د. عمر الكبيسي
بأدب وخضوع وفي حالة استنفار واستذكار لأحوال الأمم السالفة وما تعرض له أنبياؤها من عذاب وتنكيل يقرأ النبي (ص) سورة هود ويتابع بسرد القـــــصص وسيرة الأمم السابعة فيقـــــول (شيبتني هود) وكأنه يستذكر وهو خاتم النبيين ما ســـتؤول إليه أحوال أمته المتأخرة فيحـــمل بهذا الاســــتذكار هـــــما وقهرا يـشيب له شعر رأسه الشريف (نحن نقص عليك أحسن القصص). في سورة هود وأمام مشهد رهيب بين ركب العون الإلهي الملائكي لنبي الله لوط وبين حشد الفحشاء من قومه الجاهزين والجاهزين بالجرعة ينتفض هذا النبي بنداء التكليف والحرص بقوله تعالي (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود )وأنا في أجواء هذه المقدمة وفي رحاب ليلة رمضانية دعني استذكر المشهد العراقي اليوم في ظل احتلال غاشم ومخطط تهشيمي رهيب تديره وتشرف علي تنفيذه أغني قوة عسكرية وأحنك مجموعة سياسية تملوها اكبر خزينة مالية في الأرض اختارت العراق من دون كل دول الأرض مسرحا لتنفيذه وهيأت لذلك كوادر اختارتها لتلعب الأدوار المرسومة فيما تسميه (بالعملية السياسية) اتخذت من جدران المنطقة الخضراء المحصنة سورا لها تعزلها عن جانب تراجيدي من المشهد حيث يرزخ شعب كامل صابر تعبث به الفوضي والبلاء والقتل والخطف بلا ابسط مستلزمات للحياة والعيش.
عراق الأمس الأمن والموحد المشع بالعلم والقوة والحضارة يطفح اليوم دما وقتلا وتخريبا ودمارا تعيث فيه شراذم الرذيلة والجريمة والفساد قهرا وتعسفا تنهب ثرواته وتهشم وحدته وكيانه مخططات تقسيميه طائفية غريبة عن ثقافته وثوابته بشعارات الديمقراطية والليبرالية المسيسة بلباس الأجندات الدينية والمؤطرة بطائفية المذاهب وسياسة التهميش ليقتل كل يوم بدعواها مئات الشباب والأطفال علي الهوية. جرائم الاغتصاب لم تعد تحرك المشاعر في حين تنفذ فيه مخابرات الجريمة من كل صوب وحدب جرائمها ودسائسها علي مشهد من علية القوم وساستهم.
ومسائل التعذيب والعنف والقتل في سجوننا أصبحت موضع استنكار واستهجان لكل دول وشعوب العالم في حين ينكرها وينفيها الساسة عندنا.
امة يعبث في جنسها وأمنها وتفتت قواها الأمنية والعسكرية التي كانت رمز نهوضها وقوتها، لتحل مكانها تشكيلات عسكرية وأمنية ليست لها مقومات القوة والنزاهة ولتعشش فيه ميليشيات الأحزاب والشوارع تنفذ من خلالها فرق الموت أبشع صور القتل والتعذيب وباعتراف موثق من قبل سلطة الاحتلال واستخباراتها في حين تنفي وزارة الدفاع والداخلية هذه الوثائق والتقارير جملة وتفصيلا.
نهب وسلب في الأموال والثروات والواردات وفساد مالي نال كل الوزارات والمؤسسات وغياب للأموال والمخصصات بعقود زائفة أو مريبة تتحدث عنه كل الوكالات والهيئات ووسائل الإعلام وليس لذلك من رادع. نفط يصدر بلا مكيال وأموال تصرف بلا تنفيذ ومنجزات تعلن بلا وجود وهدر ونهب بلا حدود او عقود في ظل حكومة تسمي دستورية ومجلس امة ونواب يقال عنه انه منتخب.
امة يأكل بعضها كلها يجمع فيها أهلها علي التقسيم ويختلفون فيما بينهم علي كيفية هذا التقسيم كل بعض منهم يرعد أن يخطي بما يملك الكل غيمة بلا خجل أو حياء. هم الساسة اليوم وقبل كل شيء كيف ستقطع الكيكة مثلثات أم مستطيلات أقاليم أم محافظات طوائف او عرائق ويسمي كل بعض منهم نفسه (العراق) مهزلة يستوون من اجلها قوانين ودساتير يحكم دستور الجزء والأقاليم دستور الأمة والكيان.
امة تنكر أصولها وجذورها وتزييف توابعها وعقائدها. امة تختلف في شعاراتها ومكوناتها امة لا تملك علما موحدا ولا حكومة مؤتلفة يتجاوز نوابها في المنطقة الخضراء حوار الطرقات ويتصارعون… امة تقذف وتهجر مفكريها وعلماءها وأطباءها وخيرة اهلها خارج حدودها بعد ان تفتك فيهم قتلا وخطفا وابتزازا في حين يعبث الأشرار والمجرمون وهواة الجريمة في الأرض فسادا.
شعب تهدم مساجده وحسينياته ودور العلم والعبادة والجامعات والكليات ولم تسلم حتي الآثار والمتاحف من العبث والنهب ولم يسلم من أهل المعرفة والعلم والحكمة فيه احد.
شعب عريق بالحضارة أول من سنت فيه القوانين والمسلات يعجز أهله وساسته عن كتابة دستور له يضمن وحدته وسيادته وكرامته وكأنه شعب بلا ركائز أو ثوابت أو جذور والعالم كله يشهد انه شعب القلم والقانون والحضارة.
أيها الساسة.. أيتها الكتل. أيها النواب والوزراء. أين منجزاتكم أين الوعود؟ أين الأمن؟ أين الخدمات؟ أين السيادة؟ أين الجيش الذي وعدتم بإعداده؟ أين الدستور الذي ما زلتم تتصارعون حوله؟ أين الكهرباء؟ أين الماء؟ أين الوقود؟ ماذا عن القـــــتل والخطف؟ ماذا عن الأرواح والدماء أين المصالحة التي تنشدونها؟ ومع من تتصالحون؟ مع الشعب؟ ام فيما بينكم علي تقسيم الغنائم؟ وعلي من تمررون ذلك والدماء سائلة والأوضاع إلي الهاوية ايلة؟ وأخيرا ما موقفكم من الاحتلال الذي عاث في الأرض فسادا؟ أقوات الاحتلال تقتل وتغتصب وتهدم وتقصف وتحرق ودسائسه تفرق وتشتت وساسته يخططون ويتخبطون وانتم لا زلتم في ظله تخوضون صراعات السلطة وتشهدون بأم أعينكم ما وصلت إليه العباد والبلاد من بلاء ودمار وكساد!
في ظل هذا المشهد المأساوي ليس لي من جواب الا العودة إلي المشهد القرآني في سورة هود هذه السورة التي شاب لها رأس رسول الله (ص) لعلها تشيب رؤوسكم وتلامس أدمغتكم وتعيدكم إلي وعيكم. وما كان ربك ليهلك القري بظلمٍ وأهلها مصلحون الي قوله تعالي وقل للذين لا يؤمنون اعملوا علي مكانتكم إنا عاملون وانتظروا انا منتظرون. هودإن لكم فــــي سورة هـــــود من القرآن الكريم ما يكفيكم مـــــن وعيد. أليس منكم رجل رشيد؟ ہ أكاديمي عراقي يقيم في الاردن8