الخرطوم – “القدس العربي”: توجه رئيس مجلس الوزراء السوداني الدكتور عبد الله حمدوك مساء الخميس إلى برلين فى زيارة رسمية تستغرق يومين، يشارك خلالها في “مؤتمر ميونيخ للأمن” المنعقد في الفترة من 14 إلى 16 فبراير/شباط الجاري. هذه الزيارة تأتي متزامنة مع قرار البرلمان الألماني الصادر في التوقيت ذاته باستئناف وتوسيع العلاقات الاقتصادية والتنموية مع السودان بعد انقطاع دام ثلاثة عقود، فيما يُتوقع أن يزور الرئيس الألماني فرانك فالتر شتينامير السودان نهاية الشهر الجاري.
ويأتي القرار في إطار الانخراط الألماني تجاه السودان منذ نجاح الثورة التي أطاحت بالرئيس المخلوع عمر البشير في أبريل/نيسان من العام المنصرم، حيث أوفدت الحكومة الألمانية إلى السودان عددا من الوفود الرسمية والفنية لدعم متطلبات المرحلة بناءً على الأولويات التي طرحتها الحكومة الانتقالية. وكان من أبرز الزيارات هي زيارة وزيري الخارجية الألماني في مطلع سبتمبر/ايلول الماضي والتعاون الاقتصادي في فبراير/شباط الجاري.
وقد رحبت حكومة السودان الانتقالية بقرار البرلمان الألماني باستئناف وتوسيع العلاقات الاقتصادية والتنموية مع الخرطوم بعد انقطاع دام ثلاثة عقود. وأشارت إلى تطلعها للعمل مع الحكومة الألمانية على ترقية التعاون التنموي والشراكة الاقتصادية في مجالات عدة أبرزها الطاقة والتعدين والبنى التحتية. وأكدت الحكومة الانتقالية التزامها الكامل لخلق شراكات استراتيجية تنموية مستدامة ترتكز على أسس التنمية الشاملة بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين لدعم الاقتصاد القومي.
مراقبون سودانيون وصفوا قرار البرلمان الألماني باستئناف وتوسيع العلاقات الاقتصادية والتنموية مع السودان بأنه خطوة إيجابية تفتح أبواب التعاون الأوروبي مع السودان بعد ما كان مُغلقاً في وجه الحكومة السابقة لعقود من الزمان.
الخبير الدبلوماسي ومسؤول إدارة الأمريكيتين السابق في وزارة الخارجية السودانية، السفير الرشيد أبو شامة، قال في تصريحات لـ”القدس العربي” إن قرار البرلمان الألماني باستئناف التعاون مع السودان يعتبر قراراً جريئا وشجاعاً منح الحكومة الانتقالية ضوءً أخضر للمرور في مسار فك العزلة الدولية التي كان السودان يعاني منها طيلة حقبة النظام السابق. وأضاف قائلا: “بالتأكيد ألمانيا دولة أوروبية ذات ثقل مقدر في موازين السياسة العالمية وسوف ينعكس تعاونها وتطبيعها مع السودان إيجاباً على مستقبل التعاون الدولي والأوروبي على وجه التحديد مع السودان”.
ووصف المحلل السياسي ورئيس تيار تصحيح المسار القومي، مصطفى عبد الحميد، القرار الألماني بأنه يمثل بداية “العبور التاريخي” لحاجز العزلة الدولية التي تجرع مرارتها السودان وشعبه، جراء سياسات النظام السابق. وقال لـ” القدس العربي”، لم تكن المجهودات الدبلوماسية التي بذلها رئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك لأجل المزايدات أو الاستهلاك السياسي إنما كانت جهداً مقدراً بدأ يطرح ثماره في إعادة السودان إلى منصات التعاون الدولي.
وأضاف عبد الحميد بأن قرار البرلمان الألماني باستئناف التعاون مع السودان بعد جفوة دامت 30 عاماً، يعتبر انتصاراً للإرادة الشعبية التي توجتها الثورة السودانية، وهو بمثابة عبور تاريخي للدولة السودانية في اجتياز الحواجز الغليظة التي فرضتها العزلة الدولية حينما كانت الدولة السودانية مختطفة من قبل مجموعة النظام السابق.
ويرى مراقبون أن التعاون السوداني الألماني يفتح الأبواب للحكومة الانتقالية في المضي قدماً في رحلة التطبيع مع المجتمع الدولي، خصوصاً وأن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يتطلب جهداً دبلوماسياً رفيعاً من قبل حكومة الفترة الانتقالية لمحاصرة الولايات المتحدة عبر سياسة التطبيع مع المجتمع الدولي ومنظماته العالمية حتى تنتفي كل المبررات والهواجس الأمريكية التي كانت تضعها شرطاً تعجيزياً في رحلة السودان للبحث عن الخروج من تلك القائمة السوداء.
وفي سياق ذي صلة، وحسب موقع ” إسمول وورس ” الأمريكي فإن موعد رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب أصبح وشيكا. وعزا الموقع ذلك إلى أن التسوية التي وقعتها الحكومة مع أسر ضحايا المدمرة “كول” هي التي ستساهم في رفع اسم السودان من القائمة. وكان الكونغرس الأمريكي اشترط في وقت سابق ضرورة تنفيذ هذه التسوية حيث يرى أنها مهمة لإزالة العقوبات المفروضة عليه إلى جانب أهميتها في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب .
وكان رئيس الوزراء عبدالله حمدوك قد تعهد في وقت سابق بدفع تعويضات لذوي ضحايا تفجيرات المدمرة “كول” الشهيرة. وقال إن الأمر يعالج من قبل فريق الحكومة السودانية المكلف بالتعاطي مع المسائل المختلفة حول الملف مضيفاً أن التوصل إلى تسوية واتفاق في هذا الصدد مهم وممكن وقابل للتحقق. كما أقر حمدوك بأن ملف التعويضات يعوق مساعي إزالة السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.
مراقبون سودانيون اعتبروا أن خطوة التسوية مع ضحايا المدمرة كول نوعا من أنواع العدالة الإنسانية للمعتدى عليهم، ونقلت بعض المنصات الإخبارية عن المحلل السياسي عبدالله آدم خاطر قوله “إن اتفاق الحكومة مع أسر ضحايا المدمرة “كول” يعد لمسة إنسانية تستحق التقدير” مشيراً إلى أن “المدخل الإنساني الذي ستقدمه الحكومة لأسر الضحايا كفيل بإزالة اسم السودان من القائمة، باعتبار أن الحكومة اعترفت بحق الإنسان وبالضرورة.