ترجمة: سعيد بن الهاني
نشر فرانز فانون سنة 1952 كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، عن منشورات سوي، داخل سياق الكفاح ضد الاستعمار، بمقدمة لفرانسيس جانسون. وفي سنة 1961 صدر له عن دار نشر فرانسوا ماسبيرو، كتاب بعنوان «المعذبون في الأرض»، كتب مقدمتة جان بول سارتر، وكان صدى نجاح الكتابين مدوّيا.
بين هذين العملين المتميزين بدأ الكاتب ألبيرت ميمي سنة 1956 نشر سلسلة مقالاته حول طبيعة العلاقة بين المُستعمَر والمُستعمِر في مجلتي «الأزمنة الحديثة Les Temps Modernes» و «روح Esprit» ؛ وهي مقالات نشرت سنة 1957 في كتابه «بورتريه للمستعمَر» عند دار نشر جون جاك بوفير، وبمقدمة كتبها جان بول سارتر، وأعيد نشرها سنة 1961 عند غاليمار.
يُبيّنُ لنا جيّدا هذا التدرج التعاقبي في الإصدارات الدَّيْن الفِكري تجاه فانون، الذي حاول ميمي، بدون جدوى، التقليل منه إلى أدنى حد في نصه «هوامش لفرانز فانون ومفهوم النقص» المنشور سنة 1968 ضمن دراسة بعنوان «الإنسان المسْتَعْبَد». يقول البيرت ميمي في كتابه هذا: «يجب القيام هنا حتما بمقارنة بين كتابي بورتريه للمستعمَر وبشرة سوداء، أقنعة بيضاء، لكننا سنستنتج بسهولة أن كتاب فانون هو ليس بعد عملا سوسيولوجيا، ولكنّه في المقابل عمل يقوم به الفينومينولوجي والطبيب النفسي. وبأسطر قليلة قَبْل هذا الكلام، قدم ألبيرت ميمي حجّة غير مُقنِعة، لكي يتنصّل من هذا الدَّيْن قائلا: «ما عدا كتاب بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، كل أعمال فرانز فانون ظهرت بعد كتابي بورتريه للمُسْتَعْمَر». وتجدر الإشارة هنا إلى أن جوهر هذه الخطوة التي تقتضي بتفكيك الإواليات الاستعمارية، يوجد بالضبط في كتاب «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء». هذا النص كُتِبَ بالتأكيد بأسلوب متحمّس، بل مُلتهِب، ولكنه لا يخلو من بعد تحليلي رصين وواضح المعالِم لا تشوبه أيّ تنازلات.
إن أعمال ألبيرت ميمي لها جمهور أقل مما تحوزه أعمال فرانز فانون، لأسباب عديدة وموضوعية، أحدها، وليمكننا اعتباره من أهمها، هو أن الأول يتحدّث عن وضع المضطهَدين، بانطلاقه من عمق التّجارب الفردية، بينما الثاني ينسج، بوعي سياسي حاد، العلاقة بين التجارب الفردية والتجارب التاريخية.
في الواقع لم ينهج الرجلان السبيل نفسه، ولم يسعيا إلى الهدف نفسه، ولم تكن لديهما، رغم الاهتمام المشترك لأجل المستضعَفين، الإنشغالات نفسها.
ألبيرت ميمي المولود في أسرة تونسية يهودية، هو روائي وسوسيولوجي. لقد كان بقوة الأشياء مهتمّا بوضعه كيهودي من الدياسبورا والأقلية، بدون أن ينخرط بالضّرورة في شعائر الديانة اليهودية، حيث كان يفضل استعمال مفهوم «اليهودانية» La judéité.
