالي مع جياكوميتي فقد بقي سلفادور دالي وفياً للسريالية ولأندريه بريتون حتى وفاته في الثالث والعشرين من يناير/ كانون الثاني 1989. بينما فضَّل ألبرتو جياكوميتي استقلاليته من خلال تحريك منحوتاته وبقي وفياً لنهجه الذي يختصره عمله العالمي المدهش «الرجل الذي يمشي».
كاتب سوري