من المفيد أن نتذكر ما قيل من الحكم في حق النتائج التي يرتجى تحقيقها في كل الأحوال وهنا أتذكر مقولة زتمخض الجمل فولد فأراس ربما أكون متسرعا كثيرا إذا أردت أن أرى نتائج الثورات العربية تتحقق بين لحظة وأخرى أو في فترة وجيزة دون الأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن الذي هو جزء من العلاج في سنن الأقدار.
فالثورة لا تقاس بزمن الأفراد والجماعات بل بحجم التضحيات والمآلات والوسائل المتبعة والإمكانيات، والترابط الوثيق بين مختلف المكونات التي تجعل منها كائنا حيا يتحرك إلى الأمام ويتخطى تنوع الصعوبات. فقد تزوجت الثورة بالشعب ومرت الليالي والأيام وهي الآن حبلى ولا نعلم متى تنجب وكيف تتمخض فهل نعرضها على الأطباء والأشعة لتشخيص مولودها أم نتركها للأقدار ترعاها، فالغريب أننا نسمع بين الفينة والأخرى أصداء من الأجداد يقولون لنا دعوها فإنها مأمورة فهذه حكمة أخرى.
من الواضح أننا نتحسر يوميا لفقدان عدد من الأصدقاء الذين سقطوا في الميدان تأكيدا للمخاض الذي يصيب الثورة فليس من سمع كمن شاهد ومن قتل كمن نقل جثمانه ولكنهم جميعا في بطن واحد، فالكل يعمل على شاكلته والمطلوب من السامع والمشاهد والكاتب توثيق ما يحصل في الواقع بأمانة ونقلها إلى الأجيال القادمة، فرب ضارة نافعة وهنا واحدة أخرى.
والمتأمل والمتابع للأحداث التي تحملها الثورة العربية الحديثة أن التهافت على التضحية بشراهة ونهم كبير، لا يقتصر على الشباب والشيوخ والبنات والنساء، فقد تقدمت المرأة فيها خطوتين إلى الأمام، فأما الخطوة الأولى تعتبر في إنتاجها لرجال أسقطوا جدار الخوف وركبوا قطار التغيير رافعين راية الحرية ولا يأبهون بألم الثورة، والخطوة الثانية أنها خرجت عن بكرة أبيها وأمها تأبى إلا أن تكون الوجهة الثانية لعملة الثورة وتدحض الصورة المشوهة لاستحواذ الرجل على المشهد العام فالمرأة والرجل وجهان لعملة واحدة.
فكم من الشهداء في الثورة العربية المعاصرة الذين سقطوا في ميدان الشرف حتى نسجل مآثرهم ونحفظ لهم حقوقهم وذويهم ونحدد أعدادهم؟ أم أن القفز على بطن الثورة يجعل من أعدادهم تستنسخ بأسماء مستعارة وتنتفخ الثورة بمرارة الأحداث والخرافات التي تنسج من طرف الكثير من السماسرة والمتاجرين بعذرية الثورة والكل ينسب له الفضل في الزواج بها وتبني مولودها ويمسي ويصبح كل يغني على ليلاه.
ألا يتألم هؤلاء الذين كانوا سببا في هتك عرض هذه الثورة باحتضانهم وتبنيهم للفساد والقهر والاستبداد والزج بأفراد الشعب في دهاليز سجونهم وزنزاناتهم والتلذذ بتعذيبهم دون مقابل، ألا يخجلوا من أنفسهم حين عودتهم إلى قصورهم وخليلاتهم، فنحن نتألم لهم لأنهم فقدوا كرامتهم وإنسانيتهم، فهل سنشهد زواج المتعة بهذه الثورة من طرف هؤلاء مرة أخرى؟ فهل سنشهد صحوة ضمير وكشف غمام على قلوب الساسة والرؤساء والقادة والزعماء لمتابعة هذا المخاض والاعتناء بهذه الثورة والوصول بها إلى بر الأمان؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تحولا مدمنا على المسكرات إلى مدمن على المخدرات فيزداد ألما على ألم ذلك ما لا نرجو أن نراه في قابل الأيام ونتمنى أن الثورة لم تلد ولن تولد.
باهي لخضر التبسي – الجزائر.