إن روايتيه «تمثال المِلح» و«هَجر» ودراستيه «بورتريه لِيَهوديّ» و«تحرير اليهودي»، كلاهما يشهدان على ذلك، لكن في روايته «العقرب» يبدو أن البحث عن الأصول كان مصيره الفشل. وهنا أود أن أشير الى جانب سيرذاتي لا يمكن طمسه، رغم أن المهتمين بأعمال ميمي يغضون عنه النظر: لقد كان ألبيرت ميمي عضوا في تنظيم الشباب الصهيوني المسمّى هاشومير هتزاير (الحارس الشاب) وهدفه الجوهري تكوين شباب يهود ضمن الأيديولوجيا الصهيونية اليسارية، لكي يتم إرسالهم بعد ذلك إلى الكيبوتسات (المستوطنات الزراعية). وكان البيرت ميمي من جهة أخرى محبطا (بعد مرور بضع سنوات من انخراطه في هذه المجموعة) لعدم تَمكُّنِه على الذهاب للتدريس في شعبة الدراسات الفرنسية في الجامعة العبرية في القدس، بسبب خصومته مع أ. ب. دوف، مكلف باستقطاب جامعيين يهود من فرنسا من أجل مناصب في إسرائيل، الذي منعه من ذلك.
أما فرانز فانون فقد ولد في أسرة من جزيرة المارتينيك من الطائفة الكاثوليكية. درس الطب في فرنسا ليصبح في ما بعد طبيبا نفسيا. فقد انخرط بسرعة في المقاومة ضد الاستعمار على المستوى الدولي، حتى إن كان التزامه في جزء كبير منه قد خُصّص للصّراع من أجل حرب التحرير الجزائرية. لقد ناضل إلى جانب شبّان شيوعيين، بدون أن ينخرط معهم كعضو في الحزب الشيوعي. لم يتوقف عن المقاومة خلال مدة حياته المكثفة والقصيرة ضد كل أشكال الحرمان الذاتي. كان هدف شرعنته للعنف المؤقت ضد المُستعمِر، هو تحرير العقول من المنظومة الكولونيالية؛ شرعنة برّرها السّياق التاريخي والسوسيو سياسي لحقبته، الذي كان يتضمن مقاومة قوية ضد الإمبراطوريات الاستعمارية.
أراد منتقدو فانون (بالخصوص في فرنسا) بدون جدوى أن يجعلوا منه مدافعا متحمّسا عن العنف. وجب القول بأنّ تحليلاته لقيت صدى إيجابيا، في مختلف بقاع العالم، أكثر مما لقيته تحليلات ألبيرت ميمي. لم يكن فانون رجل النظريات الكلية الصّرفة، بل إنه رجل متمرّد ضد إواليات القمع، عُرف بالتزامه شخصيا في معارك حقبته، بدون أن يحبِس نفسه في صراع «إثني». إذ أن بُعده التّحليلي كان مهما لأن مرجعيته كانت مستقاة من تراث المضطهَدين، ولغة الوعي الثوري. يُظهِر عنوان كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» صورة جيدة للمحاكاة والإخفاء الخاصين بالكائن المُسْتعمَر. ومن ثم، تظهر أهمية النزعة المحاكاتية كمفهوم إجرائي في أعمال فرانز فانون، كما في أعمال ألبيرت ميمي، لكن بالنسبة لهذا الأخير فهي تبدو أكثر محدودية، حيث انه درَس هذه الإشكالية خاصة (وليس فقط) في علاقتها بصورة اليهودي المندمج.
تشتغل النزعة المحاكاتية هنا بطريقة كنائية ما دامت تُبرز في جزء منها وهْمَ التَّشابه مع المستعمِر، وهي مختلفة عنه رغم ذلك. فالمستعمِر يُشبه للمستعمَر بواسطة التماهي، وفي أحد المواقف أو أنماط التفكير، مع الحفاظ على اختلافه عنه بواسطة مظاهر أخرى مرتبطة بوضعه التاريخي، وبالشّيفرات الثقافية الخاصة بمجتمعه.
إن أعمال ألبيرت ميمي لها جمهور أقل مما تحوزه أعمال فرانز فانون، لأسباب عديدة وموضوعية، أحدها، وليمكننا اعتباره من أهمها، هو أن الأول يتحدّث عن وضع المضطهَدين، بانطلاقه من عمق التّجارب الفردية، بينما الثاني ينسج، بوعي سياسي حاد، العلاقة بين التجارب الفردية والتجارب التاريخية. فَقَلب الاثنين يميل إلى اليسار، لكن كان الفرق كبير بينهما في درجة الشجاعة والالتزام بالدفاع عن قضية المستعمَرين.
المصدر: جريدة «الرأي»المغربية الصادرة باللغة الفرنسية