«ألف ليلة وليلة» الجديدة: هل يمكننا أن نصبح مقاومين صالحين؟

تبدو مؤسسات متعددة في الدولة العراقية، ومنها رئاسة الجمهورية ومجلس النواب، مشغولة في الآونة الأخيرة بمسائل يمكن وصفها بالإشكالية، وعلى رأسها تعديل «قانون مكافحة البغاء» الصادر عام 1988، ليصبح «قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي». الإشكالية لا تأتي من تعبير «الشذوذ الجنسي» وضرورة «مكافحته» بحد ذاتهما، وإنما من الحالة العراقية نفسها، وهي شديدة الدلالة عربياً: يبدو العراق متداخلاً في صراع إقليمي ضخم، أطرافه دول كبيرة، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وتمتلئ أراضيه بالميليشيات غير المنضبطة، متعددة الولاءات، والتي ترى أنها تحمل لواء «مقاومة» ضد الاستكبار العالمي، فيما تعاني أغلبية المواطنين من مشاكل اقتصادية واجتماعية وبيئية، تكاد تجعل استمرار الحياة في البلد غير ممكن. تجد الدولة، وسط كل هذا، أن من أهم واجباتها ضبط سلوكيات العراقيين، ومنها أداؤهم الجنسي والجندري، وطريقة تعبيرهم عن أنفسهم. قد يحمل هذا مغزى أخلاقياً مهماً لكثيرين، لكنّه سياسياً يطرح أسئلة متعددة عن فهمنا للسلطة الحديثة، وتضمينها في أجهزتها لتصوراتنا عن الأخلاق.
يدفع المثال العراقي أيضاً للتفكير في المشاريع الاجتماعية والسياسية لهذا النوع من الدول، ما الوعود التي تقطعها لشعوبها؟ وما الوظائف التي يمكن أن تنشأ بناءً على تلك الوعود؟ بالعودة إلى ديباجة الدستور العراقي، المقرّ عام 2005، نجد حديثاً عن «وادي الرافدين، موطن الرسل والأنبياء، ومثوى الأئمة الأطهار، ومهد الحضارة، وصناّع الكتابة، وروّاد الزراعة، ووضّاع الترقيم» وأنه «استجابةً لدعوةِ قياداتنا الدينية، وقوانا الوطنية، واصرارِ مراجعنا العظام، وزعمائنا وسياسيينا» قرر العراقيون المضي قدماً «لبناء دولة القانون» و»تحقيق العدل والمساواة، ونبذ سياسة العدوان، والاهتمام بالمرأةِ وحقوقها، والشيخ وهمومه، والطفل وشؤونه، وإشاعة ثقافة التنوّع، ونزع فتيل الإرهاب». بالتالي نحن نتحدث عن بلد، ينطلق من تراثه الحضاري والديني الغني، الأعرق في العالم ربما، لبناء مستقبل مزدهر، يحترم «التعددية» حتى لو كان ذكرها مرتبطاً بـ»المرجعيات» و»الأئمة الأطهار». الدولة تمتلك تصوراً حضارياً وثقافياً، وتسعى للحفاظ عليه، ووعدها هو استعماله لتحقيق الخير لعموم المواطنين. بالتالي فهي تمتلك الحق في تطويع أجساد العراقيين، بما يتناسب مع ماضيهم ومستقبلهم المنشود، وإذا ارتأت الدخول في أي مشروع أو معركة، فهي تفعل ذلك بما يتناسب مع القيم والوعود، التي ألزمت نفسها بها.
لا داعي للقول إن هذا الطرح غير مقنع في العراق على الإطلاق، فالدولة قادرة نسبياً على قمع وتطويع كل سلوك لا يناسب «حضارتها» و»مرجعياتها» لكنها لا تقدّم شيئاً في المقابل، ولم توصل إلى الازدهار أو حتى احترام القانون. ما الذي تبقّى باستثناء ممارسة عنف اعتباطي إلى حد كبير؟ وعلى أي أساس تستمر هذه الدول الراعية للأخلاق؟

