ألعاب خطرة

حجم الخط
0

عزت القمحاوي

إضافة إلي كونه صديقا جيدا ـ عندما تجده ـ من مميزات نبيل عبدالفتاح أنه كاتب بحّاثة، يعمق الحفر في منطقة نذر نفسه لها مقالاً بعد مقال، وكتاباً بعد الآخر. وعندما تقوم القيامة، قيامة مصر أعني، سيكتشف من يبعثون من تحت هذا الخراب أن كل ما يجب أن يقال قد قيل، وأن كتّاب هذا البلد لم يقصروا ونبيل عبدالفتاح من بين طليعتهم التي لم تعرف المزاح أو المراوغة فيما يتعلق بمستقبل مصر.

نبيل في كتابه الجديد بعنوان الإسلام والديمقراطية والعولمة الذي صدر عن مركز القاهرة لحقوق الإنسان يحاول قراءة الواقع السياسي المصري الحالي، الذي يقف فيه المجتمع بين سندان الفساد ومطرقة الحاكمية الدينية، وعلاقة هذا الواقع بالعولمة التي أيقظت الروح التبشيرية لدي كل الأديان، سعياً إلي تغطية الكوكب، كما تصنع القوي العسكرية والاقتصادية؛ إذ لم تكن العولمة كحركة توحيد للعالم وتفكيك لبنيات الدول القومية، بعيدة عن مشروعات الأديان الكبري، وخصوصاً الإسلام والمسيحية. وكان الواقع جاهزاً للاستجابة لكل من جماعات العنف وجماعات الدعوة بالموعظة الحسنة علي السواء. سهولة الاتصال وخصوصاً مع شبكة الإنترنت هيأت الساحة، كما أن المسلمين صاروا منتشرين خارج الخريطة الإسلامية التاريخية، ففي دولة مثل فرنسا أصبح الإسلام الديانة الثانية في عدد الأتباع، وأصبحت العادات الإسلامية، كالحجاب وذبح الأضاحي في العيد مثار جدل في المجتمع الفرنسي.

وكانت المحاولات القسرية للقضاء علي الإرادات الوطنية باباً آخر لدي جماعات العنف السياسي لإثبات أن الإسلام مستهدف من الغرب الصليبي، وكانت عمليات القاعدة ضد أهداف أمريكية مؤشراً علي هذا التحول، الذي كانت ذروته تفجيرات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001. وأصبح عمل هذه الجماعات في أساسه يصب ضد الولايات المتحدة بدلاً من النخب الحاكمة في الدول العربية والإسلامية.

وكانت الجماعات الموصوفة بالاعتدال جاهزة هي الإخري لنشر رسالتها الدعوية مستفيدة من وسائل الاتصال الحديثة، وما يسميه نبيل عبد الفتاح إمكانيات التشبيك أي ظاهرة شبكات وجماعات حقوق الإنسان التي وفرت نوعاً من الحماية للمعارضات الدينية والسياسية في مواجهة الأنظمة التسلطية.

كما استفادت هذه الجماعات من ضغوط جماعات العنف علي النخب التسلطية، فهذه الأخيرة، وفي مبادرة تريد من خلالها التأكيد علي أنها ضد العنف لا الإسلام سمحت للجماعات المعتدلة بالتمدد وعرض خطابها المعتدل. ويري نبيل عبدالفتاح أن هذه الأسباب كانت وراء نجاح الإخوان المسلمين المصريين في خرق آليات وضوابط حجب الشرعية، بالإضافة إلي استفادة الجماعة من إمكانيات التظاهر والاحتجاج التي صارت ممكنة علي يدي حركة كفاية وكانت النتيجة التي رأيناها في انتخابات مجلس الشعب، وقد لاحظ الجميع القدرة التنظيمية للجماعة وأخذها بأساليب العلم الحديث في الحشد وفي إتاحة البيانات، حتي أن أنصارها بأجهزة الكمبيوتر المحمول أمام لجان الانتخاب كانوا أكثر كفاءة في إرشاد الناخبين إلي مقار لجانهم من أجهزة الحكومة وحزبها الحاكم. وقد حصل الإخوان علي ربع مقاعد المجلس، وكان بإمكانهم الحصول علي المزيد إلا أن ذكاءهم التنظيمي شاء ألا يستثير النظام بنسبة أعلي!

ولم تكن هذه الكفاءة الإجرائية هي كل مظاهر استجابة الإخوان لظرف العولمة، بل إن هذه الاستجابة بدت واضحة في إنشاء مركز سواسية لحقوق الإنسان، وفي الطروحات حول الحرية والديمقراطية والمرأة، المتقدمة علي طروحات مؤسس الحركة.

علي الجانب الآخر من المعادلة، تبدو العلاقة بين الدولة والدين في مصر علاقة مركبة وشديدة التعقيد. ولايمكن النظر إلي اصلاح دستوري دون التفكير في واقع هذه العلاقة التلفيقية التي تحكم تصرف الدولة تجاه الحقوق والحريات الدينية وحقوق المواطنة. يعود نبيل عبدالفتاح بجذور العلاقة بين الدين والدولة في مصر إلي عصور الفراعنة، واستمرار عمليات توظيف الجماعات الحاكمة للأديان كإحدي وسائل السيطرة علي المحكومين أياً كانت طبقتهم الاجتماعية أو انتماءاتهم الدينية. ودائما ما كان انحياز الصفوة الحاكمة في مصر إلي الشريعة كمصدر أساسي للتشريع تعبيراً عن مجموعة من القوي والتحالفات السياسية بين الحاكم والقوي الدينية في مواجهة القوي اليسارية والقومية والليبرالية شبه العلمانية. وكثيراً ما استخدمت القوي الدينية لضرب القوي العلمانية. المسعي الأبرز في هذا الخصوص كان للسادات عقب إطاحته بخصومه في مجلس قيادة الثورة. ولايقف اللعب بالنار عند حدود تأجيج الصراع بين قوي إسلامية، ومسلمين شبه علمانيين، بل باللعب في الملف الطائفي، وهذا اللعب لم يبدأ مع السادات كما قد يتصور البعض، فهذا اللعب يصبح ممكناً كلما وهن العقد الاجتماعي لوحدة الأمة المصرية، ويعيد نبيل عبد الفتاح التذكير بتحريض القصر قبل الثورة لبعض منظمات الشباب القبطي الجامعي للضغط علي حزب الوفد. وفي هذا الملف أيضاً قالت العولمة كلمتها في شكل بروز دور أقباط المهجر كإحدي جماعات الضغط علي نظام لايمتلك رؤية واضحة وإنما يعمل بأسلوب المسرح المرتجل، ويتخذ من المواقف ما يتناسب مع الظرف، وما يضمن بقاءه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية