كانت الليالي الألف وما تزال منجما سحريا للاستشراق وتجلياته وانعكاساته في ثقافتنا المعاصرة، ليس فقط على مستوى المعمار الحكائي او تقنية السرد بل على مستوى التأويلات السايكولوجية والاجتماعية، لأن الليالي الألف هاجرت من سياقها الشرقي الى ثقافات اخرى تلقتها للمرة الاولى كنموذج لعالم مسحور ومشحون باسطورة اضافة الى ما يرشح منها من اشباع وهمي لِشَبَق استشراقي رأى في الجانب الاخر من كوكبنا عالما مُضمّخا بالبخور والاضاءة الزّيتية الخافتة التي تتيح للجسد ان يتولى الاضاءة بما يلبي الغرائز.
وقد كُتب الكثير عن الليالي سواء من حيث معمار الحكاية الاشبه بالدمى الروسية المتداخلة او من حيث اقتران السرد الانثوي بسادية ذكورية جسّدها شهريار، وما كنت لأتذكر الليالي الألف لولا ما حدث خلال هذا العام وما سبقه من تزامن دراماتيكي بين ثلاثة احتفالات عالمية متعاقبة بالمرأة أُمّا وحبيبة كعيد الام وعيد الفالنتاين وبين عدد لا يحصى من انتهاكات المرأة واغتصابها خصوصا ما تعلق باغتصاب اطفال اناث دون سن الخامسة، بحيث بدت اسطورة باندورا الاغريقية وصندوقها المليء بالشرور كما لو انها تصدر بطبعة جديدة لكن عبر الانترنت وسائر وسائل الاتصال.
اهم ما استوقف الباحثين والنقاد في الليالي ومن خلال السّرد، هو ذلك الشرط الوحشي الذي يجعل من الحكي او السّرد اداة وحيدة لتأجيل الحكم بالاعدام، فشهرزاد تطيل عمرها يوما آخر بالحكاية المؤجّلة فقط، والليل بظلامه واشباحه وكائناته الاسطورية هو زمن السرد، اما النهار فهو من حصة شهريار الذكر، لهذا كانت شهرزاد قابلة لأن تتخطى شرطها التاريخي والجنسوي لتصبح رمزا لكل من يدافع عن بقائه حيا بالسرد سواء كان مجرد حكايات او أدبا بمختلف انواعه، فثمة كُتّاب مشاهير طالما رددوا عبارة الكتابة او الموت، لكن ‘شهريارهم’ من طراز آخر، انه العَدَم او الفراغ الوجودي الذي يتربّص بهم اذا صمتوا، لكن شهرزاد الطفلة التي اغتُصبت مرار في مطالع الألفية الثالثة لم تكن تروي او تؤجل الموت بالسرد حتى صياح الديك، لأن شهريار المعاصر اصمّ ولا يريد ان يصغي لغير صدى صوته، فالثقافة التي ترعاها نظم باترياركية وثيوقراطية ذكورية بامتياز سياسي لم تغادر المونولوج الى الديالوج منذ ستة الاف عام، وشهريار المعاصر الملفّق من فيس بوك وافلام بورنو وعادات استهلاكية لا يتوقف لعابه عن السيلان تحت تأثيرها، فَقَدَ ما تبقى من رشده الانساني، ولأن الحقبة التي نموتها اكثر مما نعيشها اختزالية في كل شيء فإن المرأة لم تسلم من هذا الاختزال، وهذا ما تحدّث عنه باسهاب د. مصطفى حجازي في كتابيه عن الانسان المقهور والانسان المهدور، فالاختزال الباترياركي فكك المرأة ككيان بشري وحوّلها اولا الى كائن ناقص ومحذوف منه ذلك القوس وهو الامتياز الآدمي ثم اختزلها الى وظيفة واخيرا الى عضو.
لهذا وجد الانثروبولوجست بيير كلاستر في دراساته الميدانية لشعوب بدائية ان المرأة يرمز اليها بالسّلة لجني الثمار سواء كانت ثمار اشجار او حملا ومخاضا وولادة، فيما يرمز الى الذكر بالقوس لأنه اداة القتال والصّيد والمبادرة.
* * * * * * *
ما يليق بعصرنا هو مخطوط جديد بعنوان الف نهار وشهريار، فالليل اصبح مضاء بكهرباء سخية طردت اشباحه وكائناته السريّة ولم يعد الفجر بحاجة الى ديك يعلنه على سطح مزبلة او في قنّ دجاج، وشهرزادات ايامنا رغم اعلانهن القطيعة عن الجدة شهرزاد بطلة الليالي وضحيّتها معا، الا انهن وقعن في كمين ذكوري آخر، إذ اصبح عليهن ان يسردن حكايات لا علاقة لها باللغة والسرد المباشر، عليهن ان يشتبكن مع العُمر والشكل، بحيث اصبح العدو الاول لهن هو السُّمنة والشيخوخة المبكرة وهاجس التصابي والترشيق يبتلع الطاقة الانثوية كلها باستثناءات تكاد ان تكرّس القاعدة. فنساء الاعلانات اللواتي نُزِعت عنهن الصفة الانسانية عليهن ان يواصلن السرد بلغة الجسد، والتوقف عن ذلك يعني الجوع والتشرد وبالتالي الموت البطيء لأن شهريار الان هو الرأسمالية في ذروة توحشها وشعارها المضاد للتاريخ والدّين حتى في معاقلها الاوروبية والامريكية هو ان الانسان يعيش بالخبز وحده، فقد قُلِبت المعادلات كلها، بحيث تقدمت الكماليات والثانويات على الضروريات لهذا وعلى سبيل المثال فقط تنفق الدول الاشد فقرا مليارات الدولارات على تكاليف الثرثرة بالهواتف النقالة ومساحيق التجميل، وكما لاحظ ريجيه دوبريه اثناء زيارته لتلك الدول ومنها اقطار عربية بإن الصيدليات تحولت الى صالونات تجميل وقد تُنقِق امرأة مريضة ما يكفي لعلاجها على الترشيق او التجميل بحيث افترس الثانوي العافية، وهذا ما حدث للمكتبات ايضا حيث تراجع الكتاب لحساب الدُّمى او الاكسسوارات.
* * * * * * * *
شهريار الآسيوي قدّم مُلحقا مثيرا لليالي الألف، بعدة اغتصابات جماعية لنساء مِنهن من انتحرت حرقا ولم تتحول الى جان دارك، ومنهن من ظفر مُغتصبوها بالبراءة لأن القانون ذاته ذكر ايضا كما هو الفقر والطغيان.
لقد بدّلت شهرزاد اداتها في اطالة العمر يوما آخر لأن شهريار ايضا غيّر منهجه وسيفه وأصبح يبحث عن سَرد آخر، وكأن التاريخ ينمو دائريا ويُعاد انتاجه بطبعات مختلفة رغم كل ما يطرأ عليه من متغيرات بفضل العلم. فما يتطور هو الاساليب والادوات فقط، اما النوازع البدائية فهي ذاتها، فالحرب هي الحرب سواء كانت ادواتها السيوف او المنجنيق او طائرة الشبح او السلاح النووي وكذلك التعذيب سواء تمّ بالطريقة التي وصفها ميشيل فوكو عن تعذيب المسيو دميان قبل قرون بواسطة الخيول او من خلال الكرسي الكهربائي الصاعق. لقد اثار شهريار المعاصر شهية مثقفين في مختلف انحاء العالم لتأنيث التاريخ والمستقبل كما فعل فوكوياما، او تحليل لوحة الجيوكاندا لدافنشي على انها تجسيد باللون والخطوط لتاريخ اضطهاد المرأة لأن التناقض فيها أزلي بين عينين مُفعمتين بالحزن وابتسامة غامضة.