الجنود والعمّال

حاول نقّاد معاصرون كثيرون تفكيك «الروايات المؤسِّسة» للدول القومية الحديثة، بهدف تخفيف هيمنتها وعنفها عن فئات متعددة في المجتمع. وزعم عدد منهم أن تلك الدول في جوهرها «آلات حرب» تبنى جماعات سياسية معيارية، عبر إقصاء أفراد وجماعات وهويات كثيرة أخرى. كانت معظم الدول، في شروط القرنين الماضيين، بحاجة لأعداد كبيرة من الجنود والعمّال، لتحقيق مشاريعها المتعددة، ولذلك قامت سياساتها على توفير مستوى معيّن من الحياة، يُحدّد كثيراً من الشؤون الحيوية للبشر: الولادات والوفيات والصحة والسلوك الجنسي والمفاهيم الأخلاقية؛ كما بنت جزءاً كبيراً من معارفها، الضرورية لتحقيق تلك السياسات، على أساس جمع الناس ورقابتهم في مؤسسات مسوّرة، مثل المصانع والمستشفيات والمدارس. لم تقمع تلك الدول فحسب إذن، بل أنتجت أجساداً وثقافات ومعايير، وكذلك أمّنت، إلا في الحالات الأكثر شمولية، إمكانية الاعتراض والنقد، من داخل ما بنته من أطر.
لا يبدو كل هذا مشابهاً للحالة العربية المعاصرة، لدينا دول ذات سياسات حيوية فاشلة عموماً، لا تنجح في تحقيق الحد الأدنى المطلوب لاستمرارية رعاياها، وتتركهم تحت رحمة وقائع، قد تصل إلى حد الجوع والقتل الجماعي، وكثيراً لا يبقى أمامهم حل سوى الهرب أو النزوح من الأراضي الواقعة تحت نفوذها؛ مع ذلك، تصرّ على ضبط أخلاقهم. إنها لا تحوّلهم إلى جنود أو عمّال، ذوي ثقافة وتقليد، مرتبطين بوحدات اجتماعية مستقرّة، مهما كانت أبوية أو قمعية، وإنما إلى هوام بشري، قد يكون صالحاً لأي استخدام: احتياطي حيوي للميليشيات، يمكن تجنيد فتيانه بأجور رخيصة؛ حشد يملأ الشوارع، تأييداً أو وعيداً، أو اعتداءً على من يطالبون بأي تغيير؛ أو حتى مجرّد دروع بشرية، في معارك عبثية لا تنتهي.
وسط هذا الانحدار الشامل، وانهيار مؤسسات التحضّر، سيكثر بشدة ما يظنّه البعض أداءً جندرياً لا نمطياً. إذ ما النمط الأخلاقي الجدّي، الذي يجب أن يلتزم به الناس؟ عائلة أبوية تقليدية، يكفيها معيلها الرجل، وتبقى نساؤها في البيت، محافظات على كل الأداء الجندري المنسوب للعفّة النسائية؟ ربما كان أكثر أنصار «قيم الأسرة والمجتمع» تشدداً يدركون أن هذا مجرّد هراء. بالعودة إلى المثال العراقي، ينحشر في «مدينة الصدر» ثلاثة ملايين إنسان، حسب بعض التقديرات، وهؤلاء مضطرون لممارسة حياتهم في مساحة شديدة الضيق، وسط فقر مدقع، وتحت هيمنة ميليشيات من أنواع مختلفة. وفي كل فترة تبرز من المدينة صيحة أو ظاهرة «غريبة» تثير سخرية البعض، والذعر الأخلاقي لآخرين، وكأن «مدينة الصدر» موطن ألف ليلة وليلة بغدادية جديدة. بالتدقيق قليلاً، لا نرى في الصور والتسجيلات المقبلة من هنالك سوى شباباً يحاولون الاستمتاع بحياتهم، والتزيّن، والرقص، عبر تركيبات يبتكرونها، تجمع عناصر ثقافية وتقنية وتراثية وعشائرية متعددة المصادر، ولا تبدو غريبة عن محيطها؛ الأهم أننا لا نلحظ تقريباً وجود النساء، ما يدفع للتساؤل: أين هن؟ وماذا يفعلن فعلاً وسط هذا الجو؟ حتى في الأمكنة المُتهمة بـ»الانحلال» تبقى النساء عنصراً مُجهّلاً، وغير مرئي.
إذا كانت السلطات عاجزة عن تحويل شباب ذلك النوع من المناطق إلى عمّال وجنود نظاميين، وأرباب عائلات نموذجية، وتلبية الحد الأدنى من احتياجاتهم الحيوية، فلماذا لا تتركهم وشأنهم، وتصرّ على ضبط أخلاقهم؟

حرّاس الإباحية

يصعب أن تدّعي أي دولة أنها حارسة الأخلاق بوجود ميليشيات غير منضبطة، إذ يمكن لعنصر ميليشيا قوية، في شرط انفلات أمني، أن يفعل ما يشاء فعلياً، وتحقيق فانتازمات، متعلقة بالجنس والعنف، من النوع الذي لم نسمع عنه إلا في الآداب السريالية.
تنتج الدول الخاضعة للميليشيات فضاءات متعددة للإباحية العدوانية، غير ممكنة في أية دولة قانون، مهما كانت قوانينها ليبرالية، والعلاقة بين أطراف هذه الإباحية ليست رضائية بالتأكيد، بل عدوان متكامل، تروح ضحيته الفئات الأضعف اجتماعياً؛ أما في الدول التي لم تنحدر إلى المرحلة الميليشياوية بعد، فيمكن أيضاً رصد أشكال متعددة من الإباحية، ومنها الاعتداء الشامل على الحضور النسائي في الحيز العام، والذي لا تعتبره تلك الدول مشكلة بحجم «البغاء» و»المثلية الجنسية» و»تشبّه الرجال بالنساء»؛ هذا فضلاً عن الانتهاكات التي ترتكبها جهات، مرتبطة بأجهزة السلطة في كثير من الأحيان. توجد نظائر لـ»مدينة الصدر» في مدن عربية أخرى، مثل القاهرة المصرية، والجزائر العاصمة.
يبدو أن هذه الدول تحرس نمط الإباحية الذي ترتضيه، وتمنع غيره. في العراق ما تزال مشاريع قوانين العنف الأسري عالقة، رغم أنها لا تحقق حماية فعلية للأطفال والنساء؛ وينتظر مُهجّرون كثر بيأس سماح الميليشيات بعودتهم إلى بلداتهم وقراهم؛ أما المشي في الشارع فهو مغامرة بالنسبة لأي امرأة أو فتاة. لماذا هذه الإباحية بالذات تبدو مقبولة أخلاقياً؟

صناعة «المقاومة»

قد يمكن تفسير هذا بضرورات الحفاظ على صورة النظام الأبوي التقليدي، في مجتمعات منحدرة في كل المجالات، لكنّ الوضع العام، الذي تكرّسه الدول الحالية، لا يبدو شبيها بأية صورة ثقافية أو تراثية نعرفها عن الأبوية. توجد فقط عُصَب ذات نفوذ، هي أول من يدمّر أي تقليد مترسّخ؛ كما أنها لا ترى، على خلاف أي «أب» أن حياة البشر واستمرارهم مسؤوليتها. واجبها المعلن الوحيد هو «مقاومة» شيء ما، سواء كان الاحتلال أو المؤامرات الخارجية أو الهيمنة الأجنبية، حتى لو كانت في مركز متقدّم على لائحة متلقي مساعدات الدول الغربية. أما مكافحة «الشذوذ» فتأتي، على ما يبدو، في سياق «مقاومة» انحلال أخلاقي مفروض من الخارج، على دول مليئة بـ»الأطهار».
ربما ليس من وظائف الدول العربية الحالية تنشئة عمّال وجنود؛ أو حتى سوق من المستهلكين المرنين، حسب النقد اليساري الدارج للسياسات الحيوية المعاصرة في الدول الغربية، بل الحفاظ على خزان بشري من «المقاومين» تستمد من حضورهم تسلّطها، ورواية ما عن شرعيتها، وهي رواية مثيرة للتهكّم والأسف لأبعد الحدود. يبقى السؤال: هل من الممكن مقاومة كل هذه «المقاومة»؟

